حين قرّرت واشنطن التوقّف عن قيادة العالم
لا تأتي استراتيجيةُ الأمنِ القوميّ الأميركي، الصادرة في نوفمبر 2025، بوصفها بيانَ قوّة، بل كوثيقةِ إدارةِ انكفاء. هي لا تَعِدُ بقيادة، ولا تطرح رؤيةً للنظام الدولي، ولا تحاول حتى تبرير غيابها الأخلاقي. على العكس، تُقدَّم ببرودةٍ لافتة، كما لو أنّ واشنطن قرّرت أخيرًا التوقّف عن شرح نفسها للعالم
من قيادة العالم إلى إدارة الذات
هذه ليست استراتيجيةَ توسّع، ولا استراتيجيةَ احتواء، بل استراتيجيةُ صمتٍ محسوب.
للمرّة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة، تتحدّث الولايات المتحدة عن أمنها القوميّ بمعزلٍ شبه كامل عن فكرة “النظام الدولي”. لا حديث عن قواعد مشتركة، ولا عن مسؤوليةٍ جماعية، ولا عن شراكةٍ قِيَميّة مع الحلفاء. العالم، في هذا النص، لم يعد مشروعًا سياسيًا، بل مساحةَ مخاطر يجب تقليص أثرها على الداخل الأميركي.
هكذا تتحوّل السياسةُ الخارجية إلى امتدادٍ مباشر للسياسة الداخلية، وتُصبح العلاقاتُ الدولية وظيفةً أمنيّة لا رؤيةً تاريخية.
تُعيد الوثيقة تعريف السيادة، لا كإطارٍ قانوني، بل كخطّ دفاعٍ أيديولوجي. كلّ ما يقيّد حريةَ القرار الأميركي، من المؤسسات الدولية إلى التحالفات التقليدية، يُعاد تصنيفه كتهديدٍ محتمل. حتى الخطابُ العامّ والهجرة يتحوّلان إلى مساحاتِ أمنٍ قومي.
في هذا المنطق، لا تعود العولمةُ فرصة، بل اختراقًا. ولا يعود الانخراطُ الدولي التزامًا، بل مخاطرةً يجب تقنينها.
الشرق الأوسط ولبنان
غيابُ الشرق الأوسط عن متن الوثيقة ليس صدفةً لغوية. إنّه انعكاسٌ لتحوّلٍ عميق في ترتيب الأولويات. المنطقةُ التي استنزفت القرار الأميركي لعقود، تُدار اليوم بعقلية الحدّ الأدنى: منعُ الانفجار الشامل، من دون استثمارٍ سياسيّ طويل الأمد.
القضيةُ الفلسطينية، في هذا السياق، لا تُلغى، لكنها تُفرَّغ من مضمونها السياسي. تتحوّل من صراعٍ على الحقوق والشرعية إلى ملفٍّ أمنيٍّ يُضبط بالتوازن، لا يُحلّ بالسياسة.
يظهر لبنان، إن ظهر، كمسألةٍ هامشية في حساباتٍ أوسع. لم يعد بلدًا يحتاج إلى إعادة بناء، ولا نموذجًا لدولةٍ يجب إنقاذها. هو مساحةٌ تتعايش فيها الأزمات من دون أن تُنتج صدمةً استراتيجية تستدعي التدخّل.
هذا الغياب ليس عقوبة، بل تصنيفًا. لبنان لم يعد يستحقّ لا الإنقاذ ولا الاحتواء، بل مجرّد الإدارة عن بُعد.
عالمٌ بلا مركزٍ أخلاقي
ما تكشفه الاستراتيجية بوضوح هو نهايةُ مرحلة الرعاية الدولية للصراعات المزمنة. لم تعد واشنطن ترى نفسها مسؤولة عن إعادة تعريف الشرعيات أو إصلاح البُنى السياسية المختلّة. الفواعلُ المسلّحة غير الدولتية، طالما لا تُهدّد المصالح الأميركية المباشرة، تخرج من نطاق الأولوية.
هكذا يُترك الفراغ ليمتلئ بالقوّة، لا بالحلول، وبالوقائع لا بالشرعية.
