تحميل

إبحث

في الصميم

الكلمة المجتزأة… سلاح سياسي

Shattered worlds and fragmented control

في زمن الحروب الحديثة، لم تعد المعارك تُحسم في الميدان وحده، بل في الجملة أيضًا. فالكلمة التي تُقتطع من سياقها قد تصبح أكثر فتكًا من رصاصة، لأنها لا تقتل صاحبها جسديًّا، بل تعيد تشكيل صورته أمام جمهوره، وتزرع رواية جديدة قد تعيش أطول من الحقيقة نفسها.

هذه ليست ظاهرة فلسطينية خالصة، لكنها في الحالة الفلسطينية تكتسب حساسية مضاعفة، لأن الشعب الذي يخوض معركة يومية لإثبات روايته أمام العالم، يجد نفسه، في الوقت ذاته، أسير معارك داخلية على الرواية ذاتها.

أحدث الأمثلة برز مع الكلمة التي ألقاها الأمين العام لـ«المبادرة الوطنية الفلسطينية» مصطفى البرغوثي باللغة الإنجليزية أمام المؤتمر الدولي لمناهضة الحرب في لندن، مطلع يوليو (تموز) 2026. فقد قال الرجل بوضوح إن إسرائيل «قتلت بوحشية وإجرام ما لا يقل عن 22 ألف طفل فلسطيني»، قبل أن يضيف أن إنقاذ نحو 82 ألف مولود جديد ما زالوا على قيد الحياة «ليس مجرد عمل إنساني، بل هو مقاومة»، في سياق حديثه عن مواجهة سياسة الإبادة والتهجير.

لكن ما انتشر لاحقًا على المنصات لم يكن هذا النص، بل صيغة أخرى تقول: «قتلوا 22 ألف طفل، لكن غزة أنتجت 82 ألف طفل خلال سنتين ونصف، وهذه معجزة”.

قد تبدو الفروق اللغوية طفيفة للقارئ العادي، لكنها، سياسيًّا، تصنع روايتين مختلفتين تمامًا.

حذف كلمة واحدة قد يغيّر المسؤول عن الجريمة، واستبدال مفردة واحدة قد يغيّر معنى القضية كلها

في النص الأصلي، إسرائيل هي الفاعل الواضح في جريمة قتل الأطفال، بينما يتحول الحفاظ على حياة المواليد إلى فعل مقاومة في مواجهة مشروع التهجير والإبادة. أما في النص المتداول، فقد اختفى اسم إسرائيل من المشهد، واستُبدلت مفردة «إنقاذ» بكلمة «إنتاج»، وتحولت «المقاومة» إلى «معجزة». وهكذا انتقلت الجملة من خطاب سياسي وإنساني إلى خطاب يمكن مهاجمته أخلاقيًّا بسهولة.

المثير أن الحملة لم تبقَ داخل فضاء وسائل التواصل الاجتماعي. فبحسب ما وثّقته منصات فلسطينية عدة، بدأ تداول المقطع المجتزأ عبر حسابات معروفة بخصومتها السياسية مع تيار المقاومة، قبل أن ينتقل، خلال أقل من أربع وعشرين ساعة، إلى مؤسسات إعلامية أكثر تأثيرًا.

نشرت منصة «رصيف22» مقالًا للرأي بنى نقده بالكامل على الصيغة المتداولة، ثم لحقتها صحيفة «الحياة الجديدة»، الصحيفة الرسمية للسلطة الفلسطينية، بافتتاحية تبنّت الرواية نفسها، مستندةً إلى العبارة المجتزأة لا إلى التسجيل الكامل للكلمة، بل ووصفت المناسبة بأنها «مقابلة مرئية»، رغم أنها كانت كلمة في مؤتمر دولي بلندن.

وهنا لا تعود القضية مرتبطة بمصطفى البرغوثي بقدر ما تصبح مرتبطة بطريقة إنتاج الخبر نفسه. فالصحافة الاحترافية تقوم على العودة إلى المصدر الأصلي قبل إصدار الأحكام، بينما يؤدي الاعتماد على الاقتباسات المتداولة إلى إعادة تدوير رواية ربما تكون قد تعرّضت للتغيير منذ لحظة خروجها الأولى.

الأخطر من ذلك أن هذه الواقعة تكشف تحوّلًا في طبيعة الصراع الفلسطيني الداخلي. ففي الماضي، كانت المواجهات تدور حول البرامج السياسية أو الخيارات الوطنية، أما اليوم فأصبحت تدور حول صناعة الصورة الذهنية للخصم، عبر أدوات الإعلام الرقمي، والاجتزاء، وإعادة الصياغة، والتأطير اللغوي.

إن حذف كلمة واحدة قد يغيّر المسؤول عن الجريمة، واستبدال مفردة واحدة قد يحوّل خطابًا عن الصمود إلى خطاب يبدو وكأنه يحتفي بالخسارة. وهنا يصبح الصراع على اللغة جزءًا من الصراع على الشرعية السياسية.

ولا يعني ذلك، بالضرورة، وجود غرفة عمليات واحدة تدير جميع الأصوات التي شاركت في الحملة، فمثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة مباشرة. لكن ما يمكن رصده هو وجود نمط متكرر: تبدأ الرواية من فضاء رقمي، ثم يُعاد إنتاجها في منصات إعلامية، قبل أن تكتسب شرعية إضافية عندما تتبنّاها مؤسسات رسمية أو شخصيات سياسية.

هذه الآلية ليست جديدة في السياسة، لكنها أصبحت أكثر تأثيرًا في عصر المنصات الرقمية، حيث تتراجع أولوية التحقق أمام سرعة التداول، ويصبح الانطباع الأول أقوى من التصحيح اللاحق.

ولعل المفارقة أن الفلسطينيين الذين يخوضون واحدة من أعقد معارك السردية مع إسرائيل أمام الإعلام العالمي، يجدون أنفسهم في الداخل يستخدمون الأدوات نفسها ضد بعضهم بعضًا. فالاجتزاء، وإخراج الكلام من سياقه، وبناء أحكام سياسية على نصوص محرّفة، لا يضر بشخص بعينه فقط، بل يضعف صدقية الخطاب الفلسطيني كله.

ليست القضية ما إذا كان المرء يتفق أو يختلف مع مصطفى البرغوثي. فالاختلاف السياسي حق مشروع، بل ضرورة في أي حياة عامة سليمة. أما تحويل النصوص، بعد تحريفها، إلى مادة للإدانة، فهو انتقال من الجدل السياسي إلى صناعة روايات موازية، حيث تصبح الحقيقة مجرد تفصيل صغير في معركة أكبر، عنوانها السيطرة على الوعي قبل السيطرة على الموقف.

وهذا هو التحدي الحقيقي في زمن الحروب الإعلامية: أن يبقى النص هو النص قبل أن يصبح مادةً للتأويل، وأن تبقى الحقيقة هي نقطة البداية، لا أول ضحايا الصراع.
al-Post
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا