هل يتوب العملاء؟… رحلة في أدمغة الخونة
تُمثّل “العمالة للعدو” واحدة من أعقد الظواهر الإنسانية وأشدها إثارة للاشمئزاز والفضول المعرفي في آن واحد. حين يرتضي فرد ما ليس فقط نقل معلومات لجهة عادية، بل وممارسة التعذيب الجسدي والنفسي بحق أبناء جلدته وجيرانه داخل معتقلات تابعة للمحتل، كما حدث تاريخياً في معتقل الخيام في جنوب لبنان، فإن الأمر يتجاوز الخيانة السياسية إلى تفكك كامل في المنظومة الأخلاقية والنفسية.
مع عودة النقاش في لبنان حول تشريعات عودة “المبعدين إلى إسرائيل” والتمييز القانوني والسياسي بين من حافظ على هويته ومن حمل الجنسية الإسرائيلية، يبرز السؤال الوجودي والعلمي: هل يمتلك العميل بنية نفسية وعصبية قابلة لـ “التوبة” والتخلي عن روح العمالة؟ أم أن الخيانة تُحدث تغييراً بنيوياً لا رجعة فيه؟
هدم الذات
تؤكد المراجع الأكاديمية ودوريات علم النفس الجنائي أن خيانة الوطن والتعذيب لصالح العدو ليست مجرد خطأ سياسي يمكن مسحه بقرار عفو، بل هي “إعادة هيكلة كاملة للشخصية والدماغ”.
فالعميل لا يتوب بسهولة لأن توبته تتطلب هدم ذاته القديمة والاعتراف بأنه ارتكب الفظائع، وهو ثمن نفسي باهظ يفضل عقله الهروب منه عبر الإنكار أو التمسك بروح العمالة. إن التمييز القانوني بين عميل وآخر بناءً على الجنسية المكتسبة قد يخدم تسويات سياسية مؤقتة، لكنه من منظور علم النفس والاجتماع، يتغاضى عن حقيقة علمية ثابتة: من ارتضى أن يكون سوطاً في يد العدو لجلد أبناء وطنه، قد أحدث في قلبه وعقله شرخاً أخلاقياً نادراً ما يبرأ.
هذه رحلة في دماغ الخائن تستند الى أدبيات علم النفس الجنائي، علم الاجتماع السياسي، ودراسات الأعصاب.
سيكولوجية الخيانة
في دراسات علم النفس الاجتماعي، لا يولد الإنسان خائناً، بل يمر بعملية تدرج سيكولوجي تُعرف بـ “التحلل الأخلاقي” (Moral Disengagement)، وهو مفهوم صاغه عالم النفس الشهير ألبيرت باندورا. يمر العميل الذي يعذب أبناء وطنه بمراحل نفسية محددة مثل إعادة التوصيف المعرفي (Cognitive Restructuring): يعيد العميل تسمية أفعاله. فالخيانة تصبح “حماية للعائلة”، والتعذيب يبرر على أنه “حفاظ على النظام” أو “محاربة للإرهاب”.
كذلك شيطنة الضحية (Dehumanization) فلكي يتمكن الجلاد (العميل) من تعذيب جاره في المعتقل دون الشعور بالذنب، يقوم عقله بنزع الصفة الإنسانية عن الضحية. يرى المعتقلين كأعداء أو حشرات يستحقون سحقهم، وهي الآلية النفسية التي رصدتها دراسات معهد “ماكس بلانك” حول سلوك المتعاونين مع النازية (مثل قوات الفيرماخت وجيش فيشي في فرنسا).
لنصل ختاما الى تشتيت المسؤولية (Diffusion of Responsibility) حيث برر العميل سلوكه بالقول: “أنا مجرد مأمور ينفذ الأوامر”. هذه الظاهرة تم إثباتها علمياً في تجربة ميلغرام الشهيرة لطاعة الأوامر، حيث تبين أن البشر مستعدون لتوجيه صعقات كهربائية قاتلة لآخرين إذا شعروا أن سلطة أعلى تتحمل المسؤولية الأخلاقية.
علم الأعصاب؟
تشير الدراسات الحديثة في علم الأعصاب المعرفي (Cognitive Neuroscience) باستخدام الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) إلى أن الأشخاص الذين يمارسون الخيانة والتعذيب الممنهج يعانون من خلل أو “تعطيل متعمد” في مناطق محددة من الدماغ مثل قشرة فص الجبهة الأمامي (Prefrontal Cortex) فهي المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرارات الأخلاقية وتقييم العواقب.
في أدمغة الخونة والجلادين، تظهر الأبحاث ضعفاً في الاتصال بين هذه المنطقة واللوزة الدماغية (Amygdala) المسؤولة عن الخوف والتعاطف. وايضا في المرآة العصبية (Mirror Neurons) فهذه الخلايا تمكننا من الشعور بألم الآخرين. الجلاد العميل يقوم بـ “إطفاء” هذه الشبكة عصبياً لكيلا يشعر بالارتداد العاطفي لأنين الضحية. مع مرور الوقت والتكرار، يصاب الدماغ بحالة من “البلادة العاطفية المكتسبة”، مما يجعل القسوة والخيانة نمط حياة مستقر كيميائياً وبيولوجياً داخل الدماغ.
“روح العمالة”
لم يكن لبنان الاستثناء الوحيد، فالتاريخ البشري مليء بنماذج مشابهة، وتكشف دراسة هذه التجارب كيف تنتهي رحلة هؤلاء: فبعد تحرير فرنسا، واجهت الدولة معضلة مئات الآلاف من المتعاونين مع النازية (حكومة فيشي). خضع هؤلاء لمحاكمات شعبية ورسمية عُرفت بـ “التطهير” (Épuration). أثبتت الدراسات الاجتماعية الفرنسية لاحقاً أن الغالبية العظمى من العملاء الذين نجوا من الإعدام وسُجنوا، لم يظهروا “توبة حقيقية”، بل عاشوا في حالة إنكار مستمر، واعتبروا أنفسهم ضحايا لتغير موازين السياسة. روح العمالة لديهم لم تختفِ، بل تحولت إلى ضغينة مكتومة ضد المجتمع المحرَّر.
وفي النرويج أصبح اسم “فيدكون كويزلينج” (رئيس الوزراء النرويجي المتعاون مع النازية) مصطلحاً عالمياً مرادفاً للخيانة. في النرويج، تمت محاكمة المتعاونين بصرامة. ووجدت الأبحاث النفسية التي أُجريت على عائلاتهم والمقربين منهم أن “العميل الأيديولوجي أو النفعي” يطور آلية دفاعية نفسية تجعله يرى الخيانة ذكاءً والوفاء للوطن غباءً. هذه الرؤية المقلوبة للعالم تمنع التوبة الحقيقية لأن المنظومة الفكرية بأكملها مشوهة.
بينما اعتمدت تجربة جنوب إفريقيا على “العفو مقابل الاعتراف الكامل”، إلا أن الدراسات النفسية للمُعذبين البيض والعملاء السود الذين عملوا لصالح نظام الفصل العنصري (Apartheid) أظهرت أن “التوبة” كانت في معظمها توبة برجماتية (لإفلات من العقاب) وليست توبة أخلاقية نابعة من تأنيب الضمير. العميل الذي اعتاد على امتيازات ممنوحة من العدو يظل يشعر داخلياً بالاستعلاء على أبناء وطنه.
هل يتوب العميل؟
منظور العلوم السلوكية يجيب على سؤال التوبة بحذر شديد، ويميل إلى أن “روح العمالة” صعبة الزوال لأسباب بنيوية، فالعميل الذي يفر إلى بلد العدو (مثل إسرائيل) ويعيش هناك لعقود، يربط مصيره وبيولوجيا بقائه بوجود هذا العدو.
إذن فإن حمل الجنسية الإسرائيلية ليس مجرد ورقة قانونية، بل هو اندماج كامل في سردية العدو وتبني لثقافته وخوفه وجودياً من محيطه. وحتى لو رغب العميل في التوبة، فإن المجتمع لا يستقبله بالورود. هذا الرفض الحتمي يدفعه غريزياً إلى الارتداد مجدداً نحو “البيئة الحاضنة للعمالة” أو الدفاع عن ماضيه الأسود بدلاً من الاعتذار عنه.
وهناك ايضا متلازمة “الجلاد المتقاعد”، فالجلاد الذي كان يمتلك سلطة الحياة والموت على المعتقلين في أماكن مثل معتقل الخيام، يصعب عليه نفسياً القبول بالعيش كمواطن عادي من الدرجة الثانية، منبوذ وبلا صلاحيات. هذا الإحباط النفسي يحافظ على “روح العمالة” حية كنوع من الحنين لأيام القوة الزائفة.
التجربة اللبنانية
عند تفكيك الطرح اللبناني الحالي الذي يمنع عودة من يحمل الجنسية الإسرائيلية فقط ويسمح للباقين، نجد أن هذا التقسيم يغفل الأبعاد النفسية والسلوكية التي ناقشتها الأبحاث العلمية.
يؤكد العلم أن الفعل الجرمي (التعذيب، التجسس، إدارة المعتقلات) هو الذي يصيغ دماغ العميل ونفسيته، وليس نوع جواز السفر الذي يحمله اليوم. فالعميل الذي عذب الأسرى ولم يحصل على جنسية إسرائيلية يمتلك ذات البنية النفسية المشوهة التي يمتلكها من حصل عليها.
