تحميل

إبحث

ماذا لو

الجندي الاسرائيلي الذي يصنع «سبايدرمان»

spiderman_1967_memory_editorial

حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية)

ليست القضية فيلم «سبايدرمان» وحسب، ولا تتوقف عند حملة «Boycott4Palestine»، أو عند سؤال ساذج من نوع: هل نشاهد الفيلم أم نقاطعه؟ القصة أكبر بكثير.
ماذا لو؟

فأحيانًا لا يعود التاريخ إلينا مرتديًا بزّته العسكرية، ولا محمولًا على دبابة، ولا عبر صورة قديمة بالأبيض والأسود. أحيانًا يعود التاريخ في صورة منتج سينمائي، على شاشة ضخمة، محاطًا بالأضواء، وبملايين الدولارات، وبأبطال خارقين ينقذون العالم. وهنا تحديدًا تكمن المفارقة.

الاسرائيلي المثير

في الفيلم الجديد «Spider-Man: Brand New Day»، يعود اسم آفي آراد ضمن قائمة المنتجين. وآراد ليس مجرد رجل يقف خلف كاميرا أو يشارك في تمويل فيلم. إنه أحد الأسماء المعروفة في صناعة «مارفل» و«سبايدرمان»، لكنه يحمل في سيرته فصلًا آخر سبق هوليوود بسنوات.

فقد التحق آفي آراد بالجيش الإسرائيلي عام 1965، وشارك في حرب حزيران عام 1967، وأُصيب خلالها، قبل أن ينهي خدمته العسكرية عام 1968.

أي إن الرجل الذي يشارك اليوم في صناعة عالم «سبايدرمان» السينمائي كان، قبل أن يصبح أحد رجال هوليوود، جنديًّا في الجيش الإسرائيلي خلال الحرب التي ما زالت المنطقة تعيش تداعياتها بعد قرابة ستة عقود. وهنا لا بدّ من التوقف.

ليس لأن كل منتج شارك في جيش دولة ما يصبح تلقائيًّا مجرم حرب، فهذا استنتاج لا تسمح به الوقائع وحدها. وليس لأن كل من يدخل صالة السينما لمشاهدة «سبايدرمان» يصبح مؤيدًا للاحتلال، فهذا عبث لا يليق بالنقاش الجاد. لكن لأن التاريخ لا يختفي بمجرد أن ينتقل صاحبه من البزّة العسكرية إلى البدلة الأنيقة، ومن ساحة الحرب إلى استوديوهات هوليوود. الجندي لا يصبح شخصًا آخر لمجرد أن الكاميرا أصبحت في يده. هذه هي النقطة التي تحاول ثقافة الاستهلاك الحديثة دفنها تحت سيل الإعلانات والصور والنجوم.

نحن أمام صناعة تستطيع أن تحوّل الحرب إلى فيلم، والدم إلى مشهد، والمأساة إلى قصة، والجندي إلى منتج، ثم تطلب من الجمهور أن ينسى كل شيء بمجرد أن تبدأ الموسيقى التصويرية.

لكن فلسطين لا تنسى. قطاع غزة لا ينسى. سيناء لا تنسى. وعائلات آلاف الضحايا الذين عاشوا حرب 1967 وما تلاها لا يمكن مطالبتهم بالتعامل مع التاريخ باعتباره «ماضيًا».

قرابة ستين عامًا مرّت على نكسة حزيران، لكن الاحتلال الذي خرج من تلك الحرب لم يخرج من الذاكرة، ولا من الجغرافيا، ولا من حياة الفلسطينيين. الأرض التي احتُلّت ما زالت محتلة، واللاجئون ما زالوا لاجئين، والقرى والمدن التي تغيّرت خرائطها لم تستعد أسماءها، والذاكرة التي حاولت السياسة الدولية اختزالها في أرقام وقرارات أممية ما زالت حيّة.

مقاطعة ولكن

ثم يأتي “سبايدرمان”، يأتي ومعه، في الخلفية، اسم رجل كان في ذلك الجيش عام 1967. قد يبدو الأمر للبعض تفصيلًا صغيرًا. لكنه بالنسبة إلى آخرين ليس كذلك. فالمقاطعة، في هذه الحالة، لا تعني بالضرورة كراهية السينما، ولا رفض الفن، ولا محاكمة الممثلين الذين قد لا علاقة لهم بكل هذه التفاصيل.

المقاطعة تقول شيئًا أبسط وأكثر إزعاجًا: نحن نعرف من يقف خلف المنتج الذي نستهلكه. وهذه المعرفة وحدها قادرة على تغيير معنى الاستهلاك.

في الماضي، كان الاحتلال يحتاج إلى الدبابة كي يفرض صورته. اليوم يستطيع، في بعض الحالات، أن يظهر في صورة أكثر نعومة: شركة، علامة تجارية، منتج، فنان، منصة بث، أو فيلم ينتشر في مئات الدول.

وهنا تصبح المعركة على الوعي لا تقل أهمية عن المعركة على الأرض. فمن يملك القدرة على صناعة الصورة يمتلك جزءًا من القدرة على صناعة الذاكرة. وهذا ما يجعل الثقافة الشعبية ساحة سياسية بامتياز، حتى عندما تدّعي أنها بعيدة عن السياسة.

الثقافة ليست محايدة

ولعل المثال الأكثر وضوحًا هو عالم «مارفل» نفسه، الذي سبق أن واجه جدلًا بسبب شخصية «سابرا»، وهي شخصية مرتبطة بجهاز الموساد الإسرائيلي في القصص المصورة، وما أثاره تقديمها سينمائيًّا من انتقادات فلسطينية وعربية. فالمسألة إذًا ليست «سبايدرمان» وحده. المسألة هي كيف يمكن للرواية السياسية أن تتسلل إلى الثقافة الشعبية، وكيف يمكن لشخصيات وقصص ومنتجين ومؤسسات أن يصبحوا جزءًا من منظومة أكبر لإنتاج الصورة.

ولا يعني ذلك أن هوليوود غرفة عمليات سياسية موحدة، ولا أن كل عمل فني مؤامرة. لكن السذاجة الأكبر هي الاعتقاد بأن الثقافة محايدة دائمًا. هوليوود تعرف جيدًا قيمة الصورة. إسرائيل تعرف جيدًا قيمة الصورة. والفلسطيني، الذي عاش لعقود وهو يقاتل من أجل ألا تختفي روايته من المشهد، يعرف أكثر من غيره أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل على من يروي قصة الأرض.

لهذا، فإن السؤال ليس ما إذا كان «سبايدرمان» سيهزم الشرير في نهاية الفيلم. السؤال الحقيقي هو: من يحدد لنا من هو الشرير في العالم الحقيقي؟ ففي عالم «سبايدرمان»، هناك دائمًا بطل وشرير، وضحية ومنقذ. أما في عالمنا، فالأمور أكثر تعقيدًا.

هنا يمكن للجندي أن يصبح منتجًا، وللمنتج أن يصبح وجهًا محبوبًا في هوليوود، وللجمهور أن ينسى أن خلف بعض الأسماء تاريخًا لا يزال مفتوحًا. لكن الفلسطينيين لا يملكون ترف النسيان. لأن نكسة 1967 لم تكن نهاية فيلم. كانت بداية فصل طويل من الاحتلال. والضحايا لم يكونوا شخصيات خيالية يمكن إعادتها إلى الحياة في الجزء التالي. ولذلك، فإن الجدل حول «سبايدرمان» يستحق أن يُقرأ خارج صالة السينما. ليس المطلوب أن يتحول الفن إلى محكمة، ولا أن يصبح كل فيلم بيانًا سياسيًّا. المطلوب فقط ألا يتحول الفن إلى مقبرة للذاكرة. فقد تستطيع هوليوود أن تجعل الجندي بطلًا خارقًا في فيلم. لكنها لا تستطيع أن تجعل التاريخ بريئًا من الذاكرة. وفي النهاية، قد ينجح «سبايدرمان» في إنقاذ المدينة على الشاشة. لكن هناك مدنًا وقرى وذاكرة بشرية لم ينقذها أحد منذ عام 1967. وتلك قصة لا يستطيع أي فيلم، مهما بلغت ميزانيته، أن يضع لها شارة النهاية.

العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا