تحميل

إبحث

في الصميم

القوة وحدها لا تكفي… إسرائيل وفاتورة اليوم التالي

From Ruins to Fragile Hope

في السياسة، ليست كل نتيجة انتصارًا، وليست كل خسارة هزيمة. هناك نتائج تظهر في الميدان ويمكن عدّها: أرض تسيطر عليها، صواريخ تُعترض، مواقع تُدمّر، قيادات تُستهدف، وقدرات عسكرية تتراجع. لكن هناك نتائج أخرى لا تظهر في البيانات العسكرية؛ تظهر في بنية المجتمع، وفي الاقتصاد، وفي صورة الدولة، وفي علاقتها بحلفائها، وفي ثقة مواطنيها بمؤسساتها، وفي قدرة الأجيال المقبلة على تخيّل مستقبل مختلف.

هنا تبدأ القاعدة التي كثيرًا ما يغفل عنها المنتصرون: ما لا يُضاف إلى النتائج يُضاف إلى التكاليف. فإذا لم تتحول الحرب إلى تسوية، وإذا لم تُنتج القوة ترتيبًا سياسيًا جديدًا، فإن كل ما لم تحسمه المعركة يعود ليظهر في صورة فاتورة سياسية وأمنية واقتصادية وتاريخية.

من هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يلي أي حرب ليس: من انتصر؟ بل: ماذا أنتج هذا الانتصار؟

ترتيب قابل للحياة

تستطيع دولة متفوقة عسكريًا أن تحقق أهدافًا ميدانية كبرى، لكن الحرب لا تنتهي عندما تصمت المدافع فقط. تنتهي عندما يصبح اليوم التالي أكثر استقرارًا من اليوم الذي سبقه. هذه هي المسافة الفاصلة بين الانتصار العسكري والانتصار السياسي.

فإذا استطاعت إسرائيل أن تُضعف خصمًا عسكريًا، لكنها لم تستطع أن تُنتج ترتيبًا سياسيًا قابلًا للحياة، فإنها تكون قد حققت نتيجة في الميدان وتركت المشكلة في التاريخ، والمشكلة التي تُترك في التاريخ لا تختفي، إنّها تتغيّر.

قد تنتقل من المقاومة المسلحة إلى السياسة، ومن السياسة إلى الدبلوماسية، ومن الدبلوماسية إلى المؤسسات الدولية، ومن الشارع إلى الأجيال الجديدة. هنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: هل يمكن للقوة العسكرية أن تُنتج سلامًا إذا لم يكن هناك تصوّر سياسي لما بعد القوة؟

تقول التجارب التاريخية إن القوة تستطيع أن تفرض وقائع، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنح هذه الوقائع شرعية دائمة. يمكن للدبابة أن تدخل مدينة، لكنها لا تستطيع أن تبني عقدًا اجتماعيًا. يمكن للطائرة أن تُدمّر بنية عسكرية، لكنها لا تستطيع أن ترسم حدودًا مقبولة للجميع. يمكن للجيش أن يفرض الأمن لفترة، لكن الأمن المستدام يحتاج إلى سياسة.

لهذا، فإن الحرب، مهما كانت نتائجها العسكرية، تبقى ناقصة إذا لم تجد طريقها إلى السياسة.

كلفة الاستنزاف

قد تبدو الدولة القوية قادرة على تحمّل حرب طويلة، لكن قدرة الدولة على القتال ليست هي نفسها قدرتها على تحمّل كلفة القتال إلى ما لا نهاية. الحرب الطويلة تعني تعبئة متواصلة، واستدعاء الاحتياط، وضغطًا على الاقتصاد، واستنزافًا للموارد، وتعطيلًا للحياة الطبيعية، وتوترًا اجتماعيًا متزايدًا.

في دولة مثل إسرائيل، حيث يرتبط الأمن بصورة مباشرة بمسألة الهوية والبقاء، تصبح كلفة الحرب أعمق من الأرقام الاقتصادية. إنها تمسّ السؤال: أي نوع من الحياة تريد الدولة أن توفر لمواطنيها؟ الدولة التي تعيش دائمًا في حالة طوارئ تصبح معرّضة لأن تتحول الطوارئ من استثناء إلى نظام حياة.

هنا يكمن خطر لا يقل أهمية عن الخطر العسكري: أن يصبح الأمن هدفًا يبتلع كل الأهداف الأخرى، فتتراجع السياسة أمام الأمن، ويتراجع الاقتصاد أمام التعبئة، وتتراجع الحياة المدنية أمام الضرورات العسكرية، ويصبح الخلاف السياسي اتهامًا بالخيانة أو بالضعف.

هكذا يمكن للحرب أن تحافظ على وحدة المجتمع في لحظة الخطر، لكنها قد تزيد كلفتها الداخلية كلما طال أمدها. الحرب توحّد الخندق… لكنها لا تبني البيت. هذه واحدة من المفارقات الأساسية: الخندق يوحّد من يقفون فيه، لكن البيت يحتاج إلى تصوّر مشترك لما سيكون عليه بعد انتهاء المعركة.

يمكن أن يتفق الإسرائيليون على ضرورة مواجهة الخطر، لكن هل يتفقون على الدولة التي يريدون بناءها بعد زوال الخطر؟ هنا تعود الأسئلة التي ناقشناها في الجزء الأول: ما حدود إسرائيل؟ ما موقع الدين في الدولة؟

ما العلاقة بين اليهودية والديمقراطية؟ ما مصير المستوطنات؟ ما مستقبل الفلسطينيين؟ ما شكل العلاقة بين الضفة الغربية وإسرائيل؟ ما مستقبل غزة؟ كيف تُوزّع أعباء الخدمة العسكرية؟ وكيف تحافظ الدولة على تماسكها في ظل التباينات المتزايدة بين العلمانيين والمتدينين والحريديم والصهيونية الدينية والتيارات الليبرالية؟

الحرب تؤجل هذه الأسئلة، لكنها لا تلغيها، بل ربما تجعل العودة إليها أكثر كلفة.

الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على كسب المعارك، بل بقدرتها على الحفاظ على الشرعية التي تجعل انتصاراتها قابلة للاستمرار

الأكلاف الاقتصادية

ليست كل فاتورة الحرب عسكرية؛ هناك فاتورة اقتصادية صامتة. الأموال التي تُنفق على الحرب لا تُنفق على التعليم، والموارد التي تذهب إلى الأمن لا تذهب بالضرورة إلى البنية التحتية، والاحتياط الذي يُستدعى باستمرار لا يعمل دائمًا بكامل طاقته في الاقتصاد، والاستثمار الذي يخشى عدم الاستقرار يبحث عن بيئة أكثر أمنًا، والدولة التي تستمر في تخصيص جزء متزايد من مواردها للتهديدات الأمنية قد تجد نفسها أمام معادلة صعبة: كلما طال الصراع، أصبح السلام أكثر ضرورة، لكن الوصول إليه قد يصبح أكثر تعقيدًا.

هنا يظهر معنى آخر للقاعدة: ما لا يُضاف إلى النتائج يُضاف إلى التكاليف. فإذا لم تُنتج الحرب تسوية، فإن تكلفة الحرب لا تختفي عند نهايتها. إنها تنتقل إلى الموازنة، وإلى سوق العمل، وإلى المجتمع، وإلى مستقبل الأجيال، وإلى قدرة الدولة على الاستثمار في المستقبل.

وفلسطين أيضًا تدفع ثمن التأجيل. لكن الإنصاف يقتضي ألّا تتحول هذه القراءة إلى رواية عن كلفة الحرب على إسرائيل وحدها. الفلسطينيون هم أول من يدفع ثمن غياب الحل. يدفعون ثمن الاحتلال والصراع والتهجير والدمار وفقدان الأفق السياسي، ويدفعون أيضًا ثمن تحوّل قضيتهم إلى ملف أمني بدلًا من أن تكون قضية سياسية لشعب يطالب بحقوقه الوطنية.

وهنا ينبغي أن يتغيّر السؤال. فبدلًا من أن تبقى فلسطين في المعادلة بوصفها مشكلة يجب إدارتها، ينبغي أن تعود إلى موقعها الطبيعي بوصفها قضية سياسية يجب حلّها. لأن إدارة الصراع ليست حلًا للصراع، وتجميد القضية ليس إنهاءً للقضية، وتأجيل الدولة لا يلغي فكرة الدولة. كل ما يفعله التأجيل هو رفع الكلفة.

لهذا، فإن الفلسطينيين لا يحتاجون فقط إلى وقف الحرب؛ إنهم يحتاجون إلى أفق سياسي واضح، وإلى اعتراف بحقوقهم الوطنية، وإلى مسار يقود إلى مستقبل يمكن أن تتحول فيه القضية من مأساة مفتوحة إلى مشروع دولة.

من القضية الأمنية إلى التدويل

هنا حدث تحوّل بالغ الأهمية. لفترة طويلة، استطاعت إسرائيل أن تقدّم جزءًا كبيرًا من صراعها مع الفلسطينيين للعالم من خلال لغة الأمن. لكن كلما اتسعت دائرة الاعتراف الدولي بفلسطين، وكلما انتقلت القضية من ساحات الاحتجاج إلى المؤسسات الدولية، فإن طبيعة السؤال نفسها تتغيّر. لم تعد القضية فقط: كيف تمنع إسرائيل التهديد؟ بل أصبحت أيضًا: كيف يمكن بناء نظام سياسي يضمن الأمن الإسرائيلي والحقوق الوطنية الفلسطينية في آن واحد؟

هذا التحول بالغ الأهمية، لأن الأمن يمكن أن يبرّر الحرب، لكن السياسة هي التي تبرّر السلام. وكلما توسعت دائرة الدول التي تتعامل مع فلسطين بوصفها دولة أو مشروعًا لدولة، أصبح من الصعب إبقاء القضية إلى أجل غير مسمى في إطار أمني صرف. هنا يصبح الاعتراف الدولي بفلسطين ليس مجرد مسألة رمزية، بل جزءًا من إعادة تعريف الصراع.

فالقضية التي كانت توصف باعتبارها «نزاعًا أمنيًا» تتحول تدريجيًا إلى سؤال عن الاحتلال والسيادة والحدود والحقوق والدولة. وهذه ليست نقلة في الخطاب فقط، إنها نقلة في طبيعة المعادلة.

israel_after_war_symbolic_cover_no_text
كل أزمة لا تُحلّ تصبح كلفة، وكل سؤال يُؤجّل يعود أكثر تعقيدًا

الغرب يدخل مرحلة المراجعة

لم تعد إسرائيل تتعامل مع الغرب كما كانت تتعامل معه قبل عقود. ليس المقصود أن الدعم الغربي اختفى، ولا أن الموقف الغربي أصبح موحدًا ضد إسرائيل، لكن الأهم أن المسألة لم تعد ثابتة كما كانت.

هناك نقاش متزايد داخل المجتمعات الغربية حول حدود الدعم، وحول القانون الدولي، وحول حقوق الفلسطينيين، وحول مستقبل حل الدولتين. والأهم من ذلك أن التحولات التي تحدث بين الأجيال قد تكون أكثر أهمية من التحولات الحكومية العابرة.

الحكومات تتغيّر، لكن الأجيال تبقى. الرأي العام الذي يتشكّل اليوم قد يصبح سياسة الغد، وهذا يعني أن الحرب الطويلة لا تستهلك الذخيرة فقط، بل قد تستهلك أيضًا رأس المال السياسي والأخلاقي الذي تحتاجه الدولة للحفاظ على تحالفاتها.

وهنا تظهر قاعدة أخرى: الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على كسب المعارك، بل بقدرتها على الحفاظ على الشرعية التي تجعل انتصاراتها قابلة للاستمرار.

المشكلة ليست في السلام

قد يبدو القول إن السلام قد يكون أصعب من الحرب مفارقة، لكنها مفارقة لها أساس سياسي عميق. فالحرب تسأل: كيف نحمي أنفسنا؟ أما السلام فيسأل: كيف نعيش معًا؟ الحرب تحتاج إلى عدو، والسلام يحتاج إلى تعريف. الحرب تحتاج إلى تعبئة، والسلام يحتاج إلى مؤسسات. الحرب تستطيع أن تؤجل الخلاف، والسلام يفرض على المجتمع أن يتفق على المستقبل.

لهذا، فإن السلام الحقيقي لا يعني فقط توقيع ورقة، إنه يعني إعادة بناء صورة الدولة عن نفسها. هنا تحديدًا يصبح السلام اختبارًا للصهيونية السياسية وللدولة الإسرائيلية في آن واحد. فإذا كان بالإمكان التوفيق بين دولة يهودية وديمقراطية، وبين الأمن والحقوق، وبين الهوية الوطنية والتسوية الإقليمية، فإن السلام قد يصبح لحظة تأسيس جديدة.

أما إذا تعذّر ذلك، فستبقى الدولة أسيرة معادلة: أمن بلا تسوية، وقوة بلا نهاية سياسية، وحرب تؤجل السؤال من جيل إلى جيل.

السلام ليس استسلامًا

من الخطأ أيضًا أن يُقدّم السلام باعتباره تنازلًا من طرف وانتصارًا لطرف آخر. السلام المستدام لا يقوم على إذلال طرف، بل على إنتاج صيغة يستطيع الطرفان العيش معها. وهذا هو التحدي الحقيقي.

إسرائيل تحتاج إلى أمن حقيقي لا إلى أمن مؤقت، والفلسطينيون يحتاجون إلى دولة وحقوق وكرامة وطنية لا إلى وعود مؤجلة. والمنطقة تحتاج إلى نظام إقليمي لا تكون فيه فلسطين جرحًا مفتوحًا يعيد إنتاج الأزمات. والغرب يحتاج إلى صيغة سياسية يستطيع الدفاع عنها أخلاقيًا وقانونيًا. والعالم العربي يحتاج إلى تحويل القضية الفلسطينية من شعار دائم إلى مشروع سياسي قابل للتحقق.

من هنا، يصبح السلام مصلحة استراتيجية، لا مجرد قيمة أخلاقية. الانتصار الحقيقي هو القدرة على إنتاج اليوم التالي. ربما تكون أعظم مشكلة في الشرق الأوسط أننا كثيرًا ما نقيس القوة بالقدرة على تدمير ما لدى الخصم، ولا نقيسها بالقدرة على بناء ما يأتي بعد ذلك.

لكن التاريخ لا يبقى طويلًا عند مشهد الدمار. يسأل دائمًا: ماذا بُني بعده؟ من هنا، يمكن أن تكون إسرائيل أمام مفترق تاريخي: إما أن تستمر في إدارة الصراع، فتظل القوة العسكرية هي اللغة الأساسية، وتبقى فلسطين قضية مفتوحة، وتستمر الكلفة في التراكم، وإما أن تنتقل من إدارة الصراع إلى صناعة الحل. وهذا الانتقال لا يعني التخلي عن الأمن، بل ربما يعني، للمرة الأولى، بناء أمن يستند إلى السياسة، لا إلى القوة وحدها.

ما لا يُضاف إلى النتائج يُضاف إلى التكاليف. هذه ليست عبارة اقتصادية فقط؛ إنها قاعدة في فلسفة التاريخ. كل أزمة لا تُحلّ تصبح كلفة. كل سؤال يُؤجّل يعود أكثر تعقيدًا. كل جيل ينشأ بلا أفق سياسي يحمل معه غضبًا جديدًا. كل حرب لا تُنتج تسوية تترك وراءها أسبابًا لحرب أخرى. وكل انتصار لا يُنتج نظامًا مستقرًا قد يتحول إلى عبء على صاحبه.

ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يرافق إسرائيل وفلسطين والمنطقة بعد كل جولة من جولات الصراع ليس: من استطاع أن يضرب أكثر؟ بل: من استطاع أن يحوّل القوة إلى سياسة، والسياسة إلى تسوية، والتسوية إلى مستقبل؟

فالنتائج العسكرية تنتهي عند حدود المعركة، أما التكاليف السياسية فتبدأ بعد انتهائها. قد تستطيع إسرائيل أن تنتصر عسكريًا مرة أخرى، وقد يستطيع الفلسطينيون أن يستمروا في مقاومة واقعهم السياسي، وقد تستطيع القوى الدولية أن تؤجل التسوية مرة أخرى.

لكن شيئًا واحدًا لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية: الحقيقة التي تقول إن المنطقة لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد داخل حرب مؤجلة، ولا أن تبني مستقبلها فوق سؤال لم تجد له جوابًا.

لذلك، فإن السلام العادل ليس هدية لفلسطين، ولا تنازلًا من إسرائيل، ولا انتصارًا لدولة على دولة. إنه محاولة لإنقاذ المستقبل من كلفة الماضي. وهنا، ربما، يكمن المعنى الأعمق للسياسة: أن تعرف متى تصبح كلفة الاستمرار أكبر من كلفة التسوية. وعندما تبلغ السياسة هذه اللحظة، لا يعود السؤال: هل نستطيع أن نحارب؟ بل: هل نستطيع أن نتحمل ثمن ألّا نصنع السلام؟

فما لا يُضاف إلى النتائج...يُضاف إلى التكاليف. وما لا يحسمه العقل السياسي اليوم، قد تدفع ثمنه الأجيال غدًا.
al-Post
الأمين العام ل"تيار المستقبل"
(2/2)
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا