لم يعد مقبولا التعامل مع إخفاقات رئيس بلدية صيدا، منذ تسلّمه مهامه، على أنّها مجرّد عثرات عابرة أو ارتباك طبيعي يرافق البدايات. فالحجّة التي رُفعت طويلًا، ومفادها أنّ الرجل أثبت كفاءةً في مراحل سابقة، سواء خلال جائحة كورونا أو في محطات الحرب الإسرائيلية، لم تعد تصمد أمام الوقائع. طريقة إدارة البلدية للعدوان الإسرائيلي الحالي كشفت، في أكثر من مستوى، حجم الارتجال ومحدودية الجهوزية وضعف الفعالية، في وقت كان يفترض فيه أن تكون الاستعدادات الإغاثية حاضرة سلفًا لا أن تُدار بعقلية المفاجأة وردّ الفعل واللهث وراء الصورة. لكن ما هو أخطر من ضعف الأداء نفسه، أنّ بلدية صيدا تبدو اليوم، عمليًا، تحت تأثير “مركز قرار” غير رسمي، تتقدّمه “سيدة” من خارج المجلس البلدي، ومن خارج الملاك الوظيفي، بل ومن خارج النسيج الأصلي للمدينة نفسها. سيدة لا أحد يعرف بدقة ما هي صفتها الفعلية، ولا بأي تفويض تتحرك، لكنها، على أرض الواقع، تؤدي دور “رئيسة البلدية في الظل”. تحضر في معظم الاجتماعات، تتدخل في تفاصيل الملفات، تتنقل بين المواقع والمحافل، ويبدو أنّ لها الكلمة الراجحة في مسائل تمسّ مباشرة حياة الصيداويين والنازحين، من توزيع المساعدات إلى إدارة الأولويات، تحت عنوان فضفاض اسمه “مستشارة فوق العادة”، يسمع لها رئيس البلدية ويأخذ برأيها في معظم الأحيان. ليست هذه السيدة طارئة على المشهد البلدي الصيداوي، لكن نفوذها تضخّم بصورة لافتة مع وصول الرئيس الحالي، مستفيدًة من علاقة مهنية طويلة تجمعهما، ترسّخت في ملفات الجمعيات والمنظمات الأهلية وغير الحكومية، وتستمر اليوم بغطاء واضح ونفوذ متزايد. لم يعد هذا النفوذ خافيًا على أحد داخل المجلس البلدي، بل تحوّل إلى أحد عناوين التوتّر والتفكك في مجلس يعاني أصلًا من الانقسام والضغائن والتشرذم بين أعضائه. غير أنّ الخطير فعلًا لا يقف عند حدود الخلافات الداخلية، بل يتمثل في أن تتحوّل شخصية من خارج البنية الرسمية إلى جهة تقرير فعلية. تحدد من يستفيد ومن يُحرم، من يدخل ومن يُقصى، كيف تُوزَّع المساعدات، وعلى أي أسس، وتحت أي معايير، بل وكيف تُتداول معلومات الناس العامة والخاصة أمام أشخاص لا يحملون أي صفة رسمية أو مساءلة قانونية. ربما يكون رئيس البلدية، حين ينظر إلى الموجودين على طاولة الاجتماعات من حوله، قد وجد في تكريس هذا الدور مخرجًا من عجزه عن الاتكال على مجلس لا يثق بكفاءته ولا بقدرته على تحمّل المسؤولية. لكن هذا لا يخفف من خطورة المسألة، بل يضاعفها. لأنّ أقصى ما يمكن أن يبرر به هذا الواقع هو أنّ يُدار الشأن العام بعقلية “أهون الشرّين”، لا بعقلية المؤسسات والمحاسبة.