الحريرية السياسية… من لبنان إلى فكرة المشرق
الموت الذي يتهدّد المشرق ليس موتًا جسديًا فحسب، بل انحسار قدرته على أن يبقى فضاءً للتنوّع والعيش المشترك؛ حين يصبح الاختلاف مصدر ريبة، والآخر خصمًا، والوطن ساحةً، والسياسة وجهًا آخر للصراع.
في مواجهة هذا المسار، تطرح المشرقية الجديدة أفقًا يعيد وصل الدولة بالمجتمع والمحيط: مؤسسات تصون الجميع، وتنوّع يتحوّل إلى ثراء، وحوار يضبط التناقضات، واقتصاد ينشئ المصالح المتبادلة بدل أن يكرّس الخصومات. وليست هذه دعوة إلى اصطفاف جديد، ولا محاولة لصهر الخصوصيات، بل إلى صيغة يستعيد فيها المشرق قدرته على النهوض من داخل تعدّده.
لبنان الامتحان
وفي قلب هذا الامتحان يأتي لبنان. فهو ليس مجرد مساحة صغيرة على خريطة المنطقة، بل اختبار مكثّف لسؤالها الأكبر: هل يمكن للتنوّع أن يكون مصدر اقتدار؟ وهل تستطيع العروبة أن تشكّل إطارًا جامعًا من دون إلغاء الخصوصيات؟ وهل يملك لبنان أن يكون مساحةً للتلاقي بدل أن يبقى مسرحًا لصراعات الآخرين؟
من هنا تستمدّ تجربة رفيق الحريري قيمتها الراهنة. فقد انطلق من بناء المؤسسات، وترميم الثقة، وتنشيط الاقتصاد، وتثبيت الصلات العربية والدولية، وتحويل تعدّد لبنان وموقعه الجغرافي إلى عناصر نفوذ وحيوية. وفي صلب هذا النهج معادلة واضحة: الدولة قبل الساحة، والتفاهم قبل القطيعة، والتنمية سندًا للاستقرار، والعروبة انفتاحًا لا إلغاء.
مسار عملي
أما تحويل هذه المبادئ إلى واقع لبناني، فيمر عبر مسار عملي: مؤسسات فاعلة تمسك بقرارها، وانتظام دستوري يحفظ التوازن، وإصلاح مالي يصون حقوق الناس ويعيد المصداقية، واقتصاد منتج يطلق طاقات البلاد واغترابها، وإدارة تقوم على الجدارة والمحاسبة، وصلات خارجية متوازنة تحكمها السيادة والمصلحة الوطنية.
والأهم أن يصبح التنوّع مصدر طمأنينة، لا مادةً للقلق؛ فالمؤسسات تحمي الإنسان من الخوف، ولا تجعل الجماعات أسيرة هواجسها.
نهضة مشتركة
لا يستطيع لبنان أن يصنع عافيته منفردًا. فالنهضة المشرقية تحتاج إلى حكومات تستعيد زمام قرارها، ومجتمعات تحمي تعدديتها، ومصالح اقتصادية تتشابك، وقيادات تملك شجاعة التفاهم قبل أن تأتي التسويات تحت ضغط الانهيار. عندها يغادر لبنان موقع المتلقّي لتداعيات محيطه، ويتقدّم شريكًا في رسم اتجاهاته.
هنا تتقدّم مسؤولية تيار المستقبل. ليس بوصفه امتدادًا تنظيميًا لزمن مضى، بل باعتباره حاملًا لمدرسة سياسية ما زالت الحاجة إليها قائمة: وطن عربي منفتح، ودولة تتّسع لكل أبنائها، وتعدّد لا ينزلق إلى الاحتراب، واقتصاد متصل بعمقه العربي والعالم.
تجديد المعنى
المطلوب ليس استنساخ التجربة، بل تجديد معناها بما يلائم المرحلة؛ مخاطبة اللبنانيين بعقل الثقة لا بمنطق الخوف، وإعدادهم للخيارات المصيرية، وتحويل الخبرة المتراكمة إلى برنامج وطني واضح وقابل للتنفيذ.
فالمرحلة المقبلة لا تحتاج إلى مزيد من الضجيج، بل إلى نضج في القرار. فالقرارات لا تكون برفع الصوت ولا الإصبع، بل برفع الإحساس بالمسؤولية. وما يطلبه لبنان اليوم هو سياسة المبادرة، وصناعة التفاهم، واسترداد الثقة، بدل الارتهان لردود الفعل.
سياسة المبادرة
بهذا المعنى، يستطيع تيار المستقبل أن يساهم في فتح مسار جديد: لبنان في عمقه العربي لا على هامشه، منفتح من دون ذوبان، متنوّع من دون خوف، مستقل من دون عزلة، وقادر على تحويل موقعه إلى قيمة سياسية واقتصادية.
ليست القضية استعادة زمن مضى، بل استكمال طريق لم يكتمل؛ أن ينتقل لبنان من التأثّر الدائم بما يجري حوله إلى الإسهام في تحديد ملامح الغد.
