في الطبيعة، ليست كل لحظة سكون علامة ضعف، وليست كل حركة دليل قوة. فالأسد، قبل أن ينقضّ على فريسته، ينكمش إلى الخلف. ومن يجهل قوانين الصيد قد يظنّ أن هذا الانكماش تراجع، بينما هو، في الحقيقة، تجميع للقوة، وتركيز للطاقة، واستعداد للحظة الحسم. هكذا هي المشاريع الوطنية الكبرى في حياة الأمم. إن التاريخ لا يسير في خط مستقيم، بل في منحنيات؛ يصعد حينًا، ويتراجع حينًا، ثم يعود إلى الصعود بصورة مختلفة. وما يبدو، في لحظة من الزمن، انحسارًا قد يكون، في قراءة أعمق، مرحلة مراجعة وإعادة تشكّل. فالأفكار الكبيرة لا تُقاس بإيقاع الأيام، وإنما بإيقاع العقود. الابتعاد عن الفكرة كم من إمبراطوريات ظنّت أن خصومها انتهوا، فإذا بهم يعودون أكثر نضجًا. وكم من حركات سياسية اختفت عن واجهة الأحداث سنوات، ثم عادت لأنها كانت تحمل فكرة أعمق من أن تموت بانكسار عابر. فالناس قد يبتعدون عن التنظيم، لكنهم لا يبتعدون بسهولة عن الفكرة، إذا بقيت تعبّر عن حاجة وطنية حقيقية. إن الفرق بين الحزب العابر والمشروع الوطني هو أن الأول يعيش على زخم اللحظة، أما الثاني فيعيش على جذوره في المجتمع. الأول يشبه موجة ترتفع سريعًا ثم تتلاشى، أما الثاني فيشبه شجرة قد تتساقط أوراقها في الخريف، لكن جذورها تبقى تضخّ الحياة في أعماق الأرض، انتظارًا لربيع جديد. skip render: ucaddon_material_block_quote من هذا المنظار، يمكن قراءة واقع «تيار المستقبل» بوصفه تجربة تمرّ بمرحلة انكماش سياسي، وهي مرحلة عرفتها مشاريع كثيرة في التاريخ. وليس المقصود الجزم بما سيكون عليه المستقبل، فذلك لا يعلمه إلا الزمن، وإنما الإشارة إلى أن الانكفاء وحده لا يكفي للحكم على نهاية أي مشروع سياسي، خصوصًا إذا كان قد ارتبط، في نظر شريحة واسعة من اللبنانيين، بأفكار مثل الاعتدال، والانفتاح، والدولة، والعلاقات العربية، وإعادة الإعمار. لقد اعتادت السياسة أن تنخدع بالأرقام الآنية، بينما يعلم التاريخ أن الأفكار لا تُقاس بعدد المقاعد فقط، بل بقدرتها على البقاء في الوعي العام. فكم من قوة امتلكت السلطة ثم غابت، وكم من مشروع خسر جولة ثم بقي حاضرًا في ضمير الناس، حتى عاد بصيغة جديدة. وهنا يكمن الدرس الأهم: إن المشروع الذي يقوم على شخص واحد يضعف برحيله، أما المشروع الذي يتحول إلى ثقافة وسلوك ورؤية للدولة، فإنه يظلّ قادرًا على تجديد نفسه مهما اشتدّت العواصف. بدايات ولذلك، فإن لحظات الانقباض ليست دائمًا دعوة إلى اليأس، بل قد تكون فرصة للمراجعة، وتجديد الخطاب، وإعداد جيل جديد، واستخلاص الدروس من التجربة. فالأمم التي تتعلم من تعثّرها أقوى من الأمم التي لا تعرف إلا الانتصارات المؤقتة. إن الزمن لا يختبر قوة المشاريع في لحظة صعودها، بل في قدرتها على الصبر عندما تتراجع. ففي الرخاء يصفّق الجميع، أما في أوقات الانكماش فلا يبقى إلا أصحاب الإيمان بالفكرة، وهؤلاء هم الذين يصنعون بدايات المراحل الجديدة. ولعل أجمل ما في التاريخ أنه لا يكتب فصوله الأولى بالحبر نفسه الذي يكتب به فصوله الأخيرة. فما يبدو اليوم نهاية قد يكون مقدمة، وما يبدو خريفًا قد يكون الأرض التي تتهيأ لربيع جديد. skip render: ucaddon_box_testimonial
حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) skip render: ucaddon_box_testimonial فمنذ سنوات، تتحدث مراكز أبحاث غربية عن تراجع فاعلية الردع الأميركي، نتيجة ارتباك إدارة الأزمات الإقليمية، وتصاعد الشكوك لدى بعض الحلفاء بشأن التزام واشنطن بأمن المنطقة. غير أن إيران ذهبت أبعد من ذلك، ففسّرت هذا النقاش باعتباره دليلًا على انحسار الإرادة الأميركية في استخدام القوة العسكرية، بفعل الضغوط الداخلية والحسابات الانتخابية. وانطلاقًا من هذا التقدير، تعاملت طهران مع مذكرة التفاهم بوصفها تكريسًا لمعادلة جديدة في الخليج تمنحها هامشًا أوسع للحركة، وسوّقت الاتفاق باعتباره إنجازًا سياسيًا يعكس تراجع واشنطن عن سياسة الضغوط القصوى. لكن القراءة الأميركية بدت مختلفة؛ إذ لم يُنظر إلى الاتفاق باعتباره اعترافًا بوقائع استراتيجية جديدة، بل أداة مؤقتة لإدارة التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة. إدارة التصعيد تكشف التجربة أن اهتزاز صورة الردع لا يعني بالضرورة تراجع أدوات القوة. فحين رأت واشنطن أن مصالحها باتت مهددة، انتقلت سريعًا من سياسة احتواء الأزمة إلى فرض كلفة أعلى على خصومها، وهو ما أظهر أن امتلاك القدرة العسكرية يظل مختلفًا عن قرار استخدامها، وأن ضبط النفس لا يعني فقدان أدوات الردع. وتشير أدبيات الردع الحديثة إلى أن نجاح الردع لا يتحدد فقط بميزان القوة، بل أيضًا بالطريقة التي يدرك بها الخصم نيات الطرف المقابل. وفي كثير من الأحيان، يقود سوء تقدير هذه النيات إلى حسابات خاطئة تدفع نحو التصعيد، وهو ما بدا واضحًا في التباين بين التصور الإيراني لمعنى التهدئة الأميركية، وبين الأهداف الحقيقية التي سعت إليها واشنطن من خلال إدارة الأزمة. صحيح أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا في كلفة استهداف المصالح الأميركية أو الخليجية مقارنة بمراحل سابقة، إلا أن ذلك لم يكن مؤشرًا على تآكل القدرة الأميركية على فرض أثمان باهظة عندما ترى أن مصالحها الحيوية أصبحت على المحك. فالتمييز يبقى قائمًا بين تأجيل استخدام القوة والعجز عن استخدامها. أزمة الحلفاء لم يأتِ هذا التحول في السلوك الأميركي من فراغ، بل سبقته سنوات من التوتر مع الحلفاء الأوروبيين داخل حلف شمال الأطلسي، حيث دفعت السياسات الأميركية ذات الطابع الأحادي إلى تصاعد الدعوات الأوروبية لتعزيز الاستقلال الدفاعي وتقليص الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية. وفي خضم الحرب الأخيرة، اصطدمت هذه المقاربة بواقع إقليمي أكثر تعقيدًا. فقد أدى اتساع نطاق العمليات العسكرية، وارتفاع سقف التوقعات الإسرائيلية، إلى وضع الإدارة الأميركية أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على دعم حليفها الرئيسي، مع تجنب الانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة قد تفرض أثمانًا سياسية واقتصادية باهظة. وفي هذا السياق، بدت مذكرة التفاهم مع إيران جزءًا من محاولة لاحتواء التصعيد أكثر منها تعبيرًا عن تغيير في موازين القوى. فالتهدئة جاءت استجابة لحسابات تتعلق بإدارة المخاطر، لا تخليًا عن أدوات الردع أو اعترافًا بنفوذ إيراني متصاعد. اعتبارات داخلية لا يمكن فصل هذا السلوك الأميركي عن تأثير السياسة الداخلية، إذ أصبحت الاعتبارات الانتخابية عاملًا رئيسيًا في رسم حدود الانخراط العسكري الخارجي. فالإدارة الأميركية تدرك أن أي مواجهة واسعة قد تنعكس مباشرة على أسعار الطاقة والتضخم، بما يحمله ذلك من كلفة سياسية داخلية، وهو ما يدفعها إلى الموازنة باستمرار بين متطلبات الردع وحسابات الناخب الأميركي. لكن هذه المقاربة لا تعني انسحابًا من المنطقة بقدر ما تعكس إعادة تعريف لأدوات النفوذ. فبدلًا من الاعتماد المفرط على القوة العسكرية، تتجه واشنطن بصورة متزايدة إلى توظيف العقوبات الاقتصادية، والقيود المالية، وأدوات الضغط المصرفي، باعتبارها وسائل أكثر استدامة وأقل كلفة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية. يفرض هذا التحول على دول الخليج إعادة تقييم مقاربتها للأمن الإقليمي. فمن جهة، يفتح المجال أمام تعزيز الحوار الإقليمي وبناء شراكات اقتصادية قد تسهم في خفض مستويات التوتر مع إيران، لكنه، من جهة أخرى، يثير تساؤلات حول مدى قدرة المصالح الاقتصادية وحدها على ضمان الاستقرار في بيئة لا تزال تعاني هشاشة أمنية وصراعات بالوكالة. وفي ظل هذا الواقع، تبدو المنطقة أمام معادلة جديدة تقوم على الجمع بين الانفتاح الدبلوماسي وتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية. فالاقتصاد قد يخفف دوافع التصعيد، لكنه لا يشكل بديلًا كاملًا عن توازن الردع، ولا يوفر بمفرده الضمانات الكفيلة بمنع اندلاع أزمات جديدة. ومن هنا، يبدو أن مستقبل أمن الخليج سيتحدد بقدرته على بناء منظومة تجمع بين المصالح المشتركة والردع المتوازن، بعيدًا عن الرهان الحصري على القوى الخارجية أو على التفاهمات المؤقتة.
ذكرت مصادر صيداوية متابعة أن موجة الأخبار والشائعات التي طاولت، في الآونة الأخيرة، عددًا من تجار العقارات في المدينة، وما رافقها من حديث عن استجواب أحدهم وإثارة علامات استفهام حول آخرين، قد لا تكون منفصلة عن خلفيات شخصية وانتقامية. وبحسب المصادر، يُشتبه في أن زوجة أحد الوافدين الجدد إلى السوق العقارية تقف خلف تسريب جانب من هذه الروايات وتغذية تداولها، بعدما علمت بنيّة زوجها الإقدام على الزواج من امرأة أخرى.