زار رئيس الجمهورية جوزف عون، في السابع من الشهر الجاري العاصمة القبرصية نيقوسيا للمشاركة في الاحتفال الرسمي الذي أُقيم لمناسبة تولّي قبرص رئاسة الاتحاد الأوروبي، وذلك تلبية لدعوة رسمية، وبرفقة “السيدة الأولى”. بالتوازي مع الزيارة، ذكرت معلومات أن وسيلة النقل التي استُخدمت في الرحلة، هي الطائرة الخاصة التي تعود لرئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي ذهابًا وإيابًا. وفي حين لم يصدر أي بيان رسمي عن رئاسة الجمهورية أو عن مكتب رئيس الحكومة الأسبق يؤكد أو ينفي هذه المعلومات، يبقى الأمر في إطار التساؤل لا الحسم. لكن غياب التوضيح حوّل تفصيلًا تقنيًا إلى علامة استفهام سياسية إضافية في بلد يفتقد الوضوح أكثر مما يفتقد الطائرات…الخاصة، فهل هي إشارة لعودة ميقاتي إلى المشهد؟
في بلدٍ يُفترض أنّه يعيش على السياسة، لم يعد هناك ما يُدار اسمه دولة. يقف لبنان عاريًا من القرار، معطّل الوظيفة، فيما أبناؤه، القادرون على الحكم والإدارة، يمارسون السلطة في دولٍ أخرى. ليس المشهد تفصيلاً عابرًا، ولا صدفةَ نجاح فردي. ستةُ أمريكيين من أصول لبنانية يتموضعون اليوم في قلب الحكم الأمريكي: في الدبلوماسية، في البلديات، وفي الدائرة الضيقة للرئيس. وفي المقابل، وطنهم الأم بلا حكم، بلا إدارة، وبلا أفق. الدولة تفشل… والأبناء ينجحون توماس براك، السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الأمريكي إلى سوريا (نيسان–أيار 2025)، يقف في قلب واحدٍ من أخطر ملفات الشرق الأوسط. رجلُ نفوذٍ، علاقات، وقرار. لبنانيّ الأصل، نعم. لكن الأهم، أنّه نتاجُ منظومةٍ أمريكية تعرف كيف تستخدم الكفاءة حين تعثر عليها، فيما لفظتها الدولة التي وُلد منها أصلًا. بيل بزي، السفير الأمريكي لدى تونس منذ تشرين الأول 2025، ابن بنت جبيل، يدير التوازنات السياسية والأمنية في بلدٍ عربيٍّ آخر، في وقتٍ لم يعد لبنان قادرًا على إدارة عاصمته بلا انهيار. أمّا ميشال عيسى، السفير الأمريكي لدى لبنان منذ تشرين الثاني 2025، من بلدة بسوس في قضاء عاليه، فهو المفارقة التي تختصر المأساة اللبنانية: دولةٌ أجنبية تُرسل دبلوماسيًا من أصولٍ لبنانية ليفهم لبنان، بينما الدولة اللبنانية نفسها عاجزة عن فهم شعبها. حين تصبح الكفاءة لعنة، والنجاح جريمة، والسلطة حلمًا لا يتحقق إلا في المنفى، لا يعود السؤال: لماذا غادر اللبناني؟ بل: لماذا بقي لبنان من البلديات إلى السلطة في ميشيغان، لا تُرفَع الشعارات، بل تُمارَس السلطة.عبدالله حمّود، رئيس بلدية ديربورن منذ تشرين الثاني 2025، ومو بيضون، رئيس بلدية ديربورن هايتس، يديران مدينتين تُعدّان مركزَ الثقل العربي–اللبناني في الولايات المتحدة. هناك، البلدية سلطةٌ فعلية: ميزانية، مساءلة، وتأثير في السياسة الفيدرالية. أمّا في لبنان، فالبلديات نفسها رهائنُ الإفلاس، والطائفية، والتعطيل. الفرق ليس في الأشخاص.الفرق في الدولة. من بيروت إلى المكتب البيضاوي يبقى مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية منذ نيسان 2025، ابن الكورة، المثالَ الأوضح على انتقال اللبناني من الهامش إلى قلب السلطة الأمريكية. بولس جزءٌ من دائرة الحُكم، لا من هوامشها. يشارك في صياغة سياساتٍ تمسّ الشرق الأوسط وإفريقيا، بينما لبنان — بلدُه الأم — غائبٌ عن طاولة القرار، ومغيَّبٌ عن نفسه. وهنا تتجلّى الحقيقة العارية، اللبناني لا يُقصى بسبب نقص الكفاءة، بل لأن وطنه لا يريد دولة. الهجرة السياسية ما يحدث ليس هجرةَ عقول، بل هجرةَ سلطةٍ وشرعيةٍ وقدرةٍ على الحُكم. لبنان لا يخسر أبناءه لأنهم غادروا، بل لأنه لم يترك لهم خيارًا آخر. نظامه السياسي لا يُنتج قادة، بل يطردهم. لا يكافئ الكفاءة، بل يعاقبها. الدولة التي تفشل في الاحتفاظ بنُخبها السياسية، تتحوّل تلقائيًا إلى ملفٍّ يُدار من الخارج. النجاح جريمة وطنية نجاحُ هؤلاء الستة، «في نظر البعض»، ليس مدعاةَ فخرٍ وطني. إنه لائحةُ اتهامٍ مكتملةُ الأركان ضد نظامٍ لبنانيٍّ طائفيٍّ، معطِّل، وعديم الأهلية. لبنان لم يعد دولةً تصنع رجالها، بل أرضًا تُستخرَج منها الطاقات، ثم تُستعمَل في دولٍ أخرى. وحتى إشعارٍ آخر، سيبقى اللبناني ينجح حيث توجد دولة، ويبقى لبنان يفشل… لأنه اختار ألّا يكون دولة. لبنان اليوم ليس دولةً فاشلة فحسب، بل فكرةٌ مُنهَكة. أرضٌ تقف على حدود الجغرافيا، لكنها غائبة عن التاريخ. في هذا الظلام، لا يُهاجر الناس فقط، تُهاجر الدولة نفسها — قطعةً قطعة — إلى أن لا يبقى هنا سوى الاسم… والفراغ.
لم تكن الاشتباكات التي اندلعت في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب مجرّد حادث أمني عابر، ولا تفلّتًا موضعيًا قابلاً للاحتواء السريع. ما جرى شكّل صدمة سياسية وأمنية أعادت طرح السؤال الأخطر في سوريا اليوم:هل انتهت الحرب فعلًا، أم أنها غيّرت أدواتها فقط؟ في مدينة يفترض أنها خرجت من دائرة الصراع منذ سنوات، عاد الرصاص ليُذكّر بأن التسويات المؤجلة لا تموت، بل تنتظر لحظة الانفجار. لحظة حلب جاءت في توقيت بالغ الحساسية، داخليًا وإقليميًا، لتكشف أن ما بعد الحرب لم يُحسم بعد. اتفاقات هشّة لم تُكتب منذ سيطرة الدولة السورية على حلب، نشأ وضع استثنائي في بعض أحيائها الشمالية، حيث حافظت قوات سوريا الديمقراطية على وجود مسلح وإدارة أمنية شبه مستقلة، بترتيبات غير معلنة، أقرب إلى هدنة طويلة الأمد منها إلى اتفاق سياسي واضح. هذه الترتيبات قامت على مبدأ بسيط، تجنّب الصدام… وتأجيل الحسم. لكن التأجيل، في السياسة، غالبًا ما يكون قنبلة موقوتة. لم تُحسم مسألة، من يدير الأمن؟ من يفرض القانون؟ ومن يملك قرار السلم والحرب داخل مدينة مركزية؟ ومع تراكم الاحتكاكات، وتبدّل موازين القوى، كان التصعيد مسألة وقت لا أكثر. جوهر الصراع لا يكمن في حادث ميداني أو حاجز أمني، بل في تناقض بنيوي بين مشروعين: الدولة السورية التي تسعى إلى استعادة سيادتها الكاملة وتوحيد السلاح تحت مؤسسة واحدة. قسد التي ترى في سلاحها ورقة وجود وضمانة سياسية في أي تسوية مستقبلية. هذا التناقض لم يُعالَج سياسيًا، بل جرى الالتفاف عليه بتفاهمات أمنية مؤقتة. ومع تغيّر السياق الإقليمي والدولي، بدأ هذا الالتفاف يتآكل، لتعود لغة القوة كبديل عن لغة التفاوض. لماذا الآن؟ اندلاع الاشتباكات في هذا التوقيت ليس تفصيلًا عابرًا. هناك ثلاثة عوامل تفسّر لحظة الانفجار: أولًا: مرحلة ما بعد المعارك الكبرى. الدولة السورية تنتقل تدريجيًا من منطق إدارة الحرب إلى منطق تثبيت الدولة، وهذا يفرض إعادة النظر في كل الجيوب الخارجة عن السيطرة المباشرة. ثانيًا: تراجع منسوب الضمانات الدولية. التحولات في أولويات القوى الدولية قلّصت هامش المناورة أمام القوى المحلية، ودفعت باتجاه اختبارات قوة على الأرض بدل الاتكال على الحماية السياسية. ثالثًا: صراع الرسائل. الاشتباك في حلب لم يكن موجّهًا للطرف المقابل فقط، بل حمل رسائل أبعد، رسائل إقليمية، ورسائل تفاوضية، ورسائل داخلية حول من يفرض الإيقاع كالعادة، لم يكن المدنيون طرفًا في القرار، لكنهم كانوا الضحية الأولى. الاشتباكات داخل أحياء مكتظة بالسكان حوّلت البيوت إلى خطوط تماس، وأعادت مشاهد النزوح، الخوف، وتعطّل الحياة اليومية. هل أخطأت قسد الحساب؟ سياسيًا، وجدت «قسد» نفسها أمام معادلة صعبة. التمسك بالوجود المسلح داخل مدينة كبرى، أو القبول بتنازلات تدريجية قد تُفقدها أوراق قوة لاحقًا. لكن الاشتباك في حلب قد يكون مجازفة عالية الكلفة. فالدولة تمتلك عامل النفس الطويل، بينما أي خسارة ميدانية أو سياسية داخل مدينة مركزية قد تُستخدم لتقليص هامش الحركة مستقبلًا. في المقابل، ترى قسد أن التراجع دون ضمانات مكتوبة يعني تفكيك نفوذها خطوة خطوة. من جهتها، تعاملت دمشق مع ما جرى باعتباره اختبارًا لهيبة الدولة. السماح ببقاء سلاح خارج السيطرة في مدينة بحجم حلب يعني ترسيخ نموذج قابل للتكرار، وهو ما تعتبره الدولة خطرًا استراتيجيًا على المدى الطويل. بمعنى آخر، الاشتباكات لم تكن فقط ردًّا أمنيًا، بل إعلان نوايا: مرحلة إدارة الاستثناءات تقترب من نهايتها. هل نحن أمام تسوية أم مواجهة مؤجلة؟ التهدئات التي تلت الاشتباكات قد توحي بعودة الهدوء، لكنها في الواقع هدوء مشروط. فمن دون معالجة جذرية لملف، السلاح، الإدارة، والشرعية الأمنية، سيبقى الصدام احتمالًا قائمًا، سواء في حلب أو غيرها. حلب مرآة سوريا القادمة ما جرى في حلب ليس معركة أحياء، بل بروفة سياسية لما هو آتٍ. إما: تسوية شاملة تعيد تعريف العلاقة بين الدولة وكل القوى المسلحة أو استمرار منطق الاشتثناءات، بما يحمله من انفجارات دورية حلب اليوم ليست فقط مدينة تحت النار، بل سؤال مفتوح عن شكل الدولة السورية في المرحلة المقبلة: دولة واحدة بسلاح واحد؟ أم خرائط نفوذ مؤجلة تنفجر كلما تغيّر الميزان؟