يستيقظ رئيس بلدية الهلالية (شرق صيدا) ميشال أبو زيد صبيحة كل يوم “سعيدا” وهو يرتدي ثيابه ويتفحص كاميرات المراقبة على هاتفه متوجها من منزله في الأشرفية إلى صيدا. فالمنصب الذي يشغله منذ أكثر من عام كان “استثمارا ناجحا” بكل المقاييس، وجاءت “السيبة ثلاثية الأضلاع” بين بعض أصحاب المولدات وتجار البناء في البلدة والبلدية لتكرس ممارسات باتت رائحها القذرة تنتشر لتضر بأصحابها. تأكيدا لما كانت “البوست” قد نشرته منذ أيام عن تجاوزات ومخالفات جمة بدأت تتنامى من ممارسات البلدية الحالية كما من ملفات قديمة، علمت الصحيفة من مصادر مطلعة أن وزارة الداخلية والبلديات وجّهت أمس تنبيهاً إلى رئيس البلدية على خلفية ملاحظات تتصل بأدائه وطريقة تعاطيه مع عدد من الملفات الحيوية، كما تم تبليغ عدد من موظفي البلدية للمثول أمام القضاء المختص على خلفية قضايا سابقة. وبحسب المعلومات المتوافرة، فإن التنبيه جاء بعد تسجيل ملاحظات على تصرفات رئيس البلدية وآلية إدارته لبعض الشؤون المحلية، حيث طُلب منه تحسين أدائه وحسن ممارسة صلاحياته، والابتعاد عن أي ممارسات من شأنها إثارة الاعتراضات أو الإضرار بحسن سير العمل البلدي. وهكذا تتجه الأنظار إلى كيفية تعاطي رئيس البلدية مع هذه الخطوة، وما إذا كانت ستترجم عملياً إلى تغيير في أسلوب الإدارة والتعامل مع الملفات والمواطنين.
في لبنان، كما في غيره من أغلب دول العالم اليوم، لا دخل لله في السياسية.هكذا تبنى المفاهيم في عقول العوام وترسخ وتنمط. فالساسة والحكام هم “الآلهة” الذين يحكمون تفاصيل حياة الناس ويعلمون كيف يدبرون أمورهم، أما الله فمكانه في الكنائس والمساجد والمعابد… في ختام كلمته المسجلة تعقيبا على قرار إبقائه “أسيرا” من قبل “النظام اللبناني” على الرغم من قانون العفو العام الذي أقره مجلس النواب، أنهى الشيخ أحمد الأسير الحسيني كلامه بعبارة “حسبي الله ونعم الوكيل”.عبارة لا يصادفها الجمهور في الحياة السياسية كثيرا على هذا الكوكب، بل قد يجهل أغلبنا معناها الحقيقي، وقد يتعامل معها باعتبارها عبارة تتردد في الأفلام والمسلسلات العربية وأحاديث الناس اليومية كمحطة كلام، وأنها صارت خارج سياق الحداثة والزمن. حتى قد تكون للبعض ملاذ العاجز عن إحداث تغيير.أما في حسابات الأسير وأمثاله ممن لا نعرف عنهم إلا القليل فالأمور تختلف. كم هو غريب هذا الرجل حتى في عزلته، ومنفاه. تخيل أن يكون فرد وحيداً قادراً على تعرية نظام بأكمله. احتشدت الجمهورية ضد رجل أعزل. عرّاهم جميعا، فحين تصبح القاعدة “إلا الأسير” يصبح اليقين حينها أن إجماع الفاسدين لا يكون إلا بوجه مُصلح. لم يعد الخبر اليوم بقاء هذا الشخص في السجن أم خروجه، بل إن القادم من الأيام سيكشف أمورا جمة يجهلها معظم السياسيون في لبنان.ماذا يعنى أن يوكل الأسير أمره إلى الله؟ مشهدية مشابهة لما حصل في غابر الزمن حين مزّق كِسرى الكتاب الذي حمله له عبد الله بن حذافة السهمي، حينها قال النبي “مزق كِسرى مُلكه”.لنعد بالتاريخ إلى 15 آب/أغسطس 2015. اليوم الذي أوقف فيه الأسير، ولنستعرض أحوال البلد منذ ذلك التاريخ، بدءا بكورونا وليس انتهاء بتلة علي الطاهر، وأنفاق الضاحية، وانهيار الاقتصاد والعملة…إنها لسنتين عجاف مقبلة علينا… حين تكون المعركة مع الله.
أثارت زيارة المغني اللبناني راغب علامة الأخيرة إلى دمشق، قبل أيام، واستقباله الرسمي من قِبل وزير السياحة في الحكومة السورية بهدف “الترويج السياحي وإحياء الحفل الجماهيري المرتقب”، سخطًا واسعًا وعارمًا بين السوريين. هذا السخط لم يكن مجرد عتب عابر، بل صدمة حقيقية مشوبة بالمرارة تجاه فنان ارتضى، لسنوات طويلة، أن يدعم بفنه نظامًا ديكتاتوريًا قورنت فظائعه وجرائمه ضد شعبه بأبشع الأنظمة الشمولية، كالنازية والفاشية. هي قصة فنان يريد أن يغني مجددًا فوق الرماد، متناسيًا أن ذاكرة الشعوب الحية لا تموت برشة عطر أو نغمة “سوبر ستار”. الفن في محكمة الأخلاق التاريخ لا يرحم المتلونين، والتجارب الإنسانية تعيد إنتاج نفسها بوجوه مختلفة. وإذا تطلعنا إلى التاريخ الأوروبي عقب الحرب العالمية الثانية، نجد كيف تعاملت المجتمعات الديمقراطية الحرة مع الفنانين الذين اصطفوا في خندق الديكتاتور هتلر أو برروا فظائعه. أسماء أسطورية في عالم الغناء الأوبرالي والموسيقى، مثل السوبرانو “إليزابيث شوارزكوف” وقائد الأوركسترا “هيربرت فون كارايان”، واجهوا محاكمات قاسية وعزلًا ثقافيًا واجتماعيًا صارمًا ضمن ما عُرف بـ”إجراءات اجتثاث النازية”. في تلك المرحلة، لم تشفع لهؤلاء الفنانين عبقريتهم الموسيقية ولا جمال أصواتهم. لقد رأت الشعوب الأوروبية، وخاصة ضحايا النازية، أن اعتلاء هؤلاء المسارح مباشرة بعد الحرب يُعد إهانة صريحة ووقحة لمشاعر الثكالى والناجين من معسكرات الموت. كانت الرسالة الأخلاقية حينها واضحة وجلية: الفن لا ينفصل عن الإنسانية، ومن يمنح صوته لتمجيد القاتل، يفقد الحق في أن يستمع إليه الضحايا. بالمقارنة، نجد أن راغب علامة، الذي طالما هنأ بشار الأسد بـ”انتخاباته الصورية” ووصف البلاد بـ”سوريا الأسد”، بل وخرج في لقاءات تلفزيونية ليشيطن تطلعات الشعب السوري نحو الحرية، زاعمًا أنها لم تكن ثورة بل “مشروعًا”؛ يعود اليوم وكأن شيئًا لم يكن. يعود حاملًا شعار “سوريا تستحق الفرح”، متناسيًا أنه أسهم بصوته ومواقفه في تغييب الفرح عن ملايين السوريين الذين هُجّروا واعتُقلوا وقُتلوا. إن قفزة راغب الاستعراضية إلى دمشق، متسلحًا بدعوة رسمية، هي إعادة إنتاج فجّة لمحاولات تطبيع الدفاع عن الجلاد عبر الفن، وهو أسلوب طالما سقط في اختبارات التاريخ الأخلاقية. skip render: ucaddon_material_block_quote تلوّن “السوبر ستار” يُجسّد راغب علامة نموذج “الفنان البراغماتي” الذي يحب اللعب على الحبال السياسية المتقاطعة لضمان مصالحه الفنية والشخصية. لم تقتصر مواقفه على دعم النظام السوري فحسب، بل امتدت لتشمل مغازلة دوائر القوة والنفوذ في لبنان؛ إذ حرص لسنوات على إظهار قربه الشديد وتقديره للأمين العام السابق لحزب الله، حسن نصر الله، والدوائر الشعبية التابعة له، طمعًا في كسب الغطاء السياسي والحماية الأمنية في بيئة لبنانية معقدة. لكن المثير للسخرية والنقد في آن معًا هو التلون السريع والتحول الجذري الذي يطبع سلوك علامة عند أي منعطف خطير. فحين تتبدل موازين القوى أو يواجه النظام وحلفاؤه تراجعات، يسارع راغب إلى ممارسة سياسة النعامة؛ فيهرب من أسئلة السياسة مدعيًا براءة الفن الخالص. وفي الكثير من اللقاءات، حين تضيق عليه مساحات المناورة، ينسحب ببرود قائلًا: “أنا فنان… ليس لي دخل بسياسة الدول الأخرى”. هذا التناقض الصارخ بين المديح الفج والتهنئة بالولايات الرئاسية الملطخة بالدماء، وبين الادعاء اللاحق بالحياد الثقافي، يعكس تناقضًا أخلاقيًا كاملًا. إنه التلون الذي يجعل من “الحب” مجرد سلعة تجارية، ومن “عشق الأوطان” مجرد تذكرة مرور لإقامة الحفلات على حساب مشاعر الناس المنتهكة. بين راغب وفضل لا يمكن قراءة المشهد الحالي لراغب علامة بمعزل عن عقدة التنافس التاريخي الكبرى التي جمعته بالفنان فضل شاكر. هذا التنافس لم يكن موسيقيًا بحتًا، بل تحول بمرور السنين إلى صراع أيديولوجي وسياسي عكس انقسام الشارع العربي والمحلي. فضل شاكر، الذي اعتزل الفن في مرحلة ما وانحاز بشكل مطلق وتام إلى قضايا المظلومين، تحول في وجدان قطاعات واسعة من السوريين المنادين بالحرية وثوار “سوريا الجديدة” إلى رمز فني فريد ومحبوب، رغم كل التعقيدات والملابسات القانونية والسياسية المحيطة بملفه في لبنان. لقد رأى فيه السوريون صوتًا تضامن مع ألمهم ودفع في سبيل ذلك ثمن مسيرته وثروته ونجوميته. على الضفة المقابلة، بدا راغب علامة وكأنه مدفوع بنوع من النكاية الفنية والسياسية؛ فكلما ازداد فضل شاكر قربًا من نبض الشارع الثائر ومن قيم العدالة لشعوب المنطقة، أمعن راغب في الارتماء بأحضان النظم القمعية والدوائر العسكرية التابعة لمحور “الممانعة”، وكأنه يسعى لإثبات ولائه كبديل فني وحيد وموثوق لدى السلطات المستبدة. إن هذا التنافس المحموم جعل من خيارات راغب السياسية أداة في معركة إثبات وجود وتصفية حسابات فنية قديمة، ما أفقده، بالتبعية، تلك الروح الإنسانية العفوية التي يجب أن تميز المبدع الحقيقي. المشكلة ليست أن راغب عاد ليغنّي في دمشق، بل أنه عاد وكأن السوريين نسوا لمن غنّى بالأمس صرخة الضحايا إن الدرس الأكبر الذي يتجاهله فنانون من عينة راغب علامة هو أن “العدالة الثقافية” لا تقل أهمية عن العدالة القضائية. ففي عالم ما بعد الفظائع، لا يمكن بناء “سوريا الجديدة”، أو أي مجتمع ديمقراطي وإنساني حقيقي، من خلال تبييض صفحة أولئك الذين صفقوا للقتلة. الحفاظ على مشاعر الناس، واحترام تضحيات مئات الآلاف من الشهداء والمعتقلين والمغيّبين قسرًا، يتطلب من المؤسسات الثقافية والمنظمات المدنية والجمهور السوري الواعي ممارسة نوع من المقاطعة الأخلاقية الواعية. لا يصح، ولا يجوز إنسانيًا، أن يُستقبل من أنكر عذابات السوريين بالورود والسجاد الأحمر في دمشق وكأن شيئًا لم يكن. أغنية “قلبي عشقها” التي دشّن بها راغب علامة مجده الفني، تكشف اليوم عن وجهها الآخر الأكثر قتامة؛ وجه “الحب” الزائف القاتل الذي يفضّل مصافحة المسؤولين وحصد أرباح السياحة على حساب كرامة شعب مكلوم. skip render: ucaddon_box_testimonial