تحميل

إبحث

وجوه وحكايات

نديم قطيش … والذكاء “المش” طبيعي

Nadim Kotaich

أثار خبر متداول على مواقع التواصل موجة واسعة من السخرية، مفادها أن نديم قطيش نسي حذف توقيع الذكاء الاصطناعي من مادة نشرها باسمه. وسرعان ما تحوّل الأمر إلى مادة للتندر، قبل أن يخرج قطيش بتبرير نشره على صفحته، بدا من لهجته وكأنه يستشيط غضبًا.

استخدم عبارة مستهلكة تتكرر عادة في سياق الرد على العواصف الإعلامية من قبيل “يا غيرة الدين”، بما يوازي في لغة الشارع: “شو كفرنا؟”. وهي لغة ممجوجة لكثرة تكرارها مؤخرًا كلما اضطر أحد إلى مواجهة خطأ ما، وكأن التراجع عن الخطأ لم يعد خيارًا مُتاحًا! ثم مضى في تبرير أراد له أن يكون شجاعًا وصريحًا، ما دام التوقيع ظاهرًا لا يمكن إنكاره.

الغباء الطبيعي

اعترف باستخدامه للذكاء الاصطناعي، شأنه شأن كثيرين، وهو في ذلك محق من حيث المبدأ؛ فالذكاء الاصطناعي أصبح أداة شائعة في مجالات العمل المختلفة. غير أنه انتقل سريعًا من الدفاع إلى الهجوم، معتبرًا أن المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي، بل في “الغباء الطبيعي” لدينا نحن الناس العاديين، بما أننا لا نفهم تطور الحياة المعاصرة، مستشهدًا بفكرة مفادها: إما أن تستخدم الذكاء الاصطناعي أو تموت.

لكن القضية في جوهرها لا تتعلق بمجرد استخدام الذكاء الاصطناعي أو عدمه. فنحن جميعًا نستخدمه بدرجات متفاوتة بالفعل، وبعضنا يبالغ في استشارته في شتى أمور الحياة، وقد تصل الأمور إلى حد الاستشارات في الحب والزواج وغيرهما. والإنسان بطبعه يميل إلى استسهال المعرفة، ويحتاج إلى أدوات تعينه على التفكير والتواصل، لا سيما حين يجد فيها صدى لما يهوى، أو يشعر وكأنها تمتلك حقيقة ما لم يمتلكها، شعورًا غيبيًا بالعظمة والرهبة. وقد ذهب بعض المنصفين إلى اعتبار ما حدث أمرًا طبيعيًا من باب “عموم البلوى” بلغة الاصطلاح الشرعي، أو بلغة السينما “كلنا فاسدون” كما صرخ أحمد زكي في مشهد المحكمة الشهير، حين كان يرافع ضد الحكومة. غير أن استدعاء هذا المنطق لا يحل الإشكال، بل يوسّعه.

لاستخفاف بالناس لا يصنع موقفًا ذكيًا… بل يكشف خللًا أعمق

عندما تصف شخصية إعلامية عامة جمهورها بالغباء، ظنًا منها أن ذلك موقف ذكي ساخر، فإنها لا تمارس “قلشًا” بارعًا على طريقة الإخوة المصريين الظرفاء، بل تُظهر استخفافًا بالناس. وهنا تصبح المشكلة مشكلتين: أولاهما اضطرارنا إلى قراءة نكتة أو “قلشة” غير موفقة، وثانيتهما دلالة هذه النكتة وما تكشفه من نظرة إلى الناس. فالشخصية العامة، بحكم موقعها، مطالبة بقدر أعلى من المسؤولية. والناس، مهما اختلفنا معهم، ليسوا مادة للتقريع حين تضيق بنا الزوايا.

تغير الزمن

في الماضي، كانت مثل هذه الزلات تُقابل بحساسية أكبر. بل إن احترام الجمهور كان مسؤولية كبيرة حتى في غياب الزلات. وأذكر، على سبيل المثال، حادثة مطربنا الجميل عبد الحليم حافظ، وهو يؤدي “قارئة الفنجان” في إحدى الحفلات، وهي أغنية كان يجدها حليم ثقيلة أو “صعبة شوية” كما عبّر عنها بنفسه. وكان هناك بعض الشباب المشاغبين يزعجون حليم كثيرًا أثناء أدائه لهذه الأغنية الصعبة، من خلال التصفير والضجيج. وقد حاول العندليب أن يضبط نفسه طويلًا، إلى أن قال مغاضبًا عبارته الشهيرة: “بس بقى”. ورغم أنه كان المتضرر، وهو من هو في مكانته ومحبة الناس له، فقد قوبلت عبارته بانتقاد واسع، واضطر لاحقًا إلى الاعتذار لجمهوره بكل تواضع وندم. التشبيه مع الفارق بطبيعة الحال، فالحليم والنديم هنا لا يلتقيان، لكن العبرة تبقى في حساسية العلاقة بين الشخصية العامة وجمهورها، وفي إدراك أن المنصة لا تعطي حق التعالي، بل تفرض مسؤولية مضاعفة.

أما النقطة الثانية، وهي الأهم، بل الأولى في سلّم الأولويات، فتتصل مباشرة بحدود الاستخدام وأخلاقياته. لا خلاف على أن الذكاء الاصطناعي أداة نافعة، وقد أصبح جزءًا من بيئة العمل الحديثة. لكن كل أداة، مهما بلغت قدرتها، لا تعفي صاحب المهنة من مسؤوليته، ولا تمنحه حق التنازل عن جوهر عمله ثم تقديم ذلك بوصفه إنجازًا أو “تطورًا” ينبغي للناس أن يصفقوا له.

لكل مهنة حدودها وواجباتها. الباحث يمكنه الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في التدقيق اللغوي أو ترتيب الأفكار أو اقتراح مسارات للعرض، لكن الاعتماد عليه في إنتاج البحث نفسه ينسف معنى البحث. والمهندس قد يستخدمه لمراجعة المقاييس أو التحقق من بدائل وحلول، لكنه لا يسلّمه التصميم ثم يوقّع باسمه، لأن التصميم قرار وخبرة ومخاطر ومسؤولية. وكاتب الرواية قد يستعين به في تصحيح اللغة، لكنه لا يسلّمه صناعة السرد وبناء الشخصيات، لأن الرواية تجربة شخصية وصوت خاص.

فكيف يكون الحال إذا كان الحديث عن رئيس تحرير؟ وظيفة رئيس التحرير، في جوهرها، أن يقرأ ويشك ويصحح، وأن يمسك النص من عنقه حتى يستقيم. هذه هي المهنة، وهذا هو سبب وجود “رئيس تحرير” أصلًا.

فإذا نُسخت مادة كما هي، حرفًا بحرف، دون تحرير أو تدقيق أو حتى نظرة ثانية، فمن الذي قام بالعمل؟ ومن الذي تولّى مسؤولية النص؟ وإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على أن “يرأس التحرير” ويؤدي المهمة كاملة، فما الذي يبقى لرئيس التحرير غير اللقب والكرسي؟

تخيل أن تزور طبيبًا، فتشرح له أعراضك، فيمليها على الذكاء الاصطناعي، ثم ينتظر منه التشخيص، لكن حساب السكرتيرة عند الباب ستدفعه أنت، لا الذكاء الاصطناعي. المسألة هنا تتعلق بالتخلي عن المسؤولية المهنية، بل عن الوظيفة نفسها.

الخلاصة أن الإشكال لا يكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في طريقة استخدامه، وفي الخطاب الذي يرافق هذا الاستخدام. والاستخفاف بالناس واتهامهم بالغباء لا يصنع موقفًا قويًا، بل يكشف خللًا أعمق في فهم العلاقة بين الإعلامي وجمهوره. فالشخصية العامة تستمد مشروعيتها من الناس، لا من فوقهم. ومن لا يحترم جمهوره، لا يستطيع أن يقنعه، مهما امتلك من أدوات حديثة. لكنه قد يُرضي من يملك قرار الرضا، أما الناس فلا يبدو أنهم طرف في المعادلة أساسًا...
al-Post
أستاذ محاضر في جامعة جورج تاون
الدوحة - قطر
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا