تحميل

إبحث

وجوه وحكايات

محمد الضيف… أسرار رجل وقرار هزّ العالم

Shadowy War Room Montage

حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية)

من طالب الأحياء الذي عرف خشبة المسرح، إلى القائد الذي أحاطت به أكثر الملفات العسكرية سرية في تاريخ المقاومة الفلسطينية؛ يكشف تحقيق «ما خفي أعظم» وجهًا غير مسبوق من سيرة محمد الضيف، ويفتح، من خلال تسجيلات ووثائق حصرية، نافذةً على العقل العسكري الذي قاد كتائب القسام وصولًا إلى السابع من أكتوبر 2023. إنها حكاية رجل عاش مطاردًا، وصنع حضوره بعيدًا عن الكاميرات، قبل أن يصبح اسمه أحد أكثر الأسماء ارتباطًا بتحولات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

من خشبة المسرح

لم يكن محمد الضيف، المولود في خان يونس عام 1965، مجرد اسم عسكري محاط بالغموض. فالتسجيلات التي كشف عنها تحقيق قناة الجزيرة «ما خفي أعظم»، تحت عنوان «محمد الضيف… أسرار الطوفان وتسجيلات تظهر لأول مرة»، تعيد تركيب مسيرة امتدت أكثر من ثلاثة عقود، وتكشف جوانب إنسانية وتنظيمية وأمنية ظلّت بعيدة عن التداول العام.

من الجامعة الإسلامية في غزة، حيث درس الأحياء ونشط في العمل المسرحي ضمن فرقة «العائدون»، بدأت رحلة شاب حملته الانتفاضة الأولى عام 1987 إلى مسار مختلف. اعتقاله عام 1989، ولقاؤه داخل السجن بمؤسس كتائب القسام صلاح شحادة، شكّلا محطتين مبكرتين في انتقاله إلى العمل العسكري، قبل أن يتدرّج في المواقع القيادية ويصبح لاحقًا القائد العام للكتائب.

لكن اللافت في التحقيق ليس استعراض محطات السيرة وحدها، بل الصورة التي يقدّمها عن شخصية ظلّت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تطاردها سنوات طويلة، فيما بنت حولها تصورات لم تصمد أمام التسجيلات الجديدة. فاللقطات تُظهر الضيف واقفًا ويسير على قدميه، خلافًا للاعتقاد الإسرائيلي السائد بأنه مُقعَد وفاقد لأطرافه نتيجة محاولات الاغتيال المتكررة.

إنها حِيَل استخبارية تكشف حدود المعرفة الإسرائيلية بخصمها، وتطرح تساؤلات عن مقدار ما ظلّ مخفيًا داخل البنية العسكرية التي واجهتها إسرائيل طوال سنوات.

بناء المؤسسة وتطوير المواجهة

تتجاوز أهمية الوثائق استعادة البدايات العسكرية للضيف، لتكشف مسار بناء مؤسسة عسكرية تطوّرت تدريجيًا من مجموعات محدودة الإمكانات إلى هيكل تنظيمي أكثر تعقيدًا، يقوم على القيادة المركزية والتخصص والتصنيع المحلي.

من العمل مع عماد عقل، إلى التنسيق مع يحيى عياش وعدنان الغول، وصولًا إلى تولّيه القيادة العامة بعد اغتيال صلاح شحادة عام 2002، تظهر محطات متتابعة من إعادة تنظيم كتائب القسام وتطوير قدراتها. ويبرز التحقيق اهتمام الضيف بالتصنيع العسكري، والأنفاق، والصواريخ، والأسلحة المضادة للدروع، باعتبارها عناصر أساسية في تغيير طبيعة المواجهة مع الجيش الإسرائيلي.

كما يستعيد محطات مفصلية، بينها أسر الجندي جلعاد شاليط عام 2006، وما انتهت إليه العملية من صفقة «وفاء الأحرار» عام 2011، التي أُفرج بموجبها عن أكثر من ألف أسير فلسطيني، فضلًا عن حرب عام 2014، وعملية «سيف القدس» عام 2021.

وتكشف هذه المحطات أن مسيرة الضيف لم تكن منفصلة عن التحولات السياسية والعسكرية الفلسطينية، بل ارتبطت بصعود حماس إلى الحكم، والحصار الإسرائيلي على غزة، والانقسام الفلسطيني، وتغيّر موازين المواجهة في القطاع.

مشروع فهد»

تبلغ المادة الوثائقية ذروتها عند الكشف عن محاضر اجتماعات سرية سبقت عملية السابع من أكتوبر 2023، وتحديدًا اجتماع 11 فبراير من العام نفسه، الذي شارك فيه محمد الضيف ومروان عيسى ومحمد السنوار ويحيى السنوار.

وفق الوثائق التي عرضها التحقيق، اتخذ المجتمعون قرارًا ببدء التحضير للعملية تحت الاسم الرمزي «مشروع فهد»، مع ربط تنفيذها بتطورات المسجد الأقصى وأوضاع الأسرى، وتدوين احتمال إلغاء المشروع إذا تراجعت إسرائيل عن اعتداءاتها في هذين الملفين.

وتُظهر التسجيلات جولات ميدانية ومراجعات للخرائط والأهداف، في إطار تحضيرات أمنية وعسكرية استمرت أشهرًا. ثم يأتي اجتماع الخامس من أكتوبر 2023، الذي استمر ست ساعات، ليكشف اللحظة التي حُسم فيها توقيت العملية.

في التسجيل، يُسمع صوت الضيف معلنًا أن ساعة الصفر ستكون السادسة والنصف صباح السبت، السابع من أكتوبر. وهنا ينتقل التحقيق من استعادة التاريخ إلى توثيق لحظة اتخاذ قرار ترك تداعياته العميقة على غزة وإسرائيل والمنطقة بأسرها.

غير أن قراءة هذه الوثائق لا تكتمل بمجرد استعراض التخطيط العسكري؛ إذ تفرض العودة إلى السياق السياسي الذي سبق العملية، بما شهده من تصاعد نفوذ اليمين الإسرائيلي، وتوترات القدس، واستمرار الحصار، وتعثر المسار الفلسطيني. وهي عوامل تساعد على فهم البيئة التي تشكّل فيها القرار، من دون أن تعفي أي طرف من مسؤولية تقدير النتائج الإنسانية والسياسية المترتبة عليه.

أسئلة أكبر من السيرة

يختتم التحقيق بلقطات تُظهر الضيف خلال الحرب الأخيرة على غزة، وهو يتابع المواجهات ويوجّه الأوامر، إلى جانب رسالته الصوتية الأخيرة، قبل إعلان كتائب القسام استشهاده بعد سنوات طويلة من الملاحقة.

لكن القيمة الأبعد لهذا التحقيق لا تكمن في كشف وجه رجل ظلّ مجهول الملامح، ولا في استعادة تسجيلات اجتماعات مغلقة فحسب، بل في إعادة فتح ملف مرحلة كاملة من التاريخ الفلسطيني، بكل ما حملته من تحولات وانقسامات وقرارات ومواجهات.

لقد غاب محمد الضيف، لكن الأسئلة التي تتركها تجربته لم تغب: ماذا بقي من البنية التي ساهم في تأسيسها؟ وكيف ستنعكس الحرب المدمّرة على غزة على مستقبل العمل الوطني الفلسطيني؟ وهل تستطيع القيادة الفلسطينية تحويل ما كشفته السنوات الأخيرة من اختلالات إلى مراجعة سياسية شاملة تعيد الاعتبار للوحدة والقرار الوطني والمؤسسات؟

 

فالتاريخ لا يُكتب بالعمليات العسكرية وحدها، ولا تُقاس نتائج الصراعات بما يحدث في ساعات المواجهة، بل بما تتركه من آثار على الشعوب ومستقبلها. وغزة، التي دفعت أثمانًا إنسانية هائلة، تحتاج اليوم إلى أكثر من استعادة حكايات القادة؛ تحتاج إلى مشروع وطني قادر على حماية الإنسان الفلسطيني، وصون قضيته، ومنع تحويل تضحياته إلى حلقات جديدة من المأساة المفتوحة.

article-cover
العلامات

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا