الحكم… فضيلة الفرد أم صلابة المؤسّسة؟
حين يُطرَح اسمُ رئيسِ دولةٍ في سياقِ الاعتقال أو الملاحقة خارجَ حدودِ بلاده، لا يعودُ السؤالُ محصورًا في مصيرِ شخص، بل يتّسعُ ليطالَ جوهرَ النظامِ برمّتِه: هل يتوقّفُ الحُكم إذا غابَ الحاكم؟ وهل تنهارُ الدولةُ إذا أُزيحَ رأسُها، أم تستمرّ كما لو أنّ شيئًا لم يحدث؟
ما يُثارُ اليوم حولَ فنزويلا ورئيسِها نيكولاس مادورو، بعيدًا عن تفاصيلِه القانونيّة والسياسيّة، يعيدُ إلى الواجهة سؤالًا فلسفيًا قديمًا بقِدمِ السّلطة نفسها: مَن هو المهمُّ حقًّا في الحُكم؟
الشخصُ الذي يتجسّدُ فيه القرارُ والشرعيّةُ والهيبة؟ أم المؤسّسةُ التي يُفترضُ أن تحكمَ باسمِ الشّعب، وتبقى بعدَ ذهابِ الأفراد؟
هذا السؤالُ ليس ترفًا نظريًا، بل امتحانٌ قاسٍ للدّول، يظهرُ بوضوحٍ عند الأزماتِ الكبرى، وعند اهتزازِ القادة أو غيابِهم القسريّ. فالدولةُ التي تُختَزلُ في شخصٍ واحد، تُصابُ بالشّلل حين يُمسّ هذا الشّخص، أمّا الدولةُ التي تحكمُها مؤسّساتٌ راسخة، فتتعاملُ مع الحدثِ كاختبارٍ صعب… لا كنهايةِ الطّريق.
من هنا، لا تبدو قضيّةُ مادورو مسألةً فنزويليّةً خالصة، بل مرآةً تعكسُ إشكاليّةً أعمق في أنظمةِ الحُكم الإنسانيّ.
منذ أن نظّم البشرُ أنفسَهم في مجتمعات، دارَ جدلٌ فلسفيٌّ عميق حول حجرِ الزّاوية الذي يجبُ أن يرتكزَ عليه الحُكمُ الرّشيد: هل هو القائدُ الفذّ، الشّخصيّةُ المُلهِمة ذاتُ الحكمةِ والكاريزما؟ أم هي المؤسّسةُ القويّة، النظامُ المُحكَم الذي يعملُ بقوانينَ وإجراءاتٍ ثابتةٍ لا تتأثّرُ بالأفراد؟
هذا السؤالُ ليس مجرّد ترفٍ فكريّ، بل هو جوهرُ الصّراع بين نماذجِ الحُكم المختلفة عبرَ التّاريخ، وهو الذي يحدّدُ مصيرَ الدّول واستقرارَ حياةِ البشر.
رهانٌ على الاستثناء
يزخرُ التّاريخ بقصصِ القادةِ العظام الذين غيّروا مجرى التّاريخ بفضلِ صفاتِهم الشّخصيّة. من “الملكِ الفيلسوف” في جمهوريّةِ أفلاطون، الذي رأى أنّ الحُكم يجبُ أن يكونَ في يدِ مَن يمتلكُ المعرفةَ والحكمةَ المطلقة، إلى القادةِ المُلهِمين في العصرِ الحديث الذين بنَوا أُممًا أو قادوا ثورات.
تعتمدُ هذه النّظرةُ على فكرةِ أنّ الفردَ الاستثنائيّ، بعبقريّتِه ورؤيتِه الأخلاقيّة، هو القادرُ على تجاوزِ جمودِ القوانين واتّخاذِ القراراتِ الصّائبة التي تعجزُ عنها الأنظمةُ البيروقراطيّة.
هذا النّموذجُ يرى في المؤسّسة مجرّد أداةٍ في يدِ القائد. فالمؤسّسةُ بلا قائدٍ حكيم تصبحُ آلةً صمّاء، وقد تتحوّلُ إلى عقبةٍ أمامَ التّقدّم. ويرى أنصارُ هذا الفكر أنّ الأزماتِ الكبرى واللّحظاتِ التّاريخيّة الحاسمة لا تتطلّبُ تطبيقَ القواعد، بل تتطلّبُ شجاعةَ فردٍ ورؤيةً استثنائيّة.
إلّا أنّ هذا الرّهانَ على الفرد محفوفٌ بالمخاطر. فماذا يحدثُ عند غيابِ هذا القائد أو موتِه؟ وماذا لو تحوّلت عبقريّتُه إلى طغيان، وقوّتُه إلى أداةٍ للقمع؟
التّاريخُ أيضًا مليءٌ بقصصِ القادةِ الذين بدأوا كمُنقذين وانتهوا كطغاة، مستغلّين غيابَ المؤسّساتِ القويّة التي يمكنُ أن تكبحَ جماحَهم.
قوّةُ المؤسّسة
على النّقيضِ من ذلك تمامًا، تقفُ فلسفةُ الحُكم القائمِ على المؤسّسات. يرى هذا التّيّار، الذي تعودُ جذورُه إلى الفيلسوفِ اليونانيّ أرسطو، ومن بعدِه مفكّرو العقدِ الاجتماعيّ مثل جون لوك ومونتسكيو، أنّ الخلاصَ لا يكمنُ في انتظارِ “البطلِ المُنقذ”، بل في بناءِ نظامِ حُكمٍ قويٍّ ومستقرّ.
المؤسّسةُ هنا هي مجموعةُ القوانينِ والدّساتيرِ والإجراءات التي تُنظّمُ السّلطةَ وتُوزّعُها، وتضمنُ عدمَ تمركزِها في يدِ شخصٍ واحد.
المؤسّسةُ لا تشيخُ ولا تموت، ولا تقعُ فريسةً للأهواءِ الشّخصيّة أو النّزوات. إنّها توفّرُ إطارًا ثابتًا يمكنُ للجميع العملُ من خلالِه، وتضمنُ استمراريّةَ الدّولة واستقرارَها بغضّ النّظر عن هويّةِ الحاكم.
في هذا النّموذج، “حُكمُ القانون” هو المبدأُ الأسمى، وليس “حُكمُ الرّجال”. فالقائد، مهما بلغت حكمتُه، هو نفسُه خاضعٌ للمؤسّسة والقانون، وليس فوقَهما.
هذا النّظامُ يهدفُ إلى حمايةِ المجتمع من أسوأِ ما في الطّبيعةِ البشريّة: الميلِ إلى السّلطةِ المطلقة والفساد.
لكنّ الاعتمادَ الكلّيَّ على المؤسّسات له عيوبُه أيضًا. فقد تتحوّلُ المؤسّساتُ إلى بيروقراطيّةٍ مُعقّدةٍ وجامدة، تفقدُ مرونتَها وقدرتَها على الاستجابةِ للتّحدّياتِ الجديدة.
يمكنُ أن تصبحَ القوانينُ غايةً في حدّ ذاتِها، لا وسيلةً لتحقيقِ العدل، ممّا يخلقُ حالةً من الشّلل والعجز عن اتّخاذِ قراراتٍ حاسمةٍ في أوقاتِ الأزمات.
لا فردَ بلا مؤسّسة، ولا مؤسّسةَ بلا روح
إنّ الثّنائيّةَ بين الفردِ والمؤسّسة هي في حقيقتِها ثنائيّةٌ زائفة. فالحُكمُ الرّشيد لا يمكنُ أن يقومَ على أحدِهما دون الآخر. إنّها علاقةٌ تكامليّة تُشبهُ علاقةَ الرّوح بالجسد.
المؤسّسةُ هي الهيكلُ العظميّ للدّولة؛ فهي توفّرُ الإطارَ الصّلب الذي يمنحُ الدّولةَ شكلَها واستقرارَها، ويحميها من الانهيار. وبدونِ مؤسّساتٍ قويّة (قضاءٍ مستقلّ، برلمانٍ فاعل، جيشٍ وطنيّ، إدارةٍ شفّافة)، يصبحُ الحُكمُ مجرّدَ ممارسةٍ عشوائيّة للسّلطة، عُرضةً للانهيار مع أوّلِ أزمة.
أمّا الفردُ، فهو الرّوحُ التي تبثُّ الحياةَ في هذا الهيكل. إنّ القادةَ ذوي الرّؤية والأخلاق هم مَن يمنحون المؤسّسات غايتَها ومعناها. هم الذين يُجدّدونها ويُطوّرونها لتواكبَ العصر، ويستخدمون الإطارَ القانونيّ لتحقيقِ العدالة والازدهار، لا لتقييدِ المجتمع.
القائدُ الحكيم لا يعملُ خارجَ المؤسّسة، بل من خلالها، مستخدمًا صلاحياتِه لتقويتِها وتفعيلِها.



