7 أكتوبر… اللحظة التي أخطأ حزب الله في قراءتها؟
لم يكن حزب الله، عشية السابع من أكتوبر 2023، مجرد تنظيم مسلّح يمتلك آلاف الصواريخ ومقاتلين راكموا خبرات قتالية واسعة، بل كان مشروعًا عسكريًا متكاملًا أمضى عقودًا في بناء ترسانة متطوّرة، وتشكيل وحدات نخبوية، وحفر الأنفاق، وإقامة التحصينات، وتطوير منظومات القيادة والسيطرة. وفي قلب هذا المشروع، برزت «قوة الرضوان» بوصفها رأس الحربة في أي مواجهة هجومية محتملة، وارتبط اسمها بخطط التوغّل في الجليل
لكن ما كشفته حرب 2024 لم يكن مجرد اختبار لحجم هذه القوة، بل امتحانًا أكثر قسوة لجدوى وجودها وكيفية توظيفها.
كيف أمكن لقوة أمضت سنوات في التحضير للهجوم أن تجد نفسها في موقع الدفاع؟ ولماذا لم تتحوّل ترسانة الردع والإعداد الطويل إلى مبادرة عسكرية تفرض إيقاع المواجهة، قبل أن تنتقل إسرائيل إلى تفكيك أجزاء أساسية من البنية القيادية والعسكرية للحزب؟
هنا لا يعود السؤال عن عدد الصواريخ والمقاتلين، بل عن القرار السياسي والعسكري الذي يحوّل القوة من مخزون استراتيجي إلى فعل مؤثّر في اللحظة الحاسمة.
من سوريا إلى غزة
لفهم هذه المعضلة، لا بد من العودة إلى عام 2011، حين اختار حزب الله الانخراط في الحرب السورية دعمًا لنظام بشار الأسد، قبل أن يتبلور تدخّله العسكري بصورة أكثر وضوحًا في معركة القصير عام 2013.
كان ذلك القرار تحوّلًا مفصليًا في مسيرة الحزب. فالتنظيم الذي راكم جانبًا كبيرًا من رصيده الشعبي العربي تحت عنوان مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وجد نفسه طرفًا في حرب داخلية إقليمية معقّدة، دفع خلالها أثمانًا سياسية وشعبية وعسكرية باهظة.
صحيح أن التجربة السورية منحت مقاتليه خبرات ميدانية إضافية، ووسّعت قدراتهم على خوض الحروب البرية وإدارة العمليات المعقّدة، لكنها، في المقابل، استنزفت سنوات من موارده، ووسّعت نطاق التزاماته العسكرية، وربطت حساباته الاستراتيجية بساحات إقليمية تجاوزت وظيفته الأساسية المعلنة في مواجهة إسرائيل.
وهكذا، دخل حزب الله مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر وهو يمتلك خبرة قتالية أكبر، لكنه يحمل أيضًا أعباء استراتيجية أشد تعقيدًا.
الإسناد أم المبادرة؟
في الثامن من أكتوبر 2023، فتح حزب الله جبهة الجنوب اللبناني، معلنًا إسناد غزة، بعد يوم واحد من هجوم حركة حماس على إسرائيل.
لم يكن القرار منفصلًا عن حسابات «محور المقاومة» وترابط جبهاته، ولا عن اعتقاد الحزب بأن ترك إسرائيل تحسم معركتها في غزة قد يمنحها فرصة التفرّغ لاحقًا للجبهة اللبنانية.
لكن الإشكالية لم تكن في فتح الجبهة وحده، بل في الطريقة التي أُديرت بها.
فبينما اختار الحزب استراتيجية الاستنزاف المحدود والتصعيد التدريجي المحسوب، كانت إسرائيل تتعامل مع الحرب بمنطق مختلف، يتّجه شيئًا فشيئًا نحو توسيع بنك الأهداف، وتكثيف العمليات الاستخباراتية، وضرب البنية العسكرية والقيادية.
بمعنى آخر، كان حزب الله يخوض المواجهة بعقلية ضبط التصعيد، فيما كانت إسرائيل تتحضّر، على ما أظهرت الأحداث اللاحقة، لتغيير قواعد الحرب نفسها.
وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل أخطأ الحزب في قراءة التحوّل الاستراتيجي الذي أحدثه السابع من أكتوبر؟
وهل افترض أن قواعد الاشتباك التي حكمت الحدود اللبنانية طوال سنوات ستبقى صالحة بعد حدث قلب المعادلات الأمنية والعسكرية في المنطقة؟
لقد أثبتت الوقائع أن ضبط التصعيد من طرف واحد لا يضمن بالضرورة التزام الخصم بالسقف نفسه، وأن الرهان على بقاء المواجهة محدودة قد يتحوّل إلى نقطة ضعف عندما يقرّر الطرف الآخر الانتقال إلى حرب أوسع.
أين كانت الرضوان؟
شكّلت «قوة الرضوان» أحد أبرز عناوين القوة الهجومية التي استثمر فيها حزب الله سنوات طويلة من التدريب والتسليح والتخطيط.
كانت الفكرة الأساسية تقوم على نقل جزء من المواجهة إلى داخل الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل، بدل الاكتفاء بالدفاع عن الحدود اللبنانية أو إطلاق الصواريخ عبرها.
ومع ذلك، لم يشهد مسار الحرب تنفيذ عملية هجومية واسعة من النوع الذي ارتبط باسم هذه القوة.
هنا تكمن واحدة من أكثر المفارقات إثارة للتساؤل في التجربة العسكرية للحزب.
فإذا كانت هذه القوة قد أُعدّت لسيناريو استراتيجي محدّد، فما الذي حال دون استخدامها عندما اندلعت حرب غيّرت أولويات إسرائيل وفرضت عليها ضغوطًا عسكرية وأمنية غير مسبوقة؟
هل كان القرار سياسيًا لتجنّب حرب شاملة؟ أم أن تقديرات القيادة العسكرية رأت أن كلفة المبادرة الهجومية ستكون أعلى من مكاسبها؟ أم أن الحزب بالغ أصلًا في تقدير هامش المناورة المتاح له؟
لا يمكن الجزم بأن هجومًا واسعًا كان سيقلب موازين الحرب أو يضمن تحقيق مكاسب استراتيجية. بل ربما كان سيفتح الباب أمام مواجهة شاملة مبكرة، بما تحمله من أثمان كارثية على لبنان.
لكن المؤكد أن عدم استخدام القوة الهجومية في المهمة التي ارتبطت بها يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بالفارق بين امتلاك القدرة وحسن توظيفها.
فالقوة التي يجري إعدادها لعقود لا تكتسب قيمتها من مجرد وجودها، بل من قدرتها على التأثير في حسابات الخصم، سواء استُخدمت فعلًا أو نجحت في ردعه عن الحرب.
وإذا امتلك الخصم القدرة على تفكيك أجزاء من هذه القوة قبل أن تؤدي وظيفتها الاستراتيجية، تصبح مراجعة فلسفة بنائها واستخدامها ضرورة لا يمكن تجاوزها.
سقوط القادة
مع تصاعد الحرب خلال عام 2024، بدأت إسرائيل تنقل المواجهة تدريجيًا من استهداف المواقع والمقاتلين إلى ضرب مستويات متقدّمة في الهيكل القيادي للحزب.
في 30 تموز، اغتالت فؤاد شكر في الضاحية الجنوبية لبيروت، ثم اغتالت في 20 أيلول إبراهيم عقيل وعددًا من قادة «قوة الرضوان»، قبل أن تبلغ الضربات ذروتها في 27 أيلول باغتيال الأمين العام للحزب حسن نصر الله، في غارة استهدفت مقرًا تحت الأرض في الضاحية الجنوبية.
لم تكن هذه الضربات مجرد خسائر بشرية أو اغتيالات لقيادات بارزة، بل مثّلت زلزالًا أصاب بنية القيادة والسيطرة، وطرح أسئلة قاسية بشأن حجم الاختراق الاستخباراتي الذي مكّن إسرائيل من الوصول إلى مستويات قيادية شديدة الحساسية.
والأخطر أن هذه الخسائر جاءت بعد سنوات من الاستثمار في منظومات الحماية والسرية والتحصين، بما يفترض أنه يجعل الوصول إلى هذه المستويات بالغ الصعوبة.
لقد أظهرت الحرب أن امتلاك الصواريخ الدقيقة، والأنفاق المحصّنة، والوحدات الخاصة، لا يكفي وحده لبناء قوة متماسكة، إذا أمكن للخصم اختراق شبكات الاتصال والوصول إلى مراكز القرار.
الاختراق الأخطر
ثم جاءت تفجيرات أجهزة «البيجر» والاتصالات اللاسلكية في 17 و18 أيلول 2024 لتكشف مستوى آخر من هشاشة المنظومة الأمنية.
كانت تلك العمليات صدمة تجاوزت حجم الخسائر المباشرة، لأنها أصابت إحدى الركائز المفترضة لعمل أي تنظيم عسكري: الثقة بأدوات الاتصال الداخلية وسلامة سلاسل التوريد.
فحين تتحوّل وسيلة الاتصال إلى مصدر خطر على مستخدمها، لا يعود الخلل تقنيًا فحسب، بل يصبح أزمة أمنية واستخباراتية تمسّ صميم القدرة على القيادة والتنسيق وحماية العناصر.
وهنا برز وجه آخر للحرب الحديثة، حيث لا يُقاس التفوق العسكري فقط بالترسانة النارية، بل بالقدرة على اختراق الخصم من الداخل، وتعطيل اتصالاته، وكشف تحرّكات قياداته، وصولًا إلى ضربه في أكثر المواقع التي يعتقد أنها محصّنة.
لقد امتلك حزب الله أدوات كثيرة لإيذاء إسرائيل عسكريًا، لكن الحرب أظهرت في المقابل قدرة إسرائيل على إلحاق أضرار عميقة ببنيته القيادية والأمنية.
وهذا الاختلال يستحق مراجعة أوسع من مجرد إحصاء الخسائر أو تعداد العمليات العسكرية.
معضلة القرار
تكشف تجربة حزب الله بعد السابع من أكتوبر عن مأزق استراتيجي يتجاوز السجال التقليدي حول الانتصار والهزيمة.
فالسؤال الحقيقي ليس فقط عمّا إذا كان الحزب قد امتلك القوة الكافية لمواجهة إسرائيل، بل عمّا إذا كان قد أحسن تقدير طبيعة الحرب التي دخلها، وحدود قدراته، وأهداف خصمه، والتوقيت المناسب لاستخدام عناصر قوته.
لقد بنى الحزب، طوال سنوات، جزءًا كبيرًا من عقيدته العسكرية على الردع المتبادل، وعلى افتراض أن كلفة الحرب الشاملة ستدفع إسرائيل إلى تجنّبها.
غير أن ما جرى بعد السابع من أكتوبر كشف حدود هذه المعادلة عندما تبدّلت الحسابات الإسرائيلية، وأصبحت الحرب تُدار وفق أولويات مختلفة عن تلك التي حكمت المواجهات السابقة.
ليس من الدقة الادعاء بأن المبادرة الهجومية كانت ستضمن انتصار الحزب، كما ليس من الإنصاف الاستنتاج بأن امتناعه عنها كان السبب الوحيد في الخسائر التي تكبّدها.
لكن من المشروع، بل من الضروري، التساؤل عمّا إذا كانت القيادة قد أخطأت في الموازنة بين مخاطر المبادرة ومخاطر الانتظار.
ففي الحروب، قد يكون التسرّع في استخدام القوة خطأً قاتلًا، لكن التأخّر في توظيفها قد يكون مكلفًا بالقدر نفسه.
والأشد خطورة أن تتحوّل الحسابات التي وُضعت لتجنّب الحرب الشاملة إلى مسار ينتهي بخوضها في ظروف أقل ملاءمة.
السؤال الأصعب
في المحصّلة، لم تكن حرب 2024 مجرد مواجهة عسكرية بين حزب الله وإسرائيل، بل اختبارًا قاسيًا لعقيدة بُنيت خلال عقود على تراكم القوة، وتعزيز الردع، والاستعداد لمواجهة كبرى مؤجّلة.
وقد أظهرت نتائجها أن القوة العسكرية، مهما تعاظمت، لا تُغني عن دقة التقدير السياسي، وأن الترسانة الضخمة قد تفقد جزءًا من قيمتها الاستراتيجية عندما ينجح الخصم في فرض توقيت المواجهة وشروط تصعيدها.
فليست المشكلة دائمًا في نقص القوة، بل أحيانًا في فائض الثقة بها، أو في سوء تقدير اللحظة التي ينبغي أن تتحوّل فيها إلى قرار.
وبين من يرى أن حزب الله تجنّب مغامرة هجومية كان يمكن أن تجرّ لبنان إلى كارثة أكبر، ومن يعتبر أنه أضاع فرصة المبادرة وترك لإسرائيل الوقت اللازم لإعادة ترتيب أوراقها، يبقى السؤال مفتوحًا على مراجعة لم تكتمل فصولها بعد.
هل أخطأ حزب الله لأنه لم يستخدم قوته في اللحظة المناسبة؟ أم لأنه دخل مواجهة لم يمتلك القدرة على التحكّم بمسارها ونهايتها؟
