تحميل

إبحث

ماذا لو

أربعون ألف قنبلة… وكلمة عربية مفقودة

article_cover_bombs_editorial_01
أربعون ألف قنبلة. أربعون ألف قطعة من الموت، تزن كل واحدة منها ألفَي رطل. شحنة عسكرية هائلة تتجه إلى إسرائيل، بينما لا تزال غزة تحت الركام، والشرق الأوسط يقف فوق برميل بارود.
ماذا لو؟

المفاجأة ليست في عدد القنابل وحده، بل إنّ أكثر الأسئلة قسوةً بشأنها لا تأتي من عاصمة عربية، بل من داخل الولايات المتحدة نفسها.

هنا تصبح المسألة أكثر إحراجًا: لماذا يستطيع إعلامي أميركي مثل تاكر كارلسون أن يضع الإدارة الأميركية أمام أسئلة صادمة بشأن حجم التسليح المقدَّم لإسرائيل، بينما يعجز كثير من الخطاب العربي الرسمي عن تجاوز عبارات من نوع «نستنكر»، و«نعرب عن القلق»، و«ندعو إلى ضبط النفس»؟

قد يختلف المرء جذريًا مع كارلسون في مواقفه السياسية، وقد يرفض بعض مقارناته أو استنتاجاته، لكن لا يمكن تجاهل أهمية السؤال الذي طرحه: ماذا يعني أن تستعد الولايات المتحدة لإرسال 40 ألف قنبلة ثقيلة إلى إسرائيل، ضمن حزمة تبلغ قيمتها نحو 2.8 مليار دولار؟

الحزمة، التي لم تصبح نهائية بعد، تشمل 20 ألف قنبلة من طراز MK-84 و20 ألفًا من طراز BLU-117، إضافة إلى ذخائر أخرى. وكل قنبلة من هذه الفئة تزن نحو 907 كيلوغرامات. نحن أمام كمية هائلة من الذخائر المصمَّمة لإحداث دمار واسع، لا أمام شحنة ذخيرة عادية يمكن دفنها في هامش خبر عسكري.

وهنا لا يعود السؤال: ماذا ستفعل إسرائيل بهذه القنابل؟ بل: لماذا تُرسل إليها أصلًا؟

سبق أن أثارت القنابل الثقيلة من هذا النوع مخاوف أميركية بسبب احتمال استخدامها في مناطق مكتظة بالسكان. وكانت إدارة جو بايدن قد علّقت، في عام 2024، شحنة من قنابل MK-84، قبل أن تعود إدارة ترامب إلى رفع التعليق. واليوم يجري الحديث عن عشرات الآلاف من القنابل الإضافية، في وقت لا تزال فيه آثار الحرب والدمار الإنساني في غزة ماثلة أمام العالم.

لكن الأشد دلالةً أن واشنطن لا تتعامل مع هذه العملية باعتبارها مجرد تجارة أسلحة بين دولتين. فجزء أساسي من التمويل يأتي عبر برنامج التمويل العسكري الخارجي الأميركي، أي إنّ أموالًا أميركية تُستخدم لمساعدة إسرائيل على شراء الأسلحة الأميركية.

بعبارة أبسط: السلاح أميركي، والمال أميركي، والقرار سياسي أميركي… أما الضحايا فليسوا أميركيين.

هنا يصبح الصمت العربي أكثر إيلامًا.

أين المسؤول العربي الذي يقول بوضوح إن إرسال عشرات آلاف القنابل الثقيلة إلى إسرائيل ليس تفصيلًا تقنيًا في ميزانية الدفاع الأميركية؟ أين المسؤول الذي يسأل عن مصير هذه الذخائر، وعن القانون الدولي، وعن المدنيين الذين سيدفعون ثمنها؟

لماذا نسمع في العواصم الغربية نقاشًا مفتوحًا حول جدوى هذا الدعم، بينما لا يزال الخطاب العربي الرسمي أسير اللغة الدبلوماسية التي تقتل المعنى قبل أن يصل إلى المتلقي؟

ليست المشكلة أن العرب لا يعرفون ما يحدث. هم يعرفون. وليست المشكلة أن الأرقام غير متاحة. هي منشورة. وليست المشكلة أن الصور لا تصل. لقد وصلت حتى إلى أكثر البيوت بُعدًا عن المنطقة.

المشكلة أن الحقيقة أصبحت معروفة أكثر مما ينبغي، لكن قولها رسميًا أصبح أصعب مما ينبغي.

ولا يتعلق الأمر بتاكر كارلسون تحديدًا. القضية أكبر من شخص أو برنامج أو توجّه سياسي. القضية أن الأسئلة التي يُفترض أن تكون في صدارة الخطاب العربي باتت تُطرح أحيانًا من داخل الولايات المتحدة نفسها: عن حجم المساعدات، وعن الأسلحة، وعن كلفتها، وعن مسؤولية مَن يرسلها.

لا يحتاج العرب إلى استعارة مواقف كارلسون، ولا إلى تبنّي خطابه السياسي. يحتاجون فقط إلى امتلاك صوتهم. فإذا كانت 40 ألف قنبلة تستطيع عبور المحيطات إلى إسرائيل، فلماذا لا تستطيع كلمة عربية واحدة أن تعبر حدود الخوف؟ أربعون ألف قنبلة قد تكون في طريقها إلى المنطقة… لكن ما ينقص العالم العربي ليس القنابل، بل الشجاعة على تسمية ما يحدث باسمه.

Silent Voices Amid Ruins and War
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا