تحميل

إبحث

في الصميم

المحرومون في لبنان… فائضُ القوّة وعجزُ الحياة

prosperity vs devastation

في لبنان، لا تُقاس التحوّلات الكبرى بالشعارات، بل بما تتركه في حياة الناس حين تهدأ الضوضاء. هناك، في المسافة الفاصلة بين الخطاب والنتيجة، تتكشّف قصة شريحةٍ كاملة انتقلت من توصيف “المحرومين” إلى موقعٍ وازن في المعادلة، ثم وجدت نفسها اليوم أمام اختبارٍ مختلف تمامًا: اختبار ما بعد القوّة، حين تبدأ الكلفة بالظهور دفعةً واحدة.

من الهامش إلى المركز فالحافّة

لم يكن توصيف “المحرومين” يومًا مجرّد مبالغة. لعقود، عكس واقع تهميشٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ واجتماعيٍّ حقيقي. لكن ما حدث لاحقًا لم يكن تطورًا تدريجيًا بقدر ما كان قفزةً كاملةً في موازين القوّة. عبر تراكم النفوذ السياسي والعسكري، وبناء منظومات خدماتية ومؤسساتية، خرجت هذه الشريحة من الهامش إلى قلب القرار، ومن أطراف الدولة إلى أحد أبرز محدّدات اتجاهها.

هذا التحوّل منح شعورًا بأن المعادلة انقلبت نهائيًا: لم يعد هناك حرمان بالمعنى القديم، بل فائض قوّة. حضور يمتد من الجنوب إلى البقاع، ومن الضاحية إلى مفاصل متعددة في الاقتصاد والخدمات. لكن هذا الصعود، على قوّته، لم يكن مؤسَّسًا بالقدر الكافي على اقتصادٍ منتج أو دورةٍ مستدامة، بل على توازنات دقيقة: تدفقات مالية، شبكات دعم، وغطاءات سياسية داخلية وإقليمية.

وهنا تحديدًا، بدأ التناقض الصامت.

صعود بلا جذور اقتصادية كافية

في العمق، لم يُترجم هذا النفوذ إلى نموذج اقتصادي يحمي المجتمع من الهزّات. لم تتشكل طبقة وسطى صلبة بقدر ما توسعت طبقة تعتمد، بشكل أو بآخر، على شبكات دعم أو اقتصادٍ موازٍ. ومع الوقت، أصبحت هذه البنية أشبه بعمارةٍ قائمة على أعمدة غير متكافئة: قوية في السياسة والأمن، لكنها هشّة في الاقتصاد.

كانت الأسئلة المؤجَّلة كثيرة: ماذا لو توقفت التدفقات؟ ماذا لو تبدّلت الظروف الإقليمية؟ ماذا لو انكسر الغطاء الذي حمى هذه المعادلة لسنوات؟

اليوم، هذه الأسئلة لم تعد نظرية.

طبقتان… وانكماش الخيارات

الواقع الحالي يعيد تشكيل المجتمع نفسه إلى طبقتين واضحتين، لكنهما تتحركان نحو نقطة مشتركة من الهشاشة.

هناك فئة ما زالت قادرة على “تدبير حالها”. تملك المال أو العلاقات أو القدرة على الانتقال إلى مناطق أكثر أمانًا. تستطيع شراء الاستقرار، ولو مؤقتًا. لكن هذه الفئة نفسها بدأت تنكمش، لأن كلفة الأمان ترتفع، والفرص تتراجع، والاقتصاد ككل يضيق.

في المقابل، تتوسع فئة أخرى تُدفع تدريجيًا إلى اقتصاد الإعاشة. هنا، لا خيارات حقيقية، بل انتظار: خيمة، غرفة جاهزة، مساعدة شهرية، أو دور في قائمة دعم. يتحول الفرد من صاحب قرار إلى “ملف” ينتظر التقييم: تعبئة استمارات، مراجعة جمعيات، وشرح تفاصيل الحياة أمام موظف، بانتظار مبلغ قد لا يتجاوز بضع مئات من الدولارات.

هذا التحوّل ليس اقتصاديًا فقط، بل وجوديّ.

 

lebanon_new_concept

من الامتلاك إلى التخلّي

الأقسى في هذه المرحلة ليس الفقر بحدّ ذاته، بل الانحدار السريع من حالة امتلاك إلى حالة تصفية. من كان يملك بيتًا وحديقةً أو مؤسسة صغيرة، يجد نفسه مضطرًا لبيعها بأقل من قيمتها بكثير. ليس لأن السوق فقط انهار، بل لأن الوقت ضاغط، والدين لا ينتظر، والخروج أصبح أولوية.

أرض تُقدَّر بعشرات آلاف الدولارات تُباع بجزءٍ من قيمتها. بيوت تُترك، وذكريات تُختصر بقرار بيع سريع. هنا، لا يخسر الإنسان مالًا فقط، بل يخسر سرديته الشخصية: قصة النجاح، الاستقرار، والانتماء إلى مكان. وهذا النوع من الخسارة لا يُعوَّض بسهولة.

انكشاف القواعد غير المكتوبة

ما يتكشف اليوم ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل انهيار منظومة “القوانين غير المكتوبة” التي حكمت المرحلة السابقة. تلك التي وفّرت حماية ضمنية، أو سمحت بتجاوزات، أو أعطت انطباعًا بأن الكلفة مؤجَّلة.

مع تغيّر الظروف، لم يعد هذا الغطاء كما كان. التوازنات الإقليمية تبدّلت، والضغوط تضاعفت، والقدرة على احتواء الأزمات تراجعت. فجأة، يظهر الواقع بلا وسائط: اقتصاد ضعيف، مؤسسات منهكة، ومجتمع يُطلب منه أن يواجه نفسه دون شبكات الأمان السابقة.

هنا، يصبح السؤال أكثر حدّة: هل كان ما تحقق قوّةً مستدامة، أم مرحلةً مدعومة بشروط استثنائية؟

وهم ما بعد الحرب

في الوعي اللبناني، هناك دائمًا رهان على أن كل حرب تنتهي بإعادة ترميم ما كان. لكن المؤشرات الحالية تقول إن هذه المرة مختلفة. ما بعد هذه المرحلة لن يكون نسخة عن السابق، لأن الشروط التي صنعت السابق لم تعد قائمة بالكامل.

الرهان على أن التضحيات ستتحول تلقائيًا إلى مكاسب يبدو، حتى الآن، أقرب إلى الأمل منه إلى الواقع. التجارب القريبة لا تشير إلى عودةٍ مضمونة إلى ما كان، بل إلى انتقالٍ نحو واقعٍ أكثر قسوة، حيث يصبح الاستقرار نفسه إنجازًا نادرًا.

بين النقد والمراجعة

هنا، يفرض النقد نفسه، لا كاتهام جماعي، بل كمحاولة لفهم المسار. هل تحوّل خطاب “المحرومين” من مشروع عدالة إلى أداة تعبئة؟ هل استُثمر فائض القوة في بناء اقتصاد منتج، أم في إدارة توازنات مؤقتة؟ وهل يمكن الاستمرار بالمنطق نفسه وتوقّع نتائج مختلفة؟

هذه الأسئلة لا تستهدف جماعة بقدر ما تستهدف نموذجًا كاملًا.

ما يواجهه هذا المجتمع اليوم ليس سؤال كيف يصل إلى القوّة — فقد وصل — بل كيف يعيش بعدها. كيف يحافظ على طبقة وسطى، على كرامة اقتصادية، على استقرار لا يعتمد على ظرفٍ خارجي أو توازنٍ هش. الخيارات واضحة، حتى لو كانت صعبة: إما الاستمرار في إنكار التحوّل والرهان على عودة زمنٍ مضى، أو مواجهة الواقع كما هو، والبدء بمراجعة عميقة تعيد ترتيب الأولويات: من النفوذ إلى الإنتاج، من الإعاشة إلى الاقتصاد، من القوّة إلى قابلية الحياة. لا شيء يحسم هذا المسار سوى الواقع نفسه. والواقع، حين يتكلم، لا يرفع شعارات، بل يضع الجميع أمام النتيجة.
pic blank- quote
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا