تحميل

إبحث

في الصميم

لبنان في مهبّ التسويات الكبرى

lebanon_sovereignty_concept

تتجه المنطقة إلى إغلاق فصلٍ من أعنف فصول العقد الأخير، مع اقتراب واشنطن وطهران من توقيع مذكرة تفاهم تُنهي حربًا امتدّت قرابة ثلاثة أشهر، وتفتح مضيق هرمز، وترفع الحصار عن إيران، وتُرجئ الملف النووي إلى جولة مفاوضات لاحقة.

في قلب هذا الزخم الإقليمي، يَرِد لبنان في نص الاتفاق بوصفه إحدى الجبهات المشمولة بوقف القتال. غير أنّ القراءة المتأنية تكشف أنّ إدراج لبنان في متن التسوية لا يعني بالضرورة انتقاله من خانة الأزمة إلى خانة الحل، بل قد يضعه في موقع أكثر هشاشة، من ساحة حرب مفتوحة إلى بند تفاوضي تُدار شروطه من خارجه، وتُفرض عليه أكثر مما تُصنع بقراره.

فجوات

تبدأ المعضلة من الفجوة بين النص والضمانة. صحيح أنّ طهران تمسّكت، حتى اللحظة الأخيرة، بربط وقف النار في لبنان بأي اتفاق إقليمي، ونجحت في تضمينه في مذكرة التفاهم، لكنّ النص، في مضمونه العملي، يترك التنفيذ خاضعًا لقواعد أميركية – إسرائيلية مرنة، تُبقي لإسرائيل حق التحرّك متى رأت محاولة لإعادة التسلّح أو التحضير لهجوم.

وبهذه الصيغة، تكون إيران قد ضمنت العنوان لا المضمون، ويكون الاتفاق قد حمل في داخله رخصة دائمة لخرقه. وهذا ما يفسّر استمرار الغارات على الجنوب والبقاع في الساعات التي سبقت الإعلان المرتقب، إذ بدا واضحًا أنّ الميدان يسعى إلى تثبيت قواعده قبل أن يجفّ حبر التسوية، وأنّ موازين القوة تُرسم بالنار قبل أن تُترجم على طاولة المفاوضات.

 

حين تتحوّل الهدنة إلى بندٍ في صفقة إقليمية، لا يعود السؤال متى تتوقف النار، بل من يملك حق تقرير ثمن الصمت اللبناني

إيران أولًا

أما المعضلة الثانية، فتتصل بالحساب الإيراني نفسه. فمصالح طهران في هذا الاتفاق تبدو كبيرة وحساسة، من رفع الحصار، إلى الإفراج عن أصول مجمّدة بمليارات الدولارات، إلى كسب الوقت في الملف النووي. لذلك، من الصعب الافتراض أنّ إيران ستغامر بهذه المكاسب كلها من أجل خرق حدودي في الجنوب اللبناني.

الأرجح أنّ طهران لن تضحّي باتفاقها، بل ستُبقي لبنان بندًا مفتوحًا في المفاوضات اللاحقة، ورقة قابلة للاستخدام، لا قضية تُسقط من أجلها التسوية. وهنا يبرز التحوّل الأعمق، إذ ينتقل الدعم الإيراني تدريجيًا من دعم ميداني نشط إلى دعم سياسي ودبلوماسي يحفظ الحليف، من دون أن يكلّف الراعي ثمن صفقته الكبرى.

واقع جديد

هذا التحوّل يضع حزب الله أمام واقع جديد. فالحزب، الذي قدّم نفسه طوال العقدين الماضيين بوصفه خط الدفاع المتقدّم عن المشروع الإقليمي، يجد نفسه اليوم أقرب إلى أصل تفاوضي داخل صفقة تُدار من فوق رأسه. وحين يربط وقف العدوان بالاتفاق الإيراني – الأميركي، ويعتبره الورقة الأقوى، فهو يقرّ ضمنًا بأن مفتاح الجبهة اللبنانية لم يعد في بيروت وحدها، ولا في الضاحية وحدها، بل على طاولة إقليمية أوسع.

المفارقة هنا أنّ نجاح الاتفاق قد يقيّد يد الحزب أكثر مما يطلقها. فالردّ الذي كان يُقدَّم قبل التسوية باعتباره دفاعًا عن لبنان، قد يُصوَّر بعدها على أنه تفجير للسلام الإقليمي وإحراج مباشر للراعي الإيراني. لذلك، فإنّ أي خرق إسرائيلي محدود قد لا يُقابل برد يغيّر المعادلة، بل برد رمزي ومحسوب يحفظ مبدأ الردع من دون أن يهدّد التسوية الكبرى. وبذلك يدخل الحزب المرحلة المقبلة بهامش مناورة أضيق، وبغطاء إقليمي أقل صلابة.

Geopolitical tension over Lebanon's future
لبنان بعد الاتفاق الأميركي ـ الإيراني: لا حرب كبرى ولا قرار حرّ

على هذه الخلفية، يتقدّم المسار التفاوضي المباشر بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، محمّلًا بتناقض جوهري. بيروت تشترط تثبيت وقف النار أولًا، وتل أبيب تربط انسحابها بنزع سلاح حزب الله، وتسعى إلى نقل التفاوض من مسار أمني عنوانه وقف النار والانسحاب، إلى مسار سياسي عنوانه التطبيع والسلام الدائم.

والاتفاق الإقليمي الشامل لا يحلّ هذا التناقض، بل يعيد تأطيره لمصلحة الطرف الأقوى. فهو يمنح إسرائيل هامش ضغط أكبر، ويضع لبنان أمام استحقاقات أشد صعوبة، في وقت تتآكل فيه المظلة الإقليمية التي كانت تمنح حزب الله، ومعه الدولة اللبنانية، قدرة أوسع على المناورة.

يبقى العامل الأميركي هو الأكثر حسمًا في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة. فالرئيس الأميركي، الذي راهن على إنجاز إقليمي كبير وقدّمه بوصفه انتصارًا، يملك مصلحة مباشرة في تحويل هذا الانتصار إلى مشروع سلام أوسع، لا في ترك لبنان جرحًا مفتوحًا يهدد مذكرة التفاهم كلها.

ومن هنا، يبدو السيناريو الأكثر ترجيحًا هو التسوية المفروضة بالضغط. تستثمر واشنطن زخم اتفاقها مع طهران لفرض مسار لبناني – إسرائيلي متسارع، فتضغط على إسرائيل لكبح خروقاتها وضبط إيقاع انسحابها، وتضغط في المقابل على بيروت لتقديم تنازلات في ملفي الترتيبات الأمنية والسلاح، مقابل انسحاب تدريجي من الأراضي المحتلة.

في هذا المسار، يتقدّم منطق التطبيع المتدرّج الذي تريده تل أبيب، ويُدفع لبنان إلى نقاش داخلي حاد حول مصير سلاح حزب الله واستراتيجية الأمن الوطني، لكن تحت سقف زمني لا يحدده الإيقاع اللبناني، بل تفرضه التسوية الإقليمية.

 

لن يكون هذا الانتقال سهلًا ولا هادئًا، وقد يصطدم بمقاومة سياسية وشعبية، وربما بمناورات ميدانية محدودة، لكنه يبقى السيناريو الأكثر انسجامًا مع موازين القوى الجديدة: راعٍ أميركي يريد إغلاق الملف، حليف إيراني يريد حماية صفقته، خصم إسرائيلي يريد قطف الثمار، ودولة لبنانية تفاوض من موقع الضعف لا من موقع المبادرة.

في هذا المشهد، تضيق مساحة القرار اللبناني. فإمّا أن يكتفي لبنان بانتظار سلبي يُبقي الجنوب رهينة لتوازنات تُصنع خارجه، فتأتي التسوية محمّلة بشروط الآخرين، وإمّا أن تبادر الدولة إلى جمع ورقتي السلاح والدبلوماسية في يد واحدة، فتدخل المرحلة المقبلة وهي تملك ما تفاوض عليه، لا ما تخسره فقط. في الخلاصة، لا تبدو المرحلة المقبلة مرحلة حرب كبرى، ولا مرحلة تحرير بالقوة. إنها أقرب إلى مرحلة تسوية تُفرض من فوق، ويبقى السؤال الأخطر فيها: بأي ثمن سيدفع لبنان، ومن يملك حق تقرير هذا الثمن؟
al-Post
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا