اختبار البقاء في طهران…النظام في مواجهة السوق
حتى اليوم، تبدو إيران أمام موجة اضطرابات تتجاوز «احتجاجًا اقتصاديًا» تقليديًا إلى لحظة كسرٍ سياسي تتقاطع فيها ثلاث طبقات: انهيارٌ معيشيٌّ حاد، اتّساعُ إضراباتٍ/إغلاقاتٍ في الأسواق، وتصاعدُ العنف المتبادل بين الشارع وأجهزة الدولة.
ما بدأ في أواخر كانون الأوّل غضبًا على انهيار قيمة الريال، اتّسع خلال أسبوعين ليغدو أكبر موجة اضطراب منذ سنوات، مع انتشار تظاهرات في عشرات المدن وفرض قيودٍ واسعة على الإنترنت والاتصالات.
اقتصاد «الترقيع»
المحرّك الأوضح لهذه الجولة هو سقوطُ العملة وما يرافقه من قفزات أسعارٍ يومية، خصوصًا في الغذاء والدواء والسلع الأساسية. تقاريرُ متعدّدة أشارت إلى وصول الدولار في السوق الموازية إلى حدود 1.4–1.5 مليون ريال في الأيام الأولى من 2026، وهو مستوى تاريخي جديد، ما حوّل «سعر الصرف» إلى خبرٍ سياسيٍّ يوميٍّ لا رقمًا ماليًا.
هذه السرعة في التدهور تصنع أثرًا مزدوجًا: تآكلُ القدرة الشرائية بصورةٍ فورية، بما ينسف ما تبقّى من «عقد اجتماعي» قائم على حدٍّ أدنى من المعاش.
انهيار الثقة: حين تصبح العملة غير قابلة للتوقّع، تتحوّل المدّخرات إلى رماد، ويصبح الشارع أكثر استعدادًا للمغامرة لأن «الخسارة واقعة» أصلًا. هنا تبرز نقطة حسّاسة: النظام يستطيع قمع تظاهرة، لكنه لا يستطيع قمع «السعر» إلى ما لا نهاية. لذلك تتحوّل الأزمة النقدية من ملفٍّ اقتصادي إلى وقود تعبئة.
ما الذي يميّز هذه الموجة؟
الكثير من موجات الاحتجاج السابقة في إيران تمركزت في الجامعات أو الأحياء الشعبية. الجديد نسبيًا هنا هو اتّساع الإغلاقات والإضرابات في البازارات والأسواق، وهي بيئات لطالما مثّلت في التاريخ الإيراني صمّام ضغطٍ اقتصاديٍّ واجتماعي، وأحيانًا شريكًا في شرعنة السلطة أو في إضعافها. تقاريرُ عن «إقفال الأسواق» وتوسّع الإضرابات رافقها حضورٌ أمنيٌّ كثيف في المدن الكبرى.
عندما يدخل «سوق المدينة» على خطّ الاحتجاج، يصبح المشهد أقلّ عفوية وأكثر قدرة على الاستمرار، لأن الاقتصاد الحقيقي (الحركة التجارية، التوزيع، النقل) يبدأ بالتباطؤ، فتزداد كلفة الأزمة على الدولة يومًا بعد يوم.
المؤشرات حتى اليوم تقول إنّ الدولة اختارت معادلة ثلاثية: كثافةٌ أمنية عالية في نقاطٍ مركزية، ومنعُ تمدّد التظاهرات إلى «مفاصل» حسّاسة؛ تضييق/قطع الإنترنت والاتصالات لتفكيك التنسيق وإرباك نقل المشاهد إلى الخارج؛ وسرديةٌ خارجية تُحمّل «قوى أجنبية» مسؤولية التحريض، مع رفع سقف التهديدات في مواجهة أيّ تدخّل.
على مستوى الكلفة البشرية، تشير أرقام المنظمات الحقوقية التي نقلتها وكالات كبرى إلى تجاوز عدد القتلى 500 خلال أسبوعين، واعتقال نحو 10,000 شخص، مع ملاحظة أنّ التحقّق المستقل صعب في ظلّ القيود المفروضة. هذه الأرقام، بغضّ النظر عن هامش الدقّة، تكشف شيئًا واحدًا: السلطة تتعامل مع الموجة كتهديدٍ وجودي، لا كاحتجاجٍ قابل للاحتواء السياسي.
«شرعية» تتآكل وطبقاتٌ تتخاصم
كلّ موجة قمعٍ واسعة تُنتج شرخًا إضافيًا بين الدولة وشرائح جديدة كانت تفضّل الصمت. ومع اتّساع الاحتجاج، يصبح التحدّي الأكبر للنظام ليس إسكات الشارع فقط، بل منع تبلور «شعور عام» بأن الدولة لم تعد قادرة على تقديم الحدّ الأدنى من الأمان الاقتصادي. تقارير تحليلية وصفت المشهد بأنّه أزمة شرعية تتعمّق مع توسّع الاضطرابات.
استمرارُ الإضرابات وإقفال الأسواق يعني مزيدًا من اختناقات السلع وارتفاع الأسعار، ما يخلق حلقةً مفرغة: احتجاجٌ يضغط على الاقتصاد، واقتصادٌ متدهور يزيد الاحتجاج.
عادةً ما تتحرّك «التسويات» حين تشعر النخبة بأنّ الكلفة تقترب من بنية النظام نفسه. لكن في هذه المرحلة، تبدو الأولوية أمنية، فيما وعود «إصلاحات» أو «مساعدات» إن طُرحت، فغالبًا ستكون إجراءات إسعافية لا حلولًا بنيوية—لأنّ جوهر الأزمة مرتبط بعوامل أعمق من قدرة الحكومة على إصلاحها سريعًا.
خطر توسّع «اللعبة»
التوتّر الحالي لا يبقى داخل الحدود الإيرانية بسهولة، لسببين:
حساسية الإقليم لأيّ اهتزازٍ إيراني: إيران ليست دولة «عادية» في التوازنات الإقليمية؛ أيّ ارتجاجٍ داخليٍّ كبير ينعكس على شبكات نفوذها وخصوماتها.
ارتفاع خطاب التحذير من التدخّل: تصريحاتٌ رسمية إيرانية (من بينها تهديدات بالردّ إذا وقع تدخّل أميركي أو إسرائيلي) تفتح الباب أمام سيناريو «التصعيد الخارجي» كوسيلة لإعادة ترتيب الداخل تحت عنوان الأمن القومي.
وهنا تكمن المفارقة: كلّما زادت الضغوط الداخلية، يصبح خيار «الهروب إلى الخارج» مغريًا لبعض الأنظمة، لكن كلفته قد تكون كارثية إذا خرج عن السيطرة.
سيناريوهات الأسابيع المقبلة
سيناريو القمع الناجح جزئيًا (الأقرب على المدى القصير): تستطيع الدولة، بفضل القبضة الأمنية والقطع المعلوماتي، خفض وتيرة التظاهر العلني في بعض المدن. لكن «النجاح» هنا تكتيكي: الشارع يهدأ مؤقتًا، فيما الاقتصاد يواصل التدهور، ما يعني أنّ موجة جديدة قد تعود بسرعة مع صدمة سعر صرف/أسعار جديدة.
سيناريو الإضراب الاقتصادي الطويل: إذا استمرّت إغلاقات الأسواق واتّسعت إلى قطاعات نقل/توزيع، قد تنتقل الأزمة من تظاهرات متقطّعة إلى شللٍ اقتصاديٍّ تدريجي يضغط على الدولة من زاوية لا تحلّها الاعتقالات وحدها. هذا السيناريو لا يحتاج ملايين في الشوارع يوميًا؛ يحتاج «عصبًا اقتصاديًا» يمتنع عن الدوران.
سيناريو الانفجار (التدويل): ارتفاع عدد الضحايا وتزايد الحديث عن خيارات خارجية (سيبرانية أو غيرها) قد يدفع نحو تدويل الأزمة أو نحو تصعيدٍ متبادل. هذا السيناريو يرفع احتمال أن تختلط الاضطرابات الداخلية بصراعٍ إقليميٍّ أوسع—وهو ما يجعل كلّ الأطراف أكثر عصبية وأقلّ قابلية للتراجع.



