صيدا تغرق بالنفايات… ومن “عين التينة” يبدأ السؤال
الموضوع أبعد من مجرد إقفال معمل نفايات.
صيدا اليوم متروكة للزبالة والإهمال والاستخفاف بحياة الناس ومستقبلهم. أما الأسباب، فقد تتنوع بين مزاجية “خبير” يرى نفسه أكبر من قرار مجلس وزراء، أو نيات شخصية حاقدة ومبيّتة.
قد يُقال الكثير حول معمل فرز ومعالجة النفايات في صيدا وأدائه منذ فترة طويلة، لكن منطق الأمور يفترض ألّا نفتعل مشكلة لنسعى بعدها إلى إيجاد حل لها. فقبل أن نغرق في أكوام النفايات التي بدأت تتكدّس، كان الواجب على المسؤولين والمعنيين إيجاد الحل.
لم يمضِ على إقفال معمل النفايات يومان فقط، حتى بدأت النفايات تشارك الناس تفاصيل يومياتهم بخبث. فما الذي جرى لنصل إلى هذا المستوى من الحضيض؟
تؤكد مصادر سياسية مطلعة لصحيفة “البوست” أن مجلس إدارة المعمل (السعودي) قد ضاق ذرعًا بالتأخير المتواصل في الدفع منذ سنتين، وبالكذب عليه، وبالوعود بالحلول ثم إخلافها، فقرر الإيعاز إلى إدارة المعمل في لبنان بإقفال أبوابه والتوقف عن العمل.
فشركة IBC المشغّلة للمعمل لم تقبض دولارًا واحدًا من مستحقاتها منذ سنتين ونصف، واستهلكت كل ما لديها من سيولة صُرفت على هذا المرفق لضمان استمرارية عمله. وعلى الرغم من الوعود بتسديد مستحقاتها عن عام 2024 وفقًا للقرار الذي اتخذه مجلس الوزراء، إلا أنه لم يسلك طريقه إلى التنفيذ منذ أكثر من شهر ونصف، ما يؤكد وجود نيات مبيّتة في التلكؤ والتسويف.
علمًا أن إدارة المعمل أبلغت بلدية صيدا واتحاد بلديات صيدا – الزهراني أنها ليست بصدد إغلاق أبواب المعمل، وإنما فقط دعوة الاتحاد إلى تغطية “التمويل التشغيلي” للمعمل، والبالغ نحو 30 ألف دولار شهريًا، إلى حين قبض مستحقات الشركة عن عام 2024 والسير بفواتير أعوام 2025 و2026.
على الرغم من كل المتابعات مع وزارة المال لتسديد الفواتير المتأخرة، فإن النتائج باءت كلها بالفشل، ما يطرح تساؤلًا كبيرًا، بحسب مطّلعين، عن دور رئيس مجلس النواب نبيه بري وسطوته على وزارة المال ووزيرها ياسين جابر. فالجميع يعلم أنه كان يكفي اتصال من “عين التينة” بجابر كي تُحلّ الأمور. وعلى الرغم من الوعود السابقة، فإن ذلك لم يحصل، ما يطرح علامة استفهام كبيرة: هل يريد بري توجيه “فركة أذن” لأصحاب المعمل ومن ورائهم السعودية، لقطف ثمارها في موضع ما في السياسة والاقتصاد؟
لا بد من الإشارة إلى أن “السعوديين” قد صبروا كثيرًا على حقوقهم المتأخرة، وهم أخّروا خطوة إغلاق المعمل التي باتوا مقتنعين بها اليوم أكثر من أي وقت مضى، بسبب الحرب الإسرائيلية ووقوفًا إلى جانب صيدا وأهلها والنازحين إليها. فما هكذا يكون جزاء الإحسان.
المشكلة لا تزال في بداياتها، وإن لم يبادر “الحكماء” إلى حلها، فإنها مرشحة لمزيد من التفاقم والضرر. وقد علمت “البوست” أن ممثل المستثمرين السعوديين من آل العطاس من المقرر أن يلتقي رئيس الحكومة نواف سلام، بحضور السفير السعودي فهد الدوسري، الأسبوع المقبل، للبحث في كيفية حل هذه المعضلة.
مرة جديدة، تدفع صيدا ثمن قلة الحكمة والحسابات السياسية الضيقة والشعبوية الهدامة، وكأن هناك من يجلس على الكراسي ويحبّذ رؤية النفايات في الشوارع بين الناس لأسباب مرضية.
أما “العباقرة” في اتحاد بلديات الزهراني والقرى المجاورة للمدينة، فعليهم أن يكفّوا عن التصرف تجاه العاصمة الثالثة باعتبارها مكبًا لنفاياتهم فحسب، فلن تنفع الإخبارات والكتب في تكريس حقيقة أنهم كانوا على دراية بما ستؤول إليه الأمور عاجلًا أم آجلًا. كلهم كانوا يعلمون.
ما هكذا تُستجلب الاستثمارات إلى بلد منهك يسعى وراء كل دولار ليسدّ بعضًا من عوراته المالية. وليست صيدا مكسر عصا في كل أمر. فلماذا يُدفع لمعامل مشابهة تنتشر في كل المناطق، وتُحرَم صيدا فقط؟
ومن سيفكر بالاستثمار في المدينة بعد أن يكثر الكلام عن “تطفيش” مستثمرين سعوديين دفعوا من جيوبهم ولم يلقوا حتى عبارة شكر، بل مناكفات ونكايات وغباء وجهودًا في العرقلة؟
