تحميل

إبحث

وجوه وحكايات

«لولا الهجرة لكنت سائق أجرة»

Egyptian Heritage Meets American Dreams

لولا الهجرة لكنت سائق أجرة في مصر»؛ جملة اختصرت مسافة طويلة بين بلدين، وأشعلت نقاشًا واسعًا في مصر، لكنها اكتسبت اليوم معنًى سياسيًا أكبر بعدما نجح عبد الرحمن محمد السيد في الفوز بمقعد في مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ميشيغن، ليصبح أول مسلم يُنتخب عضوًا في هذا المجلس، في إنجاز تاريخي يتجاوز حدود سيرته الشخصية إلى أسئلة الهوية والهجرة والاندماج والمواطنة.

لم يعد عبد الرحمن مجرد ابن مهاجرَين مصريَّين وصل إلى الولايات المتحدة بحثًا عن فرصة، بل أصبح اليوم سيناتورًا منتخبًا في دولة لطالما تحوّلت فيها أصول المهاجرين وأسماؤهم ودياناتهم إلى مادة للتجاذب السياسي. وبين الجملة التي أثارت الجدل في القاهرة واللقب الذي يحمله اليوم في واشنطن، تتجسّد حكاية تستحق أكثر من الاحتفاء بنتيجة انتخابية.

من الإسكندرية إلى ميشيغن

وُلد عبد الرحمن عام 1984 في ولاية ميشيغن لوالدَين مصريَّين. هاجر والده محمد السيد إلى الولايات المتحدة لمتابعة دراسته العليا في الهندسة بجامعة واين ستيت في ديترويت، قبل أن يعمل مهندسًا وأستاذًا جامعيًا، فيما عملت والدته في المجال الصحي. وبعد انفصال والدَيه في طفولته، نشأ في كنف والده وزوجة أبيه الأميركية، وعاش بين ثقافتين، فكان يقضي عطلته الصيفية في الإسكندرية، حيث جذوره العائلية، ويعود إلى ميشيغن حيث تتشكّل تجربته الأميركية.

لم تكن بداياته طريقًا مفروشًا بالامتيازات. عمل في متجر بقالة ومطعم بيتزا خلال مراهقته، قبل أن يتفوّق أكاديميًا، ويحصل على شهادة في الأحياء والعلوم السياسية من جامعة ميشيغن بامتياز رفيع، ثم شهادة الطب من جامعة كولومبيا، ودكتوراه في الصحة العامة من جامعة أكسفورد بصفته حائزًا منحة رودس المرموقة. لاحقًا، تولّى إدارة دائرة الصحة في ديترويت، وانتقل إلى العمل السياسي، وصولًا إلى معركة مجلس الشيوخ التي حسمها لمصلحته.

«إن شاء الله» التي وصلت إلى مجلس الشيوخ

في خطاب الفوز، استعاد السيد العبارة التي لازمته طوال حملته الانتخابية، قائلًا أمام أنصاره:

«ميشيغن، لقد فعلناها! اسمي عبد الرحمن محمد السيد، وأنا فخور ومتشرّف بالوقوف أمامكم اليوم بصفتي السيناتور المنتخب عن ولاية ميشيغن العظيمة».

ثم أضاف: «ربما لاحظتم أنني كنت أقول دائمًا إن شاء الله، أو إذا أراد الله، كلما تحدّثت عن نتيجة هذه الانتخابات. لكن الليلة نستطيع أن نحوّل إن شاء الله إلى الحمد لله».

لم تكن «إن شاء الله» مجرد تعبير ديني في خطاب انتخابي أميركي، بل أصبحت جزءًا من هويته السياسية التي لم يحاول إخفاءها أو تجميلها لإرضاء الناخبين. وحين تحقّقت النتيجة، لم يتخلَّ عن لغته العربية، بل جعل «الحمد لله» خاتمة مرحلة وبداية أخرى.

المأساة ليست أن يصبح ابن المهاجر سيناتورًا... بل أن تعجز أوطانه الأصلية عن منحه فرصة البقاء

من السخرية إلى مقعد السيناتور

أما رسالته إلى الرئيس دونالد ترامب، فجاءت محمّلة بسخرية سياسية مباشرة، بعدما تعرّض مرارًا لهجمات بسبب اسمه وأصوله ودينه. قال مخاطبًا إياه:

«دونالد، أعلم أنك تجد صعوبة في نطق اسمي، لذلك، بعد أن يؤدي جي دي فانس القسم لي في يناير، يمكنك ببساطة أن تناديني: سيناتور».

بهذه العبارة، حوّل محاولات التشكيك في هويته إلى مادة للسخرية، واضعًا ترامب أمام حقيقة أن الرجل الذي استُخدم اسمه ودينه ضدّه بات يحمل لقبًا دستوريًا لا تستطيع الحملات الانتخابية انتزاعه منه.

ولم ينسَ أيضًا خصومه السياسيين والجهات التي أنفقت ملايين الدولارات لإسقاطه، موجّهًا شكرًا ساخرًا إلى لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية «إيباك»، التي أنفقت نحو 42 مليون دولار لمواجهته، قائلًا إن إنفاقها أتاح له فرصة هزيمتها مرتين.

وأضاف أن خصومه، بدلًا من معالجة أزمات أسعار الوقود والغذاء، اختاروا تقسيم المجتمع، وبدأوا باستهداف اسمه وإيمانه، ثم حاولوا التشكيك في علاقاته، قبل أن يشنّوا واحدة من أقذر الحملات الانتخابية التي شهدوها.

فلسطين في خطاب الانتصار

لم يأتِ انتصاره منفصلًا عن مواقفه من فلسطين والحرب الإسرائيلية على غزة. فقد أعلن رفضه استخدام أموال الضرائب الأميركية لتمويل الفصل العنصري أو الإبادة أو الحروب، وقال: «نريد أن تُنفق ضرائبنا هنا، على مدارسنا ورعايتنا الصحية وبنيتنا التحتية. لا نريد أن تُرسل أموالنا لتمويل الفصل العنصري أو الإبادة أو الحرب».

وأضاف أنه لا ينبغي أن يدفع المواطن ضرائبه ليكتشف أن أمواله تُستخدم لإسقاط القنابل على أطفال الآخرين، بدلًا من تحسين حياة أطفاله. وخلال خطابه، تعالت هتافات «فلسطين حرة» بين أنصاره.

abdulrahman_sayed_editorial_cover_v2
حين تضيق الأوطان بأحلام أبنائها، تتّسع لهم بلاد الغربة حتى مقاعد السلطة

الهجرة ليست تهمة

قبل أشهر، أثارت عبارته «لولا هجرة والدي لكنت سائق أجرة في مصر مثل أبناء عمومتي» جدلًا واسعًا، وكأن الاعتراف بتفاوت الفرص بين المجتمعات إساءة إلى وطن المنشأ. لكن القصة أعمق من مهنة سائق أجرة أو لقب سيناتور؛ إنها حكاية إنسان أدرك أن مكان الولادة والفرص المتاحة قد يغيّران مصير الإنسان بالكامل.

اليوم، لا يحتاج عبد الرحمن السيد إلى الاعتذار عن اسمه العربي أو إسلامه أو جذوره المصرية. لقد وصل إلى مجلس الشيوخ الأميركي حاملًا هذه العناصر جميعًا، لا متخلّيًا عنها.

والسؤال الذي تتركه تجربته ليس لماذا استطاع مهاجر مصري أن يصبح سيناتورًا في أميركا، بل لماذا تستطيع بعض البلدان أن تصنع من أبناء المهاجرين قادة سياسيين، فيما تعجز بلدان أخرى عن منح أبنائها الحد الأدنى من الفرص التي تمنعهم من الهجرة أصلًا؟

من «إن شاء الله» إلى «الحمد لله»، تبدّلت العبارة، وتبدّل الموقع، لكن الحكاية بقيت درسًا في قيمة الفرصة والعدالة والمواطنة.
al-Post
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا