سيارتك تتجسّس عليك
لم تعد شركات السيارات تكتفي ببيعك مركبةً تنقلك من مكان إلى آخر. لقد اكتشفت أن السيارة الحديثة يمكن أن تكون منجم بيانات متحرّكًا، وأن السائق الذي يدفع آلاف الدولارات أو الجنيهات لامتلاكها قد يتحول، من دون أن يدرك، إلى مصدر دخل مستمر بعد إتمام عملية الشراء.
أنت تشتري السيارة، لكن الشركة قد تحتفظ بالحق في الاستفادة التجارية من تفاصيل حياتك التي تنتجها أثناء قيادتها.
منجم بيانات
هذه هي الوجهة الأكثر إثارةً للقلق في صناعة السيارات الذكية: لم يعد الربح محصورًا في سعر المركبة وقطع الغيار والصيانة، بل امتد إلى البيانات التي تجمعها السيارة عن مالكها وركابها. الموقع، والسرعة، والمسارات، وأوقات التنقل، وأسلوب القيادة، والفرملة، والتسارع، وربما طبيعة الاستخدام اليومي، كلها تحولت إلى معلومات قابلة للتحليل والاستثمار. السيارة لم تعد منتجًا نهائيًا؛ إنها منصة دائمة لاستخراج القيمة من المستخدم.
الشركات تسمي ذلك «تحسين تجربة القيادة» و«تعزيز السلامة» و«تطوير الخدمات». لكن هذه اللغة التقنية الناعمة تخفي سؤالًا تجاريًا قاسيًا: لماذا تحتاج الشركة إلى معرفة كل هذه التفاصيل عن حياتي كي تبيعني سيارة؟ وهل يتحول توقيع المستهلك على شروط استخدام طويلة ومبهمة إلى شيك مفتوح يسمح بجمع معلوماته وتبادلها مع أطراف أخرى؟
اختلال القوة
المشكلة لا تكمن في وجود التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في اختلال ميزان القوة. الشركة تمتلك الأنظمة والخوادم والعقود والخبراء القانونيين، بينما يمتلك المستهلك مفتاح التشغيل فقط. هو لا يعرف بالضبط ما الذي يُجمع، ولا إلى أين يذهب، ولا كم من الوقت يُخزَّن، ولا مَن يستطيع الوصول إليه. وفي عالم البيانات، الجهل ليس حيادًا؛ إنه تنازل مجاني عن الحقوق.
والأكثر استفزازًا أن بعض شركات السيارات تتعامل مع الخصوصية باعتبارها بندًا ثانويًا في عقد الاستخدام، لا حقًا أصيلًا للمستهلك. فإذا أراد السائق الاستفادة من وظائف الاتصال والملاحة والتحديثات الذكية، فعليه غالبًا أن يقبل منظومة واسعة من الشروط. وهكذا يصبح الاختيار ظاهريًا: إما أن تقبل المراقبة، أو تتخلى عن جزء من الوظائف التي دفعت ثمنها أصلًا.
داخل المقصورة
ثم تأتي الكاميرات الداخلية والمستشعرات وربط الهواتف لتوسّع دائرة المعرفة. لم تعد السيارة تعرف أين ذهبت فقط، بل قد تصبح قادرةً على التقاط مؤشرات عن السائق والركاب، وربطها بسلوك القيادة والهوية الرقمية. وفي غياب شفافية حقيقية، يصبح المستهلك أمام شركة تستطيع أن تجمع عنه معلومات شديدة الحساسية، بينما لا تمنحه في المقابل سوى عبارات عامة عن «الأمان» و«الخصوصية».
سيارة أم جاسوس؟
هنا ينبغي توجيه السؤال مباشرة إلى الشركات: هل أنتم مصنّعو سيارات أم شركات بيانات ترتدي هيكل مركبة؟ لأن الفرق ليس لغويًا. مصنع السيارة يبيع منتجًا، أما شركة البيانات فتسعى إلى بناء علاقة دائمة مع المستخدم، تراقب من خلالها عاداته وتستثمر في تفاصيله. وإذا كانت السيارة الحديثة تدرّ أرباحًا من بيانات مالكها، فمن حق هذا المالك أن يعرف، وأن يوافق بوضوح، وأن يحصل على نصيب عادل من القيمة التي تُستخرج منه.
لا يجوز أن تتحول عبارة «اضغط موافق» إلى تنازل دائم عن الخصوصية. ولا ينبغي أن تكون التكنولوجيا ذريعةً لإعادة تعريف الملكية على نحو يجعل المستهلك مالكًا للمقعد والمقود، بينما تصبح الشركة مالكةً لما يعرفه النظام عن حياته.
قواعد جديدة
المطلوب ليس العودة إلى السيارات القديمة، بل فرض قواعد جديدة على صناعة تتوسع أسرع من القوانين: شفافية كاملة، وموافقة صريحة، ومنع مشاركة البيانات الحساسة من دون إذن واضح، وحق حقيقي في رفض التتبع من دون فقدان الوظائف الأساسية.
فالمشكلة ليست أن السيارة أصبحت ذكية، بل أن الشركات تريدها ذكية إلى الحد الذي يجعلها تعرف كل شيء عنك… وتخبرك بأقل قدر ممكن عن نفسها.
