تحميل

إبحث

في الصميم

هل يُفجّر سجن الأسير الشارع السُّنّي؟

Lebanon_ Ruins, Justice, and Renewal

تجاه رجل يُدعى الشيخ أحمد الأسير، تقف الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان اليوم في «منطقة رمادية»، تتأرجح بين الاستخفاف والحذر. بين الاعتقاد بأن ملفّه قد طُوي، وبين الخشية من أن يتحوّل إلى شرارة تُوقظ ما تراكم تحت الرماد في زمن حسّاس.

بصرف النظر عن مواقف أركان هذه الطبقة من الرجل، بين محبّ ومبغض، ومتعاطف ومتوجّس، فإنهم يقفون أمام حالة من اللايقين حيال ما يمكن أن يحدث إذا أُقرّ قانون العفو من دون أن يشمل الأسير.

تُراهن الغالبية، ولو في سرّها، على أن استمرار سجنه سنوات إضافية سيمرّ كما مرّت قبله قضايا كثيرة، سرعان ما تخبو وتبتلعها يوميات بلد اعتاد أن يُراكم أزماته من دون أن يحلّها.

لكن تلك هي حسابات الظاهر، أمّا ما يغيب عن حسابات السلطة، أو تتعمّد تجاهله، فهو أن أحمد الأسير، في نظر شريحة كبيرة من اللبنانيين، لم يعد يمثّل شخصه وحده، ولا تختصر قضيته حدود زنزانة أو ملفّ قضائي. لقد تحوّل إلى عنوان لمرحلة سياسية وأمنية مثقلة بالجراح، ورمز لمظلومية يشعر بها قسم كبير من السُّنّة في لبنان، بصرف النظر عن مدى اتفاقهم معه أو اختلافهم حول مواقفه وخياراته السابقة.

إنها مرحلة ثقيلة على ذاكرة اللبنانيين عمومًا، دفعوا أثمانًا باهظة من تداعياتها، ولا يزال كثيرون منهم يعيشون تحت وطأة الفقر والتهجير والانهيار والخوف من المستقبل.

هل سيقبل السُّنّة، يا تُرى، أن يروا نوح زعيتر يتمختر بسيارات الدفع الرباعي في جرود بعلبك، بعد أيام، بينما تقبع عمامة بيضاء خلف القضبان، ظلمًا واستخفافًا؟

ما لا تدركه هذه الطبقة أن الهدوء ليس دائمًا دليل رضى، وأن الصمت لا يعني بالضرورة التسليم، وأن الجمر الذي يستتر تحت الرماد قد يكون أشدّ حرارة من النار الظاهرة.

فالاحتقان لا يُولد في لحظة، ولا يحتاج دائمًا إلى قرار سياسي كي يتراكم. إنه ينمو بصمت، ويتغذّى من خيبات متلاحقة، حتى تصبح قضية واحدة، مهما بدا حجمها محدودًا، عنوانًا لغضب أوسع منها بكثير.

وإذا كانت السلطة تراهن على أن الشارع السُّنّي فقد القدرة على الاعتراض، فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه ليس متى يخرج هذا الشارع، بل إلى أيّ حدّ يمكن أن يستمر شعوره بالتهميش قبل أن يبحث عن تعبير سياسي جديد.

الجدار السُّنّي الأخير

في قلب هذه المعادلة، يبرز اسم المدّعي العام التمييزي أحمد رامي الحاج.

فالحاج شاء أم أبى، بات أمام اختبار تتجاوز أبعاده الشخصية حدود منصبه، في ظلّ من ينظرون إليه باعتباره أحد آخر الجدران المؤسسية التي يمكن الركون إليها للحؤول دون تعميق الشعور بالاستخفاف بالشأن السُّنّي.

لم يكن أحمد الحاج قد تجاوز العاشرة من عمره حين كان الشيخ أحمد الأسير يجوب، في نشاطه الدعوي، بلدة عانوت في إقليم الخروب، مسقط رأس الحاج.

ربما التقيا يومًا مصادفة في أحد شوارع البلدة، أو قرب مسجد من مساجدها. وربما لم يحدث ذلك مطلقًا. لكن الأكيد أن من عرفوا الأسير في تلك المرحلة الدعوية يحتفظون بذكريات طيّبة عن نشاطه الديني وصلاته بأهالي البلدة، وهي صورة لا تُلغي ما أعقبها من أحداث واتهامات وأحكام، لكنها تُظهر كيف يمكن أن تختلف ذاكرة الناس تجاه الشخص نفسه باختلاف المراحل والتجارب.

في بلد كلبنان، ليس لزامًا على قاضٍ في الدولة أن يكون من روّاد المساجد، لكن الأكيد أنه يجب أن يكون من أهل العدل أساسًا، الذي هو أصل في الدين قبل أن يكون مرفوعًا على المبنى الذي يضمّ مكتب الحاج على شارع سامي الصلح.

فالعدل لا طائفة له، لكن الظلم، حين يشعر به الناس، سرعان ما يرتدي في عيونهم هوية طائفية. وهنا تبدأ أخطر أزمات الدولة.

separator

الصمت يخدع أصحابه

لم يكن الاستخفاف بمشاعر الناس يومًا دليل قوّة، بل كان في كثير من محطات التاريخ أول علامات الغفلة التي سبقت سقوط عروش، وتهاوي سلطات، وانتهاء مراحل ظنّ أصحابها أنها باقية إلى الأبد.

ربما يعيش السُّنّة في لبنان اليوم واحدة من أدقّ المراحل السياسية منذ انهيار السلطنة العثمانية، في ظلّ تراجع أدوارهم التقليدية، وتشتّت مرجعياتهم، وتبدّل موازين القوى التي حكمت البلاد لعقود.

ربما تأتي التسويات الإقليمية المقبلة محمّلة باستحقاقات تزيد من قلقهم على موقعهم ودورهم في المعادلة اللبنانية. لكن الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن التراجع السياسي يعني انطفاء الوجدان الجماعي، أو أن غياب القيادة الواحدة يعني غياب الشعور المشترك، أو أن انشغال الناس بأوجاعهم اليومية يسلبهم القدرة على الاعتراض.

فالتاريخ لا يتحرّك دائمًا وفق الحسابات الباردة لأهل السلطة. وقد شهد العالم مرارًا كيف تحوّلت حوادث فردية أو قضايا موضعية إلى عناوين لحركات احتجاج واسعة، بعدما لامست تراكمات أعمق من أسبابها المباشرة.

من شوارع باريس وبرلين وبراتسلافا إلى أزقّة دمشق، ومن ميادين تونس إلى ساحات عربية أخرى، كانت هناك دائمًا لحظات اكتشفت فيها السلطات أن ما حسبته استقرارًا لم يكن سوى احتقان مؤجّل.

قضية الشيخ أحمد الأسير ليست مجرّد سؤال عن رجل سيبقى في السجن أو يخرج منه. إنها سؤال عن قدرة الدولة على معالجة الملفات الخلافية بعدالة وحكمة، وعن استعداد الطبقة السياسية للاعتراف بما تراكم من انقسامات بدل الاكتفاء بالمراهنة على صمت أصحابها.

أمّا السؤال الذي ينبغي أن يؤرّق أهل السلطة اليوم، فليس فقط، هل يُفجّر أحمد الأسير الشارع السُّنّي؟ بل، إلى متى يمكن تجاهل ما يعتمل في هذا الشارع، والاعتقاد أن الرماد قادر إلى الأبد على إخفاء الجمر؟

ولكم في محمد البوعزيزي عبرة، يا أولي الألباب…

العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا