من يحكم العالم حين تختفي الأيدي؟ لم يعد الذكاء الاصطناعي ابتكارًا تقنيًا يُقاس بالكفاءة والسرعة، بل تحوّل إلى بنية حكم غير منتخبة، تُعيد ترتيب العالم بصمت، وتُعيد تعريف من يملك القرار، ومن يُستبعد منه.السؤال لم يعد: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل: لصالح من يعمل؟ ومن يضبط بوصلته القيمية؟ في هذا المناخ، يعود اسم «الماسونية» إلى التداول، لا بوصفه دليلًا قاطعًا، بل بوصفه رمزًا سياسيًا لسلطة تعمل من الخلف. فكل عصر ينتج لغته الخاصة لتسمية النفوذ غير المرئي، وعصر الخوارزميات لا يشذّ عن القاعدة. من الرمز التاريخي إلى البنية السلطوية تاريخيًا، لم تكن الماسونية مختبرًا علميًا ولا شركة برمجيات، لكنها مثّلت، في المخيال العام، نموذجًا للنفوذ الصامت: شبكات نخب، رمزية مغلقة، وتأثير بلا مساءلة شعبية. وحين يعجز المجتمع عن تسمية القوى التي تشكّل مصيره، يستحضر أسماء قديمة ليُفسّر واقعًا جديدًا. بهذا المعنى، السؤال الحقيقي ليس: هل تدير الماسونية الذكاء الاصطناعي؟ بل: لماذا أصبح الذكاء الاصطناعي شبيهًا، في بنيته السلطوية، بكل ما نُسب تاريخيًا إلى النخب المغلقة؟ تاريخيًا، لم تكن الماسونية مختبرًا علميًا ولا شركة برمجيات، لكنها مثّلت، في المخيال العام، نموذجًا للنفوذ الصامت: شبكات نخب، رمزية مغلقة، وتأثير بلا مساءلة شعبية الخوارزمية فوق السياسة الخطر الجوهري في الذكاء الاصطناعي لا يكمن في «الوعي الآلي»، بل في فصله عن المجال السياسي. الخوارزميات اليوم تؤثّر في الرأي العام، تحدّد ما يُرى وما يُحجب، تصوغ المزاج الجماعي، وتُعيد هندسة النقاش العام—من دون رقابة برلمانية حقيقية، ومن دون شفافية تتناسب مع حجم هذا التأثير. نحن أمام سلطة لا تحتاج إلى انقلاب، لأنها لم تعترف أصلًا بالنظام الذي يُفترض أن تنقلب عليه. من الرمز إلى الكود في العصور السابقة، كان النفوذ يُشفَّر بالرموز والطقوس. اليوم، يُشفَّر بالكود. الفرجار والمسطرة لم يعودا أدوات بناء، بل معادلات تضبط السلوك البشري. العين التي «ترى كل شيء» لم تعد رمزًا محفورًا في حجر، بل شبكة بيانات تعرف ما نحب، وما نكره، وما يغضبنا، وما يُبقينا أطول أمام الشاشة. الانتقال لم يكن من السرية إلى العلنية، بل من سرية مفهومة إلى غموض تقني مُقنَّن. لم تعد السيطرة الحديثة بحاجة إلى قمع مباشر. يكفي أن تُدار الرغبات، ويُعاد ترتيب الانتباه، وتُغرق الساحة بالضجيج بدل المعنى. محتوى يُضخ بكثافة، تفاهة تُكافأ، عنف يُطبَّع، وقيم تُفكَّك ببطء. ليس لأن «هناك جهة شريرة واحدة»، بل لأن منطق الخوارزمية يكافئ ما يُثير، لا ما يُنوِّر. هنا، يصبح الحديث عن «التحكّم بالعقول» توصيفًا سياسيًا دقيقًا، لا مبالغة خطابية. الحقيقة المُفلترة.. أخطر الأدوات التضليل في عصر الذكاء الاصطناعي لا يقوم على الكذب الصريح، بل على انتقاء الحقيقة. واقع يُعرض كما لو كان كاملًا، بينما هو في الحقيقة نتاج قرارات خفية: ماذا يتكرر؟ ماذا يختفي؟ وماذا يُضخ حتى يبدو طبيعيًا؟ تشير أبحاث متعددة إلى أن نسبة كبيرة مما يُستهلك رقميًا اليوم هو محتوى مُعاد تشكيله لخدمة التفاعل والربح والتوجيه، لا المعرفة. وهنا تتحوّل الخوارزمية من أداة تقنية إلى فاعل سياسي كامل الصلاحيات. من يملك الذكاء الاصطناعي… يملك السردية. السؤال الأخطر ليس فلسفيًا، بل سياديًا: من يملك البيانات؟ من يدرّب النماذج؟ من يقرّر المعايير الأخلاقية؟ في عالم تُدار فيه الحقيقة عبر الشاشات، تصبح السيطرة على البنية الرقمية أخطر من السيطرة على الحدود. الدول تتجادل، بينما الشركات العابرة للحدود تبني واقعًا موازيًا لا يخضع لسيادة أحد. هل المؤامرة هي المشكلة… أم غياب الديمقراطية الرقمية؟ الانشغال الحصري بالماسونية قد يُضلّل النقاش. المشكلة الأعمق هي تركّز القوة التقنية بلا مساءلة، وتحويل الذكاء الاصطناعي إلى منطقة معفاة من السياسة، رغم كونه الأداة السياسية الأكثر تأثيرًا في القرن الحادي والعشرين. السيطرة الناعمة لسنا بحاجة إلى تنظيم سري كي نشعر بالخطر. يكفي نظام عالمي يسمح لقلة غير منتخبة بإعادة تشكيل وعي الأغلبية. العالم يُعاد تشكيله… فهل نملك حق الاعتراض؟ هل نعيش أعظم ثورة معرفية في تاريخ البشر؟ أم أذكى عملية إعادة هندسة للوعي الجماعي؟ هل الذكاء الاصطناعي أداة تحرّر؟ أم سلطة جديدة لا تحتاج إلى دبابة ولا بيان؟ ربما لن نجد اسمًا واحدًا نُعلّق عليه كل المخاوف. لكن المؤكّد أن السلطة لم تختفِ، بل غيّرت لغتها. وفي عالم تحكمه الخوارزميات، أخطر ما يمكن أن يحدث… أن نعتاد.
لم يكن العشاء الذي استضافه أحد مطاعم المدينة، قبل أيام، حدثًا اجتماعيًا عابرًا. المناسبة التي دعا إليها أحد «الطامحين المستجدّين» إلى موقع سياسي، وجمعت عددًا محدودًا من شخصيات سياسية واقتصادية وأمنية من داخل المدينة وخارجها، أُريد لها أن تكون عرضًا أنيقًا للنفوذ والعلاقات، على شرف شخصية اقتصادية–مالية بات يجري التعامل معها، من قبل البعض، كمدخل للتقرّب من جهة سياسية وازنة في لبنان. غير أنّ ما جرى خلف الطاولات سرعان ما نقل المناسبة من لقاء علاقات عامة إلى واقعة تحمل أبعادًا قانونية وتجارية واضحة. خلال العشاء، وبحسب معلومات جريدة «البوست»، جرى توزيع سيجار على الحاضرين، قُدِّم على أنّه من نوع فاخر محدّد، تُقدَّر قيمة الحبة الواحدة منه بأكثر من 135 دولارًا أميركيًا. إلا أنّ المعلومات التي توافرت لاحقًا، كما يروي مطّلعون، كشفت أنّ السيكار الموزّع لم يكن أصليًا، بل مزوّرًا ومغشوشًا، في تعدٍّ صريح على علامة تجارية عالمية. وهنا، يتجاوز الأمر حدود «النكتة» الخاصة أو زلّة الاستعراض، ليطرح مسارًا أكثر جدّية قد يقود إلى ملف ذي طابع قانوني. تفتح هذه الواقعة الباب أمام أسئلة لا يمكن القفز فوقها: من أدخل السيكار المزوّر إلى لبنان؟ وهل جرى ذلك عبر التهريب أم تحت غطاء استيراد نظامي؟ من الجهة التي اشترت ووزّعت هذه البضاعة؟ وهل كانت على علم بأنها مزوّرة أم وقعت في فخّ الاحتيال؟ كيف تُتداول بضاعة مغشوشة بهذه القيمة في مناسبات عامة من دون أي رقابة؟ وأين دور الجمارك ووزارة الاقتصاد وأجهزة حماية المستهلك؟ ما الأثر القانوني على الجهة التي استخدمت منتجًا مزوّرًا في مناسبة عامة؟ وهل يندرج ذلك تحت جرائم التزوير والاحتيال التجاري أم يُتعامل معه كمخالفة إدارية عابرة؟ ما جرى ليس تفصيلًا هامشيًا، ولا «نكتة صالونات» أو مطاعم. نحن أمام واقعة تختصر الكثير عن ثقافة الاستعراض السياسي حين تُبنى على واجهة براقة ومضمون هشّ. عشاء أُريد له أن يكون بطاقة عبور إلى النفوذ، قد ينقلب إلى ملف يطرق أبواب القضاء. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يُؤتمن على أصوات الناس ومصالحهم وحياتهم من لا يُوثق بما يحمله بين أصابعه؟
ذكرت مصادر صيداوية مطلعة لجريدة «البوست» أن الزيارة التي قامت بها نائبة رئيس مؤسسة الوليد للإنسانية، الوزيرة السابقة ليلى الصلح حمادة، إلى صيدا أمس، لتوقيع اتفاقية تعاون مع البلدية تقضي بإنارة شارع رياض الصلح في المدينة، كانت مخيبة لآمال الصلح، التي تفاجأت بالحضور الهزيل في مبنى البلدية، (تم استدعاء بعض موظفي البلدية هاتفيا على عجل لزيادة العدد) وهو ما ظهر جليًّا على تصرفاتها وكلامها، الذي اتسم بالتوتر والحدّية تجاه الحاضرين. وقد اكتفت الصلح بلقاء رئيس البلدية والحضور القليل الذي اقتصر على بضعة أشخاص في مكتب حجازي، وليس في قاعة البلدية. كما كان لافتًا العبارة التي قالتها الصلح «ما كنتُ عارفةً أن الحقد وصل إلى القبور حتى»، في إشارة إلى أن هناك أطرافًا بعينها مقصودة من وراء إفشال الزيارة وتبهيتها، إن لم تكن تقصد الإهانة لما تمثله.