الإمبريالية لم تمت… غيّرت أسلحتها فقط
ما جرى في كراكاس صباح اليوم ليس حادثة، بل تذكيرٌ قاسٍ بقانونٍ قديم لم يُلغَ: لا سيادة لمن يخرج عن الطاعة. الإمبريالية لا تعاقب الدول الضعيفة، بل الدول التي تحاول أن تكون مستقلّة. وكلّ من يصدّق أنّ زمن الهيمنة انتهى، عليه أن ينظر جيّدًا إلى الخرائط… وإلى دفاتر الديون.
تُعَدّ الإمبريالية واحدةً من أكثر المفاهيم تأثيرًا وجدلاً في التاريخ الحديث. فهي ليست مجرّد فصلٍ من فصول كتب التاريخ عن إمبراطورياتٍ قديمة، بل قوّةٌ ديناميكيّة غيّرت شكل العالم، ورسمت خرائطه، وما زالت تُلقي بظلالها على العلاقات الدوليّة والسياسة والاقتصاد في عصرنا الحالي، وإن بأشكالٍ وأقنعةٍ جديدة.
لفهم عالم اليوم، لا بدّ من فهم الإمبريالية: ما هي؟ وكيف نشأت؟
في جوهرها، الإمبريالية (Imperialism) هي سياسة أو أيديولوجيا تهدف إلى بسط نفوذ دولةٍ قويّة (تُسمّى المتروبول أو المركز) على أراضٍ أو شعوبٍ أخرى (تُسمّى المستعمرات أو الأطراف).
ولا يقتصر هذا النفوذ على السيطرة العسكريّة والسياسيّة المباشرة، بل يمتدّ ليشمل الهيمنة الاقتصاديّة والثقافيّة، بحيث يكون الهدف النهائي هو استغلال موارد وخيرات الشعوب المُسيطَر عليها لخدمة مصالح الدولة المهيمنة.
وعلى الرغم من أنّ ظاهرة الإمبراطوريات قديمةٌ قِدم الحضارة (مثل الإمبراطوريّة الرومانيّة أو الفارسيّة)، فإنّ الإمبريالية كمفهومٍ حديث ارتبطت بشكلٍ وثيق بالثورة الصناعيّة في أوروبا خلال القرن الـ19. ويمكن تلخيص دوافع نشأتها في المحاور الآتية:
دوافع اقتصاديّة
الحاجة إلى المواد الخام: كانت المصانع الأوروبيّة المتعطّشة بحاجةٍ ماسّة إلى موادّ خامٍ رخيصة مثل القطن، والمطّاط، والنحاس، والنفط، والتي كانت متوافرةً بكثرة في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينيّة.
الحاجة إلى أسواقٍ جديدة: أنتجت الثورة الصناعيّة فائضًا هائلًا في السلع المصنّعة، ما دفع الدول الإمبرياليّة إلى البحث عن أسواقٍ جديدة لتصريف هذا الفائض، وكانت المستعمرات هي السوق المثاليّة التي تُجبَر على شراء منتجات الدولة المستعمِرة.
الحاجة إلى فرصٍ استثماريّة: أدّى تراكم رأس المال لدى الشركات والبنوك الأوروبيّة إلى البحث عن أماكن جديدة لاستثمار الأموال وتحقيق أرباحٍ ضخمة، مثل بناء السكك الحديديّة والمناجم في المستعمرات.
في السياسة والاستراتيجيا
التنافس بين القوى الأوروبيّة: كان امتلاك المستعمرات مقياسًا لقوّة الدولة وعظمتها، فدخلت دولٌ مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا في سباقٍ محموم للسيطرة على أكبر مساحةٍ ممكنة من العالم، فيما عُرِف بـ”التدافع على أفريقيا”.
المواقع الاستراتيجيّة: شكّلت السيطرة على الممرّات المائيّة الحيويّة (مثل قناة السويس)، والجزر، والموانئ، ضرورةً لتأمين طرق التجارة والتحرّكات العسكريّة.
الغطاء الأخلاقي
“عبء الرجل الأبيض”: روّجت القوى الإمبرياليّة لفكرة تفوّقها العرقي والثقافي، وأنّ عليها “مهمّة حضاريّة” لنشر التقدّم والقيم المسيحيّة والتعليم بين الشعوب “البدائيّة” و”المتخلّفة”. وكانت هذه الذريعة غطاءً أخلاقيًّا يُخفي حقيقة الاستغلال الاقتصادي والسياسي.
الداروينيّة الاجتماعيّة: جرى تطبيق نظرية “البقاء للأصلح” لداروين بشكلٍ خاطئ على المجتمعات البشريّة، لتبرير هيمنة العرق الأوروبي باعتباره “الأصلح” للحكم والسيطرة.
الإمبريالية الجديدة (Neo-imperialism)
انتهى عصر الإمبريالية الكلاسيكيّة القائمة على الاحتلال العسكري المباشر بعد الحرب العالميّة الثانية وحركات التحرّر الوطني. غير أنّ الإمبريالية لم تَمُت، بل تطوّرت وتكيّفت مع النظام العالمي الجديد، لتظهر في أشكالٍ أكثر نعومةً وتعقيدًا، تُعرَف بـ”الإمبريالية الجديدة” أو “ما بعد الاستعمار”.
الإمبريالية الاقتصاديّة (الأداة الأقوى)
الشركات متعدّدة الجنسيّات: تمتلك هذه الشركات ميزانيّاتٍ تفوق ميزانيّات العديد من الدول. ومن خلال سيطرتها على الصناعات الحيويّة (مثل التكنولوجيا، والأدوية، والطاقة)، تستطيع التأثير في سياسات الدول، واستغلال العمالة الرخيصة، والتهرّب من الضرائب، ما يجعل الدول النامية تابعةً اقتصاديًّا لها.
المؤسّسات الماليّة الدوليّة: يُنظر إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، في كثيرٍ من الأحيان، كأدواتٍ للإمبريالية الجديدة. فعندما تقع دولةٌ نامية في أزمة ديون، تُفرَض عليها “برامج إصلاح اقتصادي” (كالخصخصة، ورفع الدعم، وتحرير الأسواق) كشرطٍ لتقديم القروض، وهي سياسات غالبًا ما تخدم مصالح رأس المال الأجنبي على حساب التنمية المحليّة والخدمات الاجتماعيّة.
الديون الخارجيّة: تُستخدَم الديون أداةً للسيطرة، إذ تفقد الدول المُثقَلة بالديون استقلاليّة قرارها السياسي والاقتصادي، وتصبح مرتهنةً للدول والمؤسّسات الدائنة.
الإمبريالية الثقافيّة (غزو العقول)
هيمنة الإعلام والترفيه: من خلال هوليوود، والموسيقى، والأزياء، ومنصّات التواصل الاجتماعي، تُنشَر الثقافة الغربيّة، ولا سيّما الأميركيّة، بقيمها وأنماط استهلاكها في مختلف أنحاء العالم، ما يؤدّي إلى تآكل الثقافات المحليّة، وتنميط الأذواق، وخلق رغبةٍ عالميّة في استهلاك المنتجات الغربيّة، بما يخدم الإمبريالية الاقتصاديّة.
اللغة والتعليم: إنّ هيمنة اللغة الإنجليزيّة كلغةٍ عالميّة للعلم والتجارة، واعتماد النُظُم التعليميّة الغربيّة، قد يُنتج نُخبًا في الدول النامية تكون أكثر ارتباطًا بالغرب منها بمجتمعاتها المحليّة.
الإمبريالية السياسيّة والعسكريّة الجديدة
التدخّل العسكري تحت ذرائع إنسانيّة: بدلًا من الاحتلال المباشر، تُبرَّر التدخّلات العسكريّة بذرائع مثل “حماية حقوق الإنسان”، أو “مكافحة الإرهاب”، أو “نشر الديمقراطيّة”. وعلى الرغم من نُبل هذه الأهداف في ظاهرها، فإنّها غالبًا ما تُخفي مصالح استراتيجيّة واقتصاديّة.
الحروب بالوكالة (Proxy Wars): تلجأ القوى الكبرى إلى دعم أطرافٍ متصارعة في دولٍ أخرى لتحقيق أهدافها من دون تكبّد خسائر مباشرة، ما يحوّل تلك الدول إلى ساحاتٍ لتصفية الحسابات الدوليّة.
القواعد العسكريّة: يوفّر انتشار القواعد العسكريّة للدول الكبرى حول العالم قدرةً على التدخّل السريع، ويُعزّز هيمنتها الجيوسياسيّة.



