تحميل

إبحث

ماذا لو

أنفاق حزب الله…لم تَعُد الجبال تحمي أسرارها

War-Torn Village Over Hidden Bunkers
لم تعد أنفاق حزب الله مجرّد منشآت عسكرية يُراد لها أن تحمي المقاتلين والصواريخ من الضربات الإسرائيلية، بل تحوّلت إلى عنوان لأزمة استراتيجية تتجاوز حدود المواجهة العسكرية، بعدما باتت الجبال والتلال والقرى في جنوب لبنان تدفع ثمن تحويلها إلى مستودعات للسلاح وممرات للحرب
ماذا لو؟

فحين تنفجر الأنفاق، لا تنهار التحصينات وحدها، بل تتصدّع معها الأرض التي احتضنتها، وتُمحى معالم جغرافية تشكّلت عبر قرون، ويجد السكان أنفسهم أمام خسارة مضاعفة: دمارٌ تفرضه الحرب، ودمارٌ يرتبط بعسكرة المكان.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس عن عدد الأنفاق التي شُيّدت أو حجم الصواريخ التي احتضنتها، بل عن جدوى استراتيجية قُدّمت طويلاً بوصفها ضمانة للردع، فإذا بها تثير تساؤلات عن قدرتها على حماية أصحابها، وعن الكلفة التي يتحمّلها مجتمعٌ لم يُستشر في تحويل أرضه إلى جبهة مفتوحة.

وهم التفوّق

بدأت فكرة الاحتماء بالمغارات والتضاريس الطبيعية في جنوب لبنان بوصفها وسيلة عسكرية تفرضها طبيعة المواجهة مع جيش يمتلك تفوّقاً جوياً واستخباراتياً. لكن ما كان تكتيكاً محدوداً تطوّر، بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، إلى منظومة أكثر تعقيداً، وصولاً إلى منشآت تحت الأرض أُعلن عنها باعتبارها مدناً للصواريخ ومراكز محصّنة يصعب الوصول إليها.

عزّزت حرب عام 2006 الاعتقاد بأن الأنفاق قادرة على حماية المقاتلين والعتاد، وإرباك الخصم وتقليص فاعلية تفوّقه التكنولوجي. غير أن هذا النجاح النسبي تحوّل مع الوقت إلى رهان استراتيجي، فيما كانت إسرائيل تطوّر قدراتها الاستخباراتية وتقنيات الرصد والاستهداف، وتراكم المعلومات عن بنية الحزب العسكرية.

وبينما كان حزب الله يعرض منشآته باعتبارها دليلاً على قدرته على مفاجأة إسرائيل، جاءت عمليات كشف الأنفاق وتدميرها، ثم الاختراقات الأمنية التي أصابت قيادته وبنيته العسكرية، لتعيد طرح السؤال الأصعب: هل كانت السرية التي أُحيطت بها هذه المنشآت كافية لحمايتها، أم أن تضخيم صورتها الدعائية منح الخصم مفاتيح إضافية لفهم أهميتها وأهدافها؟

الجغرافيا هدفاً

في جنوب لبنان، لا تقف الخسائر عند حدود المنازل المدمّرة أو البنى التحتية المتضرّرة. فالتفجيرات التي تستهدف المنشآت تحت الأرض يمكن أن تترك آثاراً واسعة على التلال والمرتفعات والتكوينات الصخرية، وقد تغيّر ملامح المكان نفسه، كما يروي سكان مناطق شهدت انفجارات ضخمة.

الأرض التي شكّلت عبر التاريخ ملاذاً لأهلها ومصدراً لرزقهم وذاكرتهم، تتحوّل إلى ساحة تتنازعها الأنفاق والصواريخ والضربات الجوية. وحين تُدمّر التلال أو تتضرّر القرى بفعل التفجيرات، يخسر السكان أكثر من مساكنهم؛ يخسرون علاقتهم بالمكان، وقدرتهم على العودة إلى حياة طبيعية.

ولا يعفي ذلك إسرائيل من مسؤولية التدمير الذي تنفّذه، ولا يمنحها مبرّراً لاستهداف المدنيين أو محو معالم مناطقهم. لكن رفض الاعتداء الإسرائيلي لا يعني إعفاء حزب الله من مساءلة خياراته العسكرية، ولا تحويل كل نقد لاستراتيجيته إلى موقف مناقض للمقاومة أو متماهٍ مع الاحتلال.

بين السلاح والسيادة

تتجاوز أزمة الأنفاق الجانب العسكري إلى طبيعة العلاقة بين حزب الله والدولة اللبنانية. فحين تُبنى منظومة عسكرية واسعة خارج القرار السيادي للدولة، تصبح الحرب والسلم مرتبطين بحسابات لا يملك اللبنانيون جميعاً سلطة تقريرها، فيما تتحمّل مناطق بعينها القسم الأكبر من الأثمان البشرية والاقتصادية والعمرانية.

لقد أثبتت التجارب أن امتلاك السلاح لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على منع الحرب، وأن التحصينات، مهما بلغت من التعقيد، لا تستطيع وحدها تحييد مجتمع كامل عن نتائج الصراع. 

والأخطر أن يتحوّل الجنوبيون إلى مجرّد أرقام في حسابات الردع، أو إلى جمهور يُطلب منه تحمّل النتائج من دون أن يمتلك حق السؤال عن القرار الذي قاده إلى هذه النتيجة.

لم تكن المشكلة في حفر نفق بحدّ ذاته، بل في الاعتقاد بأن الأنفاق تستطيع تعويض الاختلال الاستراتيجي، أو أن تحصين السلاح يكفي لتحصين المجتمع. فالمعركة الحديثة لا تُحسم بالخرسانة والصخور وحدها، بل بالمعلومات والتكنولوجيا والقدرة على قراءة موازين القوى، والأهم بوجود قرار سياسي يحدّد متى تُستخدم القوة ولأي غاية. اليوم، يقف جنوب لبنان أمام امتحان يتجاوز إعادة الإعمار: هل يستعيد أرضه بوصفها مساحة للحياة، أم يبقى أسير دورة جديدة من التحصين والتصعيد والدمار؟

underground_landscape_editorial

لا تستطيع الجبال أن تختار الحرب، والقرى لا تملك حق الاعتراض حين تتحوّل إلى مواقع عسكرية، لكن أهلها هم الذين يدفعون الفاتورة. وحين يصبح باطن الأرض ملاذاً للسلاح، فيما يتحوّل ظاهرها إلى هدف، تكون الجغرافيا قد دفعت الثمن مرتين: مرة حين عُسكرت، ومرة حين دُمّرت.

أما المقاومة التي لا تجعل حماية الإنسان معياراً أول لنجاحها، فقد تجد نفسها أمام سؤال لا تجيب عنه الأنفاق مهما امتدّت في أعماق الجبال: ما قيمة السلاح إذا بقيت الأرض التي يُفترض أن يحميها عاجزة عن حماية أهلها؟

 

العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا