لا يكفّ بهاء الحريري عن مفاجأة اللبنانيين بهفوات وزلّات لا تُنسى. فمن «يا قوم»، إلى غداء السمك والطاووق، و«التقدّم إلى الوراء»، لا يكتفي الحريري الابن، رغم ضآلة إطلالاته، بإتحاف اللبنانيين التوّاقين بالثانية لعودته وإعلان برنامجه السياسي على الساحة المحلية إنقاذًا للبنان العظيم. آخر إبداعات عبقرية بهاء، تأجيره الفناء الخارجي لفيلا مجدليون، معقل العائلة الحريرية التاريخي، لأحد الأشخاص من صيدا من آل الزعتري، لتحويله إلى بستان لإنتاج وبيع الأفوكادو. هل يُعقل أن يُقدم شخص في نيّته العمل السياسي، ولو بنسبة صفر في المئة، على خطوة من هذا النوع؟ أن تحوّل صرحًا شهد حقبات من تاريخ العائلة ولبنان المعاصر إلى بستان لإنتاج الأفوكادو؟ ما هي الرسالة التي تقولها هذه الخطوة؟ وما الذي سيُقال عنك ليُضاف إلى سجلّك المثخن بالغباء السياسي المفرط؟ أو لعلّ الأمر في الجينات حين يتصل الموضوع بـ«ضمان البساتين»؟ ويبقى الخوف أن يقرّر غدًا تحويل الفيلا نفسها إلى منتجع سياحي…
بورقة واحدة مكتوبة بخط اليد كخلاصة، لا تتعدّى الـ10 أسطر، أسقط النائب العام المالي في الجمهورية اللبنانية سردية «الشيطنة» والسجال والاتهامات والإخبارات التي لاحقت معمل النفايات في صيدا وشركة IBC المشغّلة له. بعد سنوات من الكلام والكلام المضاد، والعناوين الكبيرة، والاتهامات المتراكمة، والعلك السياسي الممجوج، قال القاضي ماهر شعيتو كلمته الحاسمة:«تقرّر حفظ الأوراق لعدم ثبوت أيّ من الجرائم المدّعى بها و…»بهذه العبارة، انتقل الملف من بازار السياسة إلى ميزان القضاء.فقد علمت صحيفة «البوست» من مصادر قضائية مطّلعة أن النيابة العامة المالية أصدرت أمس قرارها النهائي والحاسم بعدم ثبوت وجود تجاوزات أو مخالفات في عمل المعمل، بعدما نظرت في مجمل المواضيع الواردة في الإخبارات التي كان النائب أسامة سعد قد تقدّم بها، والتي تحوّلت لاحقًا إلى عناوين سياسية وإعلامية، وتبنّاها أيضًا الفريق الذي دعمه في الانتخابات البلدية الأخيرة، في سياق التصويب على رئيس البلدية الحالي وأسلافه، تحت عنوان «الخمسة عشر سنة العجاف». أشهر من التدقيق لم يأتِ القرار من فراغ، فالملف الذي انتظرته صيدا وجوارها باهتمام بالغ، نظرًا إلى انعكاساته السياسية والمالية والخدماتية، خضع لتحقيقات استمرت أشهرًا، بعدما كلّف القضاء لجنة خبراء بإجراء معاينات ميدانية وتدقيق شامل في مختلف مسارات العمل داخل معمل معالجة النفايات المنزلية الصلبة في صيدا (IBC).شمل التدقيق القيود المالية والمحاسبية، والمستندات الداعمة، والفواتير، وآليات التشغيل والمعالجة، قبل أن ترفع اللجنة تقريرًا نهائيًا من 44 صفحة مرفقًا بكمية كبيرة من المستندات والإثباتات. skip render: ucaddon_material_block_quote ماذا سقط؟ بقرار الحفظ، سقطت قضائيًا مجموعة واسعة من العناوين التي جرى تداولها خلال السنوات الماضية، من بينها اتهامات بالفساد، وهدر المال العام، واستيفاء أموال بغير وجه حق، والرشوة، وغياب المعالجة، وعدم استيفاء شروط التشغيل بيئيًا وصناعيًا. كما تناولت الإخبارات الربط بين تراجع قدرات المعمل على المعالجة خلال سنوات الأزمة وبين استمرار فوترة الكميات المورّدة، بما أوحى بأن مسؤولية التراجع تقع حصرًا على شركة IBC. ولم تتوقف الادعاءات عند هذا الحد، بل شملت أيضًا التشكيك في دقة أوزان الأطنان المورّدة، والادعاء باقتطاع 20% من قيمة الفاتورة الأخيرة لعام 2023 كرشوة لمصلحة مراجع محددة، وملف Zero Waste، ومعالجة 200 طن يوميًا مجانًا، والتكديس داخل المعمل وخارجه، والقدرة الاستيعابية، وأسباب تراجع المعالجة، والقول إن المعمل توقف عن العمل لنحو سنة ونصف. كذلك، طُرحت عناوين عن تحويل نفايات من دون معالجة فعلية إلى مواقع التكديس، وتضخّم التراكمات، ووجود عمليات طمر، ومعدات متوقفة عن العمل، وبيع معدات، والتشكيك في أعمال الصيانة والتصليح، واستيفاء أموال بغير وجه حق، وشبهات اختلاس ونصب وإثراء غير مشروع، إضافة إلى مسائل مرتبطة بقرارات مجلس الوزراء والعقد وملكية أرض المعمل وموجوداته. ماذا قال الخبراء؟ في مقابل كل ذلك، خلص تقرير الخبراء المكلّفين من القضاء والوزارات المعنية إلى أن المعمل قائم وفعّال ويعتمد مسار معالجة متكاملة للنفايات. كما أشار إلى أن النفايات الواردة هي نفايات منزلية صلبة مختلطة، وقد تتضمن أحيانًا نفايات خاصة خارجة عن النطاق المتفق عليه في العقد. وأكد التقرير أن تقنيات الفرز والمعالجة المستخدمة مطابقة للتقنيات المعتمدة عالميًا في المنشآت المماثلة، وأن تقنية الهضم البيولوجي اللاهوائي تُعدّ تقنية متقدمة بيئيًا واقتصاديًا. خلاصة الحكم بخط اليد الكلفة والمال العام وفيما يتعلق ببدل المعالجة، لم يثبت التقرير وجود مبالغة في الكلفة، بل أظهر أن الكلفة الفعلية للطن تقارب، أو قد تتجاوز، البدل المتعاقد عليه، وأن كلفة الشركة تقع ضمن النطاق الطبيعي لكلفة المعالجة المتقدمة للنفايات المختلطة. كما لم يثبت وجود فرز صوري أو فواتير وهمية أو فساد أو هدر للمال العام. وبيّن التقرير أن المفرزات يجري التعامل معها ضمن مسارات إعادة التدوير، وإنتاج الطاقة، وإنتاج السماد، وإنتاج الوقود الصلب البديل. لا تلاعب مثبت أما في ما يتعلق بالقيود والسجلات، فلم يثبت حصول أي تلاعب أو حذف أو تعديل. واقتصر التقرير على الإشارة إلى عدم إمكان الجزم في بعض المسائل بسبب عدم وجود Log File، لكنه أثبت أن الجداول الشهرية والفواتير تخضع للتدقيق والتوقيع والمراجعة من الجهات المعنية. كما أثبت أن المبالغ المقبوضة من وزارة المالية بقيت ضمن الحسابات المصرفية للشركة، واستُعملت ضمن إطارها المالي والتشغيلي. تطوير لا إدانة أما التوصيات الختامية، فلم تكن في معظمها إدانة أو إثباتًا لارتكابات، بل توصيات تطويرية وتنظيمية وزّعت المسؤوليات بين الشركة والبلديات والجهات الرسمية. وبمعنى أوضح: لم ينسب التقرير إلى الشركة وحدها أي خلل يمكن أن يشكّل أساسًا لمسؤولية جزائية أو مالية من النوع الذي طُرح على مدى سنوات. حين يتكلم القضاء هنا تصبح القضية أكبر من معمل نفايات. فإذا كان القضاء هو المرجع الذي يُفترض أن يفصل بين الادعاء والحقيقة، وبين الاتهام والإدانة، فإن ما جرى في هذا الملف يفتح بابًا واسعًا أمام سؤال سياسي وأخلاقي: هل يجوز أن تتحول الإخبارات إلى أحكام قبل أن يقول القضاء كلمته؟ هل يكفي رفع عنوان «الفساد» حتى يصبح كل من عمل أو وقّع أو أدار متهمًا سلفًا؟ سنوات من الحملات والتصويب والاتهامات طالت المعمل، وطالت بلدية صيدا، وطالت رؤساءها السابقين والحاليين، قبل أن تأتي الخلاصة القضائية لتقول إن الجرائم المدّعى بها لم تثبت. هنا يصبح السؤال مشروعًا، ألا تستحق حملات شيطنة المعمل واستهداف الآخرين، كل الآخرين، باتهامات الفساد وهدر المال العام، مراجعة علمية ومسؤولة؟ وألا تستحق الحقبات التي أُدينت سياسيًا وإعلاميًا قبل صدور أي حكم قضائي كلمة إنصاف؟ من محمد السعودي، إلى حازم بديع، وصولًا إلى مصطفى حجازي. skip render: ucaddon_box_testimonial
skip render: ucaddon_box_testimonial أما الآن، فثمة عالم تقني جديد يريد أن يفعل العكس تمامًا: أن يجعل الكلام قابلًا للحفظ، والتحليل، والاستدعاء، والتنفيذ. هنا تظهر مشاريع مثل Call.md، وهي أداة مفتوحة المصدر تنتمي إلى جيل جديد من أدوات الذكاء الاصطناعي التي لا تكتفي بتسجيل الاجتماعات، بل تحاول تحويلها إلى بيانات قابلة للفهم والعمل. الاجتماع ذاكرة رقمية الفكرة تبدو بسيطة للوهلة الأولى: تسجل الأداة الاجتماع محليًّا، وتحوّل الكلام إلى نص في الوقت الحقيقي، مع القدرة على التمييز بين أصوات المشاركين. لكن القيمة الحقيقية تبدأ عندما تتوقف الآلة عن التعامل مع الكلام بوصفه مجرد صوت. فالأداة تستطيع تحليل نسبة الكلام بين المشاركين، وسرعة الحديث، وعدد الأسئلة، ورصد المقاطع التي يتحول فيها أحد المشاركين إلى حديث طويل متواصل. أي إنها لا تسأل فقط: «ماذا قيل؟»، بل تبدأ في الاقتراب من سؤال أكثر تعقيدًا: كيف جرى الحوار؟ وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي إلى منطقة كانت حتى الأمس ملكًا للإنسان: قراءة ديناميكية التواصل نفسه. الذكاء الاصطناعي على الطاولة الأكثر إثارة أن الآلة لا تنتظر نهاية الاجتماع كي تبدأ عملها. يمكنها تقديم اقتراحات أثناء الحوار، والمساعدة في الوصول إلى المعلومات، ومع تكاملها مع بروتوكول MCP، يمكن ربطها بأدوات خارجية لتنفيذ مهام أو استدعاء معلومات عند الحاجة. وهذا يغيّر وظيفة المساعد الرقمي جذريًّا. لم يعد مجرد برنامج يكتب محضر الاجتماع بعد انتهائه، بل يمكن أن يصبح طبقة ذكاء تجلس إلى جانب المشاركين، تستمع، وتحلل السياق، وتقترح، وتستدعي الأدوات. إنها خطوة من تسجيل الكلام إلى تشغيل الكلام. عندما تتحول الجملة إلى مهمة بعد انتهاء الاجتماع، يستطيع النظام إنتاج ملخص، واستخراج النقاط الرئيسية، وتحديد المهام المطلوبة، وإتاحة النص الكامل للمحادثة. ويمكن بعد ذلك نقل هذه البيانات إلى أدوات الأتمتة مثل n8n وZapier، أو إلى أنظمة إدارة علاقات العملاء. هكذا لا تعود جملة مثل «سأتولى هذا الأمر» مجرد وعد شفهي يمكن أن يضيع بين عشرات التفاصيل. يمكن أن تتحول إلى مهمة رقمية، مرتبطة باسم، وموعد، ونظام متابعة. الكلام نفسه يصبح مادة تشغيلية. هنا تكمن الثورة الحقيقية: الذكاء الاصطناعي لا يحفظ ما قلناه فقط، بل يحاول تحويل ما قلناه إلى أفعال. لكن من يراقب من؟ كل هذا يبدو مريحًا حتى نصل إلى السؤال الذي لا تستطيع التقنية الإجابة عنه وحدها: ماذا يحدث عندما يصبح كل كلام قابلًا للتسجيل والتحليل؟ وصف الأداة بأنها تعتمد على المعالجة المحلية لا يعني بالضرورة أن كل العمليات تتم داخل جهاز المستخدم؛ فبعض وظائف النسخ ومعالجة الذكاء الاصطناعي تعتمد على خدمات خارجية. وهذا يجعل الخصوصية، والموافقة، وحوكمة البيانات جزءًا أساسيًّا من النقاش، خصوصًا عندما يتعلق الأمر باجتماعات العمل والمعلومات الحساسة. فالتقنية التي تمنحنا ذاكرة كاملة يمكن أن تمنح المؤسسات أيضًا قدرة غير مسبوقة على تحليل سلوك موظفيها: من يتحدث أكثر؟ من يقاطع؟ من يسأل؟ من يصمت؟ ومن يسيطر على مسار الحوار؟ وهنا يصبح السؤال أخطر من مجرد حماية تسجيل صوتي. نهاية النسيان؟ ربما لا تكمن أهمية Call.md في البرنامج نفسه، بل في الاتجاه الذي يمثله. الاجتماعات كانت، طوال تاريخ المؤسسات، واحدة من أكبر مستودعات المعرفة غير المكتوبة. قرارات تختفي، وأفكار تضيع، وتجارب تموت بخروج أصحابها. الذكاء الاصطناعي يريد الآن بناء ذاكرة مؤسسية لا تنسى. لكن الإنسان لم يخترع النسيان عبثًا. النسيان جزء من آلية حماية العقل، ومنح الحياة فرصة للبدء من جديد. وعندما تصبح الآلة قادرة على تذكّر كل كلمة، وتحليل كل نبرة، وربط كل وعد بمهمة، فإن السؤال لن يكون فقط: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يتذكر؟ بل: هل سيبقى للإنسان حق أن يُنسى؟