حسان عقّاد…وامتحان سوريا الجديدة
ما قام به صانع المحتوى والناشط السوري حسان عقّاد يتجاوز بكثير كونه حملة على وسائل التواصل الاجتماعي، أو موقفًا عابرًا في مواجهة نفوذ اقتصادي واسع. ما فعله يمكن قراءته بوصفه نموذجًا مدنيًا وسياسيًا يستحق التوقف عنده، لأنه قدّم للناس فكرة الدولة بلغة عصرهم: واضحة، ذكية، قريبة من الشباب، وساخرة حين تصبح السخرية وسيلة لكسر الخوف وإسقاط هالة النفوذ المصطنع.
في بلد خرج من عقود طويلة من احتكار المجال العام، ومن تداخل السلطة بالمال والنفوذ، يصبح الدفاع عن الشفافية والمؤسسات والمساءلة فعلًا سياسيًا بحد ذاته، حتى لو لم يرفع صاحبه راية حزب أو يعلن مشروعًا سياسيًا.
فالمواجهة هنا ليست مع فرد، ولا شركة، ولا اسم بعينه. إنها مواجهة مع نموذج كامل اعتاد، عبر السنوات، أن يغيّر لغته وواجهاته وتحالفاته بحسب السلطة القائمة، وأن يحافظ على نفوذه من خلال شبكة متشابكة من العلاقات المالية والاجتماعية والإعلامية.
قد تتبدّل الحكومات، وتتغيّر الشعارات، وتسقط أسماء وتصعد أخرى، لكن الخطر يبدأ حين تبقى الآلية نفسها، مال يبحث عن سلطة تحميه، ونفوذ يبحث عن أبواب خلفية، وعلاقات شخصية تحاول أن تكون أقوى من المؤسسة.
هنا يصبح السؤال، هل تغيّرت الدولة فعلًا، أم تغيّرت فقط أسماء الواقفين حولها؟
صناعة الخوف
الخطر الحقيقي لا يكمن في اسم هذا الطرف أو ذاك، بل في محاولة ترسيخ قناعة لدى السوريين بأن القرار العام يمكن اختزاله في شبكة مصالح، وأن الدولة، مهما تبدّلت، تظل أضعف من المال والعلاقات والنفوذ.
الأخطر من ذلك أن تتحول القوة المالية إلى أداة لصناعة الخوف، أن تُنسج حول بعض الأشخاص صورة توحي بأنهم قادرون على الوصول إلى كل مكان، والتأثير في كل قرار، وإسكات كل صوت، بحيث يصبح المواطن مقتنعًا، قبل أن يخوض أي مواجهة، بأن السؤال نفسه مكلف. عند هذه النقطة، لا يعود المال مجرد ثروة، بل يتحول إلى سلطة موازية.
تجربة وتفاعل
هنا تكمن قيمة تجربة حسان عقّاد. لقد فهم المزاج العام، وخصوصًا مزاج جيل جديد من السوريين لم يعد مستعدًا لسماع الخطب الطويلة، ولا للاقتناع بالشعارات الجاهزة. لم يخاطب الناس بلغة سياسية ثقيلة، ولم يتعامل معهم بوصفهم جمهورًا يحتاج إلى الوصاية، بل تحدث بلغتهم اليومية، واحترم ذكاءهم، واستخدم أدواتهم، من الفيديو إلى السخرية والإعلام الرقمي، من دون أن يتنازل عن جوهر الفكرة.
الفكرة، في جوهرها، بسيطة وعميقة في آن واحد: من يعمل في المجال العام يجب أن يكون قابلًا للسؤال. لا حصانة للمال أمام المساءلة، ولا قداسة للنفوذ، ولا يجوز أن يتحول القرب من السلطة، أو من دوائر التأثير، إلى جدار يمنع المجتمع من السؤال.
لهذا استطاع عقّاد أن يصنع تفاعلًا واسعًا، وأن يجذب متطوعين ومؤيدين وجدوا في خطابه شيئًا افتقده السوريون طويلًا: القدرة على مساءلة القوة من دون امتلاك قوة مماثلة لها.
فالحراك المدني الحقيقي لا يبدأ بالضرورة من حزب كبير، ولا من مؤسسة ممولة، ولا من زعيم يمتلك جمهورًا منظمًا. أحيانًا يبدأ من سؤال بسيط يُطرح في اللحظة المناسبة، بطريقة يفهمها الناس، ثم يكتشف آلاف الأشخاص أنهم كانوا يريدون طرح السؤال نفسه لكنهم لم يجدوا من يبدأ.
نموذج يستحق الدراسة
ما فعله حسان عقّاد يستحق أن يُدرّس كنموذج عن الحراك المدني الحديث: كيف تفهم المجتمع بدل أن تعظه، وكيف تلامس قلقه الحقيقي، وكيف تستخدم الإعلام الرقمي والسخرية واللغة اليومية لتبسيط قضية عامة من دون تسطيحها.
والأهم: كيف تستطيع أن تكون حادًا من دون أن تتحول إلى خطاب كراهية، وأن تنتقد النفوذ من دون أن تجعل المعركة شخصية، وأن تحافظ على البوصلة الأخلاقية بحيث يبقى الهدف هو تعزيز المؤسسات لا الانتقام من الأشخاص.
هذه إحدى أهم معضلات الحركات المدنية العربية: أن تنتقل من رفض الأشخاص إلى بناء القواعد. لأن تغيير رجل أعمال لا يصنع دولة، وإسقاط صاحب نفوذ لا يهدم منظومة النفوذ، واستبدال شبكة مصالح بشبكة أخرى ليس إصلاحًا. الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تصبح القاعدة أقوى من الأشخاص.
لا حرب على رأس المال
هذا الكلام ليس هجومًا على القطاع الخاص، ولا إعلان حرب على رجال الأعمال، العكس تمامًا. سوريا تحتاج، ربما أكثر من أي وقت مضى، إلى رأس المال، وإلى الاستثمار، وإلى شركات حقيقية قادرة على خلق فرص العمل، وتحريك الاقتصاد، وإعادة الإعمار، واستعادة الكفاءات التي غادرت البلاد.
لكنها تحتاج، قبل كل ذلك، إلى قاعدة واحدة لا تحتمل الالتباس: لا استثمار فوق القانون، ولا رجل أعمال فوق الدولة، ولا علاقة شخصية أقوى من المؤسسة.
فالاقتصاد الحقيقي لا يخاف من الشفافية، ورجل الأعمال الحقيقي لا يحتاج إلى تضخيم نفوذه أو الإيحاء بأن له كلمة حاسمة داخل مؤسسات الدولة. على العكس، رأس المال الجدي يحتاج إلى دولة قوية، وقضاء مستقل، وقواعد معلنة، وعقود واضحة، وفرص متكافئة، ومنافسة نزيهة. فالمال نفسه يصبح أكثر أمانًا عندما تحميه القوانين بدل أن تحميه العلاقات.
امتحان الدولة الجديدة
هنا تحديدًا تبرز مسؤولية الدولة السورية الوليدة، ومسؤولية الرئيس أحمد الشرع. فبناء الثقة مع السوريين، وخصوصًا مع أولئك المتوجسين من مصير الحراك المدني وحرية النقد والمساءلة، لا يتحقق بالتصريحات وحدها، مهما كانت مطمئنة، الثقة تُبنى بالسوابق.
تبنى عندما يرى المواطن أن النافذ يُحاسب كما يُحاسب الضعيف، وأن صاحب المال لا يمتلك بابًا خاصًا إلى الدولة، وأن النقد لا يتحول تلقائيًا إلى جريمة، وأن الاختلاف لا يعني العداء، وأن من يطرح سؤالًا عن المال العام أو المصلحة العامة لا يُعامل بوصفه خصمًا للدولة.
الدولة الجديدة تحتاج إلى رسائل عملية لا تقبل التأويل: لا أحد فوق القانون، لا شبكة علاقات تستطيع أن تحل محل مؤسسات الدولة، لا صفقة اقتصادية تمر من دون قواعد واضحة وشفافية ومصلحة عامة ورقابة حقيقية. والدولة التي تريد من مواطنيها أن يثقوا بها، عليها أولًا أن تجعلهم يشعرون بأن مؤسساتها أقوى من الأشخاص الذين يتحركون حولها.
مهما كبر نفوذ الحيتان المالية، ومهما اتسعت علاقاتهم، تبقى الدولة هي المظلة القانونية والسياسية لأي نشاط اقتصادي، وأي عقد، وأي صفقة. وإذا امتلكت الإرادة، تستطيع أن تضع الحدود، وتحمي المنافسة، وتمنع الاحتكار، وتفصل بين المال والقرار العام، والأهم: أن تمنع إعادة إنتاج المنظومات القديمة بأسماء جديدة ووجوه جديدة وشعارات جديدة.
لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث لسوريا الجديدة ليس عودة النظام القديم بشكله القديم، فهذا يكاد يكون مستحيلًا، بل عودة طريقة عمله داخل مؤسسات تحمل أسماء جديدة. أن يتغير الحاكم ويبقى الخوف. أن يتغير الخطاب وتبقى الواسطة. أن تتغير الوجوه ويبقى النفوذ أقوى من القانون، عندها يكون السوريون قد غيّروا المشهد، ولم يغيّروا القواعد.
بذرة للحماية
حسان عقّاد قدّم، بقصد أو من دون قصد، درسًا مهمًا في السياسة والمجتمع: الناس لا يحتاجون دائمًا إلى سلطة أو ثروة كي يتحركوا. يحتاجون أحيانًا إلى صوت صادق يفهمهم، ويحترم عقولهم، ويمنحهم شجاعة طرح السؤال.
وهذه ربما تكون واحدة من أهم بذور الحراك المدني الذي تحتاجه سوريا الجديدة. حراك لا يريد هدم الدولة، بل يريدها أقوى. لا يريد محاربة الاقتصاد، بل يريد اقتصادًا نظيفًا. لا يريد شيطنة رجال الأعمال، بل يريد إخضاع الجميع للقواعد نفسها.
ولا يريد استبدال استبداد سياسي باستبداد الشارع، بل بناء مساحة يستطيع فيها المواطن أن يسأل، والصحافي أن يحقق، والناشط أن ينتقد، ورجل الأعمال أن يستثمر، والمسؤول أن يحكم، تحت سقف واحد اسمه القانون.
فالدولة القوية ليست التي تحمي النافذين من أسئلة الناس، بل التي تحمي حق الناس في السؤال. وليست الدولة القوية التي تخشى الحراك المدني، بل التي تدرك أن المجتمع القادر على مراقبتها هو أحد مصادر قوتها.
في النهاية، فإن الاختبار الحقيقي لسوريا الجديدة لن يكون فقط في قدرتها على إعادة بناء الطرق والمطارات والمصانع والأحياء المهدمة، بل في قدرتها على بناء شيء أصعب بكثير: الثقة.
الثقة تبدأ حين يعرف السوري أن الدولة ليست ملكًا لمن يملك المال، ولا لمن يمتلك العلاقات، ولا لمن يستطيع الوصول إلى أصحاب القرار. والدولة القوية ليست التي تحمي النفوذ، بل التي تجعل الجميع، مهما عظمت ثرواتهم واتسعت علاقاتهم، يعملون تحت سقف القانون وتحت عين المجتمع.
