تحميل

إبحث

في الصميم

الذكاء الاصطناعي يصنع الفتنة… والدهاء البشري يُكملها

Manipulating chaos

ليست الفتن التي تضرب المجتمعات دائماً وليدة غضبٍ عفوي أو خلافٍ طبيعي. كثيرٌ منها يُصنع بهدوء، ويُدار بدهاء، ثم يُلقى في بيئة اجتماعية متوترة، ليتكفّل الانفعال الشعبي بإكمال المشهد

في عصر الذكاء الاصطناعي، دخلت الفتنة مرحلة أكثر تعقيداً، إذ باتت الروايات تُصنع رقمياً بسرعة مذهلة، بينما تتولى العقول البشرية المتعصبة نشرها والدفاع عنها. وهكذا نشهد اليوم ما يمكن تسميته بوضوح: فتنة الدهاء البشري في عصر الذكاء الاصطناعي.

في الماضي، كانت الفتن تحتاج إلى شبكات دعائية، أو خطباء يحرّضون الجماهير، أو إعلامٍ موجّه يكرّر الرواية حتى تصبح حقيقة في أذهان الناس. أما اليوم، فقد تغيّرت الأدوات جذرياً. خوارزمية ذكية، وعدة آلاف من الحسابات الوهمية، ومقطع فيديو مُصمَّم بعناية، يمكن أن تشعل جدلاً طائفياً خلال دقائق.

لم تعد المعركة على الأرض فقط، بل في العقول وعلى الشاشات. ومنصات التواصل لم تعد مجرد فضاء للتعبير، بل تحوّلت إلى ساحات مفتوحة لإدارة الصراعات النفسية وصناعة الاستقطاب.

خلق شعور عام

التقنيات الرقمية الحديثة قادرة على إنتاج سيلٍ متواصل من المحتوى الموجَّه، إلى درجة يمكن معها خلق شعورٍ عام بأن المجتمع كله غاضب أو منقسم. وفي كثير من الأحيان، لا يكون هذا الغضب سوى نتيجة تفاعل الناس مع محتوى تم إنتاجه أو تضخيمه عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، أو عبر جيوش من الحسابات غير الحقيقية.

ومن خلال منصات مثل إكس وفيسبوك، تنتشر الروايات بسرعة تفوق قدرة العقل النقدي على التحقق منها، فيدخل الناس في سجالات حادة يظنون أنهم يخوضون فيها معركة الحقيقة، بينما هم في الواقع يتفاعلون مع روايات صُممت بعناية لإثارة انفعالاتهم.

 

الخوارزميات لا تُشعل الفتنة وحدها؛ الإنسان هو الذي يصدّقها، وينشرها، ويمنحها نارها الأخيرة

استثمار الانقسام الديني

الانقسام السني–الشيعي ليس جديداً في التاريخ الإسلامي، لكنه لم يكن دائماً بهذا الحضور المتوتر في الحياة اليومية للمجتمعات. ففي مراحل كثيرة، بقي الخلاف في إطاره الفقهي أو السياسي المحدود. الجديد اليوم هو تحويل هذا الانقسام إلى مادة سياسية تُستثمر في صراعات النفوذ الإقليمية.

هناك أطراف عديدة في المنطقة تجد في تأجيج هذا الشرخ وسيلة لتعزيز حضورها أو لتثبيت مشروعها السياسي، ولذلك تُضخ الروايات التحريضية باستمرار، وتُضخَّم الأحداث الصغيرة حتى تبدو وكأنها مواجهة كبرى بين معسكرين متناقضين.

لكن الحقيقة الأكثر إيلاماً أن الفتنة لا تنجح فقط بذكاء من يصنعها، بل أيضاً باندفاع من يصدقها من دون تفكير. وهنا تظهر المفارقة بين تطور الأدوات التقنية وبين تراجع الحس النقدي لدى قطاعات واسعة من الناس. فبينما يتقدم الذكاء الاصطناعي بسرعة مذهلة، يبدو أن الاستعداد البشري لتصديق الروايات الطائفية لا يزال كما هو، وربما أشد اندفاعاً.

النموذج اللبناني

يقدّم لبنان نموذجاً واضحاً لهذا المشهد. فالبنية الطائفية الحساسة في البلد تجعل أي رواية قابلة للتحول بسرعة إلى مادة استقطاب. وفي أوقات الأزمات، وحتى في أماكن يُفترض أن تكون إنسانية بحتة، مثل مراكز إيواء النازحين، تظهر أحياناً لغة التصنيف السياسي والطائفي.

يتحوّل النقاش سريعاً إلى أسئلة من نوع: من يقف مع الحزب وإيران؟ ومن يعارضهما؟ وفي لحظة يُفترض أن يتقدّم فيها التضامن الإنساني، يعود الخطاب الطائفي ليقسّم الناس داخل المكان الواحد. وغالباً ما تبدأ هذه السجالات من منشور مجهول، أو فيديو مقتطع من سياقه، ينتشر بسرعة قبل أن يتأكد أحد من صحته.

منهجية المعرفة

وسط هذه الفوضى، تظهر مسألة منهجية المعرفة ذاتها. فالتقليد العلمي عند أهل السنة يقوم تاريخياً على منهجية السند؛ أي التحقق من سلسلة الرواية، ومن مصادرها، ومن مصداقية ناقليها، قبل قبولها أو ردها. وهذه المنهجية لم تكن مجرد تفصيل علمي في علوم الحديث، بل كانت ثقافة معرفية تقوم على التدقيق والتمحيص وعدم التسليم بكل ما يُقال.

في المقابل، كثيراً ما يُلاحظ في الخطاب الشيعي المعاصر ميلٌ أكبر إلى الاعتماد على الروايات المتداولة داخل البيئة المذهبية، من دون إخضاعها دائماً لروح النقد أو المساءلة، خصوصاً عندما تتصل بالسرديات السياسية المرتبطة بالمحور الإقليمي الذي تمثله إيران أو القوى المتحالفة معها.

والمفارقة هنا أن بعض هذه الروايات يُصدَّق ويُدافَع عنه بحماسة كبيرة، حتى لو كان بلا مصدر واضح أو دليل موثوق، فقط لأنه ينسجم مع الانتماء السياسي أو المذهبي. فلا يُسأل عن السند، ولا يُناقَش المنطق، بل يكفي أن يخدم الرواية الجماعية حتى يتحول إلى حقيقة شبه مقدسة في الوعي الجمعي. وهنا يصبح التعصب بديلاً من التفكير، والانتماء بديلاً من العقل.

السؤال الذي يغيب وسط هذا الضجيج هو سؤال بسيط، لكنه حاسم: من المستفيد من كل هذا؟ بالتأكيد ليس النازح الذي يبحث عن مأوى، ولا العائلة التي فقدت بيتها، ولا المجتمع اللبناني الذي يعيش أصلاً أزمات متراكمة. المستفيد غالباً هو من يحتاج إلى إبقاء المجتمعات في حالة تعبئة دائمة، لأن المجتمعات الغاضبة والمنقسمة أقل ميلاً إلى التفكير النقدي، وأكثر استعداداً للانقياد خلف الشعارات.

مسرّع خطير للفتن القديمة

الذكاء الاصطناعي، في ذاته، ليس المشكلة. يمكن أن يكون أداة هائلة للمعرفة والتقدم. لكن في أيدي من يجيد استغلال الانقسامات، يمكن أن يتحول إلى مسرّع خطير للفتن القديمة. ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأهم أن الخوارزميات، مهما بلغت من الذكاء، لا تستطيع إجبار الناس على تصديق ما لا يريدون تصديقه. القرار النهائي يبقى إنسانياً.

في زمن الذكاء الاصطناعي، ربما لم يعد السؤال الأكثر إلحاحاً هو: إلى أي مدى أصبحت الآلات ذكية؟ السؤال الحقيقي هو: إلى أي مدى ما زال الإنسان قادراً على أن يكون عاقلاً قبل أن يصدق، وقادراً على أن يستخدم عقله قبل أن ينجرّ إلى فتنة صُنعت له بعناية؟
al-Post
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا