لم يكن مقتل علي خامنئي حدثًا إيرانيًا صرفًا يمكن احتواؤه ضمن جغرافيا الدولة وحدودها، بل زلزالًا في البنية الرمزية والسياسية لمحورٍ كاملٍ امتدّ من طهران إلى ضفاف المتوسط
في بيروت، حيث يتجسّد هذا المحور بأوضح صوره عبر حزب الله، بدا الغياب أكثر من فراغٍ قيادي؛ بدا كأنه اختبارٌ قاسٍ لفكرة الاستمرارية نفسها: هل يستطيع التنظيم الذي بنى شرعيته على الولاء العقائدي للمرشد أن يتصرّف كفاعلٍ وطنيٍّ باردِ الحسابات، أم أنه محكومٌ بمنطق الثأر الرمزي الذي لا يقبل الصمت؟
معنى القتال
في الأيام التي تلت الصدمة، انشغلت المنطقة بقراءة صمت الضاحية الجنوبية كما تُقرأ خرائط الزلازل: ليس ما يظهر هو الأهم، بل ما يُحتمل أن ينكسر تحت السطح. ذلك أن المساس برأس الهرم في العقيدة السياسية للحزب لا يوازي اغتيال قائدٍ عسكريٍّ أو استهداف بنيةٍ ميدانية؛ إنه مساسٌ بالمرجعية التي تمنح المعنى للقتال نفسه. ومع ذلك، لم يتدفّق الردّ كالسيل. بدا الحزب، على غير ما اعتادت عليه صورته، كمن يقف على حافة قرارٍ تاريخي، يزن فيه بين حدّين قاتلين: تآكل الردع إن سكت، وانفلات الحرب إن تكلّم بالنار.
في زمن ما بعد المرشد، لم يعد الخطر قرارَ الحرب، بل سهولةَ الوصول إليها؛ بين شرارةٍ موضعية وانفجارٍ شامل يقف لبنان معلّقًا على حافة الردع المتكسّر
على الحدود الجنوبية، حيث تُختبر عادةً نيات الأطراف قبل أن تُعلَن، يتكثّف الاحتمال الأكثر واقعية: حادثٌ أمنيٌّ محدود، بجهةٍ معلومة أو مبهمة، يُنتج الشرارة اللازمة لإعادة تثبيت المعادلات من دون إعلان حرب. هذا النمط، الذي يجمع بين الإنكار الممكن والتصعيد القابل للضبط، يمنح الحزب فرصة الردّ على المسّ الرمزي الذي أصابه، ويمنح إسرائيل هامش المبادرة التدريجية التي تتجنّب المجازفة الشاملة. في هذا الفضاء الرمادي، لا أحد يعترف بأنه بدأ، ولا أحد يستطيع التراجع من دون أن يخسر صورة الردع. ومع ذلك، فإن القراءة الأكثر قلقًا لا تكمن في نية أي طرفٍ للحرب، بل في قابلية المسار نفسه للانزلاق. إذ يكفي، في لحظات ما بعد الاغتيال الكبير، أن تُقرأ إشارةٌ استخبارية على أنها تعبئة، أو حركةٌ لوجستية على أنها استعدادٌ للهجوم، حتى تتقدّم الضربة الاستباقية خطوةً إلى الأمام.
نافذة نادرة
إسرائيل، التي ترى في ارتباك المركز الإيراني نافذةً نادرة لتقليص التهديد البنيوي الذي يمثّله الحزب، قد تجد في أي مؤشرٍ غير اعتيادي مبرّرًا لعملٍ أوسع من المعتاد. عندها يصبح الردّ من الطرف المقابل مسألة بقاءٍ لا خيارًا، ويغدو التصعيد التراكمي قدرًا لا قرارًا. ومع أن القدرة الصاروخية للحزب ما زالت كافية لإحداث أثرٍ ميدانيٍّ كبير إن اختار الضربة الواسعة، فإن حسابات الداخل اللبناني تكبح هذا الخيار. بلدٌ على حافة الانهيار الشامل لا يحتمل حربًا كلية، وتنظيمٌ يرى نفسه حاميًا لبيئته لا يستطيع تجاهل كلفة الدمار عليها. لذلك يبدو أن المسار الأرجح هو استمرار «حرب الظل» بوتيرةٍ أعلى: اغتيالاتٌ مركّزة، وردودٌ محسوبة، وحوادثُ حدودية تتدحرج ثم تُضبط عند العتبة. غير أن هذا التوازن، الذي يبدو للوهلة الأولى عقلانيًا، يخفي هشاشته؛ فكل جولةٍ تُبقي الشرعية المعنوية على قيد الحياة، لكنها تستنزف الواقع المادي للدولة اللبنانية التي لا تملك رفاهية هذا الصراع الطويل.
في المعنى الأعمق، يقف لبنان اليوم عند مفترقٍ بين رمزية الثأر وواقعية البقاء. غياب خامنئي لا يفرض على الحزب الردّ فحسب؛ بل يفرض عليه أيضًا إعادة تعريف علاقته بنفسه: أهو ذراعُ محورٍ يُفترض أن يبرهن استمراريته بالنار، أم فاعلٌ لبنانيٌّ مضطرٌّ إلى مراعاة حدود الدولة التي يعيش فيها؟
ما لم يُحسم هذا السؤال، سيبقى الجنوب مسرحًا لاحتمالاتٍ صغيرةٍ قابلةٍ لأن تكبر، وسيبقى لبنان كلّه معلّقًا بين شرارةٍ موضعية وانفجارٍ شامل. في زمن ما بعد المرشد، لم يعد الخطر قرارَ الحرب، بل سهولةَ الوصول إليها.