كأنّنا لا نزال في زمن “أبو عبدو” متربعًا على عرشه في عنجر… محاولة جديدة لقمع حرية الصحافة والإعلام، والرأي والفكر ومحاربة الفساد. خلافًا لكل القوانين المرعية الإجراء، جرى أمس التواصل مع رئيس تحرير صحيفة “البوست”، نادر صبّاغ، من قبل شخص لم يُعرّف عن نفسه حتى، لإبلاغه بوجوب الحضور إلى مبنى المباحث الجنائية في قصر العدل في بيروت، ظهر الإثنين، من دون توضيح السبب. القانون واضح ولا لبس فيه: الصحافة لا تخضع إلا لقانون محكمة المطبوعات، وما عدا ذلك ليس سوى ترهيب أجهزة، و”زكزكات” نافذين، ومحاولة إسكات من قبل فاسدين “لم يجنّسوا بعد”. قرارنا واضح، كما أكّدت علينا نقابة المحررين واتحاد الصحافيين/ات في لبنان: نحن لا نمثل أمام محاكم ترهيب كهذا، صار معيبًا في هكذا زمن. محاولات المتضررين في “الدولة العميقة” المتبقية، مما نقوله وننشره، لن تجدي نفعًا. تاريخنا النضالي على مدى أكثر من 30 عاماً شاهد على ذلك.. ستبقى “البوست”، كما شعارها: عربيّة – حرّة – أبيّة صوت المخنوقين…
قُتلت الصحافية اللبنانية آمال خليل، مراسلة صحيفة الأخبار، في غارة إسرائيلية استهدفت بلدة الطيري في جنوب لبنان، أثناء تغطيتها الميدانية للتطورات على الأرض، فيما أُصيبت المصوّرة الصحافية زينب فرج بجروح خلال الهجوم نفسه، وفق ما أوردته تقارير متطابقة. وأفادت المعطيات بأن خليل وفرج كانتا توثّقان آثار غارات سابقة، قبل أن تتعرضا لاستهداف جديد طال سيارة قريبة ثم منزلاً لجأتا إليه طلبًا للنجاة. وأثار مقتل خليل موجة إدانات واسعة في لبنان، وسط اتهامات بأن ما جرى يندرج ضمن نمط متكرر من الاعتداءات على الإعلاميين خلال تغطيتهم للحرب. في المقابل، قال الجيش الإسرائيلي إن الغارة استهدفت مركبات مرتبطة بحزب الله داخل ما وصفه بمنطقة عازلة، ونفى تعمّد استهداف الصحافيين أو عرقلة عمليات الإنقاذ. وتأتي هذه الجريمة في سياق سجلّ متصاعد من الانتهاكات بحق الصحافيين في لبنان منذ بدء المواجهات على الحدود. كما سجّلت منظمات دولية معنية بحرية الصحافة سلسلة قتلى وإصابات في صفوف الإعلاميين العاملين في لبنان، بينهم صحافيون من رويترز والميادين والمنار، وسط تحذيرات من مناخ متزايد من الإفلات من العقاب. وأكدت لجنة حماية الصحافيين أن استهداف الإعلاميين في لبنان وغزة يعكس نمطًا خطيرًا يستوجب تحركًا دوليًا عاجلًا، فيما قالت مراسلون بلا حدود إن عدة تحقيقات مستقلة دعمت فرضية الاستهداف الواضح لصحافيين في جنوب لبنان.
في كلّ مرة يقترب فيها العالم من حافة حرب كبرى، لا تكون المشكلة في نقص المعلومات، بل في فائض الروايات. الشاشات تمتلئ بالتحليلات، ووكالات الأنباء تتسابق على كسر الخبر، والخطابات السياسية تُعاد بصيغ مختلفة… لكن ما يُرسم فعليًّا على الأرض غالبًا ما يبقى خارج الكادر. ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط لا يمكن قراءته كصراع عسكري تقليدي، ولا حتى كتنافس جيوسياسي بحت. نحن أمام مشهد أكثر تعقيدًا، تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع الحسابات الاستراتيجية، وتُستدعى فيه — بشكل مباشر أو غير مباشر — سرديات دينية وتاريخية تُستخدم لتعبئة الجماهير وإضفاء شرعية على قرارات كبرى. لكن تحويل الصراعات السياسية إلى “حتميّات عقائدية” ليس تفسيرًا بقدر ما هو أداة تعبئة. فالتاريخ لا يُكتب بالنبوءات، بل بقرارات بشرية قابلة للخطأ والمراجعة. انتصارات مُعلنة… وتفاوض يُخفي الهزائم المرحلة الحالية من التوتر تكشف مفارقة لافتة: كل الأطراف تعلن النصر، وفي الوقت نفسه تتجه نحو التفاوض. هذا وحده كافٍ لإثارة الشك. فالدول المنتصرة لا تتعجّل التفاوض، والدول المُنهكة لا تملك رفاهية الادّعاء. لغة “الهدنة” و”المفاوضات” في مثل هذه السياقات ليست دائمًا تعبيرًا عن رغبة حقيقية في إنهاء الحرب، بل قد تكون أداة لإعادة التموضع: إعادة ترتيب الجبهات، ترميم الداخل، أو كسب وقت ثمين قبل جولة جديدة. وهنا تظهر مشكلة أعمق: الجمهور الذي يتابع هذه التطورات لحظة بلحظة، يجد نفسه أمام تدفّق معلوماتي يشبه ماء البحر — كلما شرب منه أكثر، ازداد عطشًا للفهم. اقتصاد الحرب اقتصاديًّا، لا يمكن فصل أي تصعيد في المنطقة عن سوق الطاقة العالمي. المضائق البحرية ليست مجرد ممرات جغرافية، بل مفاتيح ضغط استراتيجية. أي تهديد لها يعيد تشكيل موازين القوى، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل في أوروبا وآسيا أيضًا. في الأزمات الكبرى، تتحرك الأسواق بسرعة تفوق السياسة أحيانًا. الخوف يدفع المستثمرين للبيع، واللايقين يخلق فرصًا لآخرين للشراء. هذه الدورة — الخوف ثم التهدئة — ليست جديدة، لكنها تصبح أكثر حدّة عندما ترتبط بحرب محتملة. الحروب الحديثة لا تُخاض فقط بالسلاح، بل أيضًا بالأرقام، بالعقود، وبحركة رؤوس الأموال التي قد تُعيد توزيع الثروة العالمية في صمت. صراعات بلا حدود عسكريًّا، لم تعد “الحرب بالوكالة” توصيفًا نظريًّا، بل واقعًا متكررًا. قوى كبرى تتجنب المواجهة المباشرة، لكنها تدير صراعات عبر أطراف إقليمية. في هذا السياق، يصبح أي نزاع محلي جزءًا من لوحة أوسع، تتجاوز حدوده الجغرافية. وهذا ما يجعل فهم الصراع أكثر تعقيدًا: ما يبدو مواجهة بين طرفين قد يكون في الحقيقة تقاطع مصالح وصراعات متعددة في آن واحد. الدين كأداة سياسية: من الإيمان إلى التعبئة البعد الأكثر إشكالية هو استخدام الخطاب الديني كغطاء للصراع. حين تُستدعى نصوص أو نبوءات لتفسير ما يجري، يتحول النقاش من تحليل قابل للنقد إلى يقين مُغلق. التاريخ يُظهر أن القوى السياسية كثيرًا ما استعارت اللغة الدينية لتبرير الحروب أو تعبئة المجتمعات. لكن النتائج على الأرض كانت دائمًا مرتبطة بميزان القوة، لا بمدى “قدسية” الرواية. الخطر هنا ليس في الدين ذاته، بل في توظيفه كأداة سياسية تُغلق باب الأسئلة وتفتح باب الاصطفاف. حتميّة أم احتمال؟ الحديث عن “مرحلة ثالثة” قد يكون واقعيًّا من زاوية تصاعد التوتر، لكنه ليس قدرًا محتومًا. الحروب لا تندلع لأنها مكتوبة سلفًا، بل لأنها تُصبح — في لحظة معينة — الخيار الذي تراه الأطراف أقل كلفة من البدائل الأخرى. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: هل المنطقة تتجه فعلًا نحو تصعيد أكبر، أم أننا أمام لعبة طويلة تُدار عبر الإعلام بقدر ما تُدار على الأرض؟ سيكولوجيا الجماهير في قلب هذا المشهد، تقف الجماهير أمام اختبار صعب. بين الخوف، الدعاية، والرغبة في التصديق، تصبح القدرة على التمييز أكثر هشاشة. حين تُختزل الروايات إلى شعارات، تُعطّل القدرة على الفهم. وحين يُستبدل التحليل بالعاطفة، يصبح الجمهور جزءًا من الصراع بدلًا من أن يكون مراقبًا له. الشرق الأوسط لا يُعاد تشكيله فقط بالصواريخ أو الاتفاقيات، بل أيضًا بالكلمات التي تصف ما يحدث. فالرواية ليست مجرد وصف، بل أداة قوة بحد ذاتها. السؤال الحقيقي لم يعد: من سينتصر؟ بل: من يملك القدرة على رؤية ما وراء الضجيج… قبل فوات الأوان؟