عاد ملفّ الضمّ والفرز إلى الواجهة في مدينة صيدا، في ظلّ تزايد الحديث عن توجّه لاعتماد مخطّطات تنظيميّة جديدة قد تطال مناطق عقاريّة داخل النطاق البلدي أو على أطرافه. وبين معلومات متداولة، وتساؤلات غير محسومة، بدأ القلق يتسرّب إلى أوساط المالكين، خصوصًا في ما يتعلّق بمصير الملكيّات الخاصّة، وآليّات التقييم، وحدود المساس بالحقوق المكتسبة هذا التداول المتسارع، وإن لم يُترجم بعد بقرارات رسميّة معلنة، أعاد فتح واحد من أكثر الملفات العقاريّة حساسيّة، نظرًا لما يحمله الضمّ والفرز من انعكاسات مباشرة على التخطيط العمراني من جهة، وعلى حقوق الأفراد من جهة أخرى. فبين من يراه أداة ضروريّة لمعالجة الفوضى العمرانيّة، ومن يخشى تحوّله إلى عبء إضافي على أصحاب الأراضي، يفرض الملفّ نفسه اليوم كنقاش عام يستوجب الإضاءة على أبعاده القانونيّة والتنظيميّة بعيدًا من الإشاعات والالتباس. ما هو الضمّ والفرز؟الضَّمّ والفرز هو إجراءٌ قانونيّ–تنظيميّ تقوم بموجبه الجهات المختصّة بإعادة تنظيم منطقةٍ عقاريّةٍ محدّدة. تبدأ العمليّة بـ«الضَّمّ»، أي جمع عدّة عقارات متجاورة أو متداخلة ضمن وحدةٍ تنظيميّةٍ واحدة، ثم يليها «الفرز» حيث تُعاد قسمة هذه الأراضي من جديد وفق مخطّط تنظيميّ حديث يراعي الطرقات، والمساحات العامّة، وشروط البناء.تؤكّد الجهات الرسميّة أنّ الهدف الأساسيّ من الضَّمّ والفرز هو معالجة الفوضى العمرانيّة الناتجة عن تقسيمات قديمة وغير مدروسة، فتح طرقات جديدة وتأمين مساحات خضراء ومرافق عامّة، رفع القيمة التنظيميّة للأراضي وجعلها صالحةً للبناء الحديث، وإدخال مناطق غير منظَّمة سابقًا ضمن النطاق المدنيّ. تبدو صيدا اليوم أمام اختبار، إمّا تخطيط شفاف يوازن بين المصلحة العامّة والملكيّة الخاصّة، وإمّا ملفّ جديد يُضاف إلى سجلّ الأزمات المؤجَّلة. وبين الخيارين، يبقى حقّ السؤال مشروعًا، وحقّ الطمأنة واجبًا، قبل أن يتحوّل القلق إلى مواجهة كيف تُحتسب حقوق المالكين؟من حيث المبدأ، لا يُفترض أن يؤدّي الضَّمّ والفرز إلى انتقاصٍ من حقوق المالكين. فإعادة توزيع العقارات لا تقوم على مبدأ المساحة فقط، بل على القيمة العقاريّة والتنظيميّة. وقد يحصل المالك بعد الفرز على قطعة أرضٍ مختلفة من حيث الموقع أو المساحة، لكن بقيمةٍ تعادل ملكيّته الأصليّة قبل التنظيم.غالبًا ما يثير الضَّمّ والفرز اعتراضاتٍ واسعة، لأسبابٍ أبرزها تغيّر مواقع العقارات وفقدان بعض المالكين لأراضٍ كانت مطلّة أو ذات موقعٍ مميّز، تأخير طويل في تنفيذ المخطّطات، ما يجمّد حقّ التصرّف بالأرض، شكوك حول عدالة التقييم أو استفادة بعض الأطراف على حساب أخرى، وضعف التواصل الرسميّ مع الأهالي وغياب الشفافيّة أحيانًا.عادةً ما يتمّ الضَّمّ والفرز بموجب مرسومٍ أو قرارٍ رسميّ منشور في الجريدة الرسميّة، مع تحديدٍ دقيق للمنطقة المشمولة. ويمنح القانون المتضرّرين حقّ الاعتراض والطعن ضمن مهلٍ محدّدة، سواء أمام اللجان المختصّة أو عبر القضاء الإداريّ. بين التنظيم والحقوقيبقى الضَّمّ والفرز إجراءً ذا حدّين: فهو من جهة أداةٌ أساسيّة لتنظيم المدن وتحسين بيئتها العمرانيّة، ومن جهةٍ أخرى مصدر قلقٍ حقيقيّ للمالكين إذا لم يُنفَّذ بعدالة وشفافيّة.ويجمع متابعون على أنّ نجاح أيّ مشروع ضمّ وفرز مرتبط بوضوح المعايير، وسرعة التنفيذ، وضمان حقوق المواطنين دون استثناء. لا يمكن التعامل مع ملفّ الضَّمّ والفرز في صيدا بوصفه إجراءً تقنيًا معزولًا عن الناس وحقوقهم، ولا كقرار يُدار خلف الأبواب المغلقة. فالتنظيم العمراني، مهما كانت ضرورته، يفقد شرعيّته حين يتحوّل إلى مصدر قلق دائم للمالكين، أو حين يُقدَّم كأمر واقع بلا شرح ولا ضمانات واضحة. في ظلّ ازدياد الحاجة إلى تخطيطٍ جدّيّ ومستدام، يبقى السؤال مطروحًا: هل تنجح مشاريع الضَّمّ والفرز في تحقيق التوازن بين المصلحة العامّة وحقوق الملكيّة الخاصّة، أم تتحوّل إلى عبءٍ جديد على أصحاب العقارات؟
اسمُها «سراي صيدا» الحكومي، تقعُ في المدينةِ، لكنّها، للأسف، من دون صيداويّين.ليس الخبرُ سبقًا صحفيًّا، بل واقعٌ مريرٌ مُخزٍ، يُحكى منذُ سنين على ألسنة الجميع؛ يشتكون منه، ويتذمّرون من تبعاته وتداعياته، لكنّه يخبو كلّ فترة، ليندرج في مجرّد كونه كلامًا وثرثرةً بلا أثر أو تغيير… سراي صيدا، المعقلُ الأوّل للعمل الإداريّ والحياتيّ لآلاف الصيداويّين على صعيد المدينة والمحافظة، تتداخل في أروقتِها ومكاتبِها تفاصيلُ حياتهم اليوميّة ومعيشتهم، لكنّك لا تجد فيها موظّفًا صيداويًّا، إلّا على عدد أصابع اليد الواحدة. الأسبابُ كثيرةٌ ومتراكمة، لكنّ الأرقام باتت فاضحةً ومُعيبة، بعد «اجتياحاتٍ» من مناطق وأعرافٍ حوّلت السراي إلى جسمٍ هجينٍ في قلبِ مدينةٍ لا تربطها بالمكان إلّا تواجدُها الجغرافيّ، لا أكثر. بحسب استطلاعٍ دقيق أجرته جريدة «البوست» بشكلٍ غير رسميّ، تبيّن أنّ عدد الصيداويّين الذين يشغلون وظائفَ رسميّةً في سراي صيدا يتراوح اليوم ما بين 12 و17 موظّفًا فقط، من أصل 287 موظّفًا هو العدد الإجماليّ للعاملين في تلك المنشأة الحكوميّة (عدا السلكين العسكري والأمني) أي إنّ أقلّ من 4.1% من تعداد الموظّفين هناك هم من أهل المدينة. هل يُعقلُ ذلك؟ لماذا هذا الواقع في بلدٍ تحكمه الانتماءاتُ المناطقيّة والمذهبيّة، والتبعياتُ الحزبيّة والسياسيّة الداخلة في صلب تكوينه الديمغرافيّ، منذ أن كانت دولة «لبنان الكبير»؟ هنا يطغى السؤالُ البديهيّ: أين نوّابُ المدينة وقياداتُها وفاعليّاتُها السياسيّة والاجتماعيّة والدينيّة والاقتصاديّة حيال هذا الواقع؟ ولماذا لا تُطالب المدينة بحصّتِها المشروعة من الوظائف والمناصب، التي تُسهّل حياةَ الصيداويّين وتُحسّن من معيشتهم؟ لا تقولوا إنّها “حساسيّةُ الصيداويّ التقليديّة” تجاه العمل في الوظائف الرسميّة والإدارات العامّة. كان ذلك من قصص الزمن الغابر. اليوم، يتطلّع الناس إلى وظيفةٍ «من غيمة». لو كان هذا الكلام في النروج، لما كان له من مبرّر. لكنّنا في لبنان، ولكي نحيا ونبقى ونستمرّ، علينا أن نُقارب الأمور بواقعيّةٍ سياسيّةٍ ومذهبيّةٍ ومناطقيّة شفّافة، تضع في نصابها العيشَ الكريم لكلّ المواطنين سواسيةً في الحقوق والواجبات. أليس هذا ما يقوله الدستور؟ بس بصيدا ترى، هل تجد مثل هذا الأمر في سراي النبطيّة، أو البترون، أو زحلة؟ حُكمًا لا. لكنّك في صيدا، حيث تُدار الدولة من خارج المدينة، وباسمها. حيث يُرفَع اسمُ صيدا على الواجهة، ويُفرَّغ أهلُها من الداخل. مدينةٌ تُستَخدم إداريًّا، ولا يُعترف بها شريكًا. ما يجري ليس خللًا وظيفيًّا عابرًا، بل نتيجةُ خيارٍ سياسيٍّ مزمن، عنوانه: تهميشٌ صامت، وتنازلٌ مقيم، وغيابُ إرادةٍ محلّيّة تجرؤ على السؤال والمواجهة. فالحقوق لا تُمنَح، بل تُنتَزع، وصيدا، بصمتها الطويل، دفعت الثمن كاملًا. الفضيحة ليست في الأرقام وحدها، بل في الاعتياد عليها. في تحوّل الإقصاء إلى أمرٍ طبيعيّ، والظلم إلى تفصيل، والمدينة إلى عنوانٍ بلا مضمونٍ حقيقيّ.