لم يعد الشرق الأوسط الجديد مشروعاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات أو يُستدعى في لحظات التسويات السياسية، بل يبدو أن المنطقة دخلت فعلياً مرحلة إعادة تشكيل لنظامها الإقليمي، ولكن وفق قواعد مختلفة جذرياً عن تلك التي حكمت التصورات التي ظهرت في أعقاب حرب الخليج ومؤتمر مدريد عام 1991. فمعاهدة الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، مع احتمال انضمام دول أخرى إليها، ولا سيما مصر، لا تبدو مجرد ترتيب أمني لمواجهة تهديد محدد، وإنما يمكن قراءتها بوصفها نواة محتملة لنظام إقليمي أوسع، تتداخل فيه اعتبارات الأمن مع الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية والتجارة والممرات البرية والبحرية. الأهمية الاستراتيجية لهذه المعادلة لا تكمن فقط في حجم القوى العسكرية التي يمكن أن تتجمع داخلها، بل في نوعية التكامل الذي يمكن أن تنتجه. فالسعودية تمتلك القدرة المالية والطاقة ومشروعات البنية التحتية والتكنولوجيا والاستثمار، وتركيا تمتلك قاعدة صناعية وعسكرية متقدمة وموقعاً جغرافياً يصل الشرق بالغرب، فيما تضيف باكستان كتلة بشرية وعسكرية كبيرة، فضلاً عن امتلاكها قوة نووية. وإذا استطاعت هذه الدول تحويل هذه العناصر إلى مصالح مترابطة وسياسات مشتركة، فإننا لا نكون أمام تحالف دفاعي تقليدي، بل أمام محاولة لبناء مركز ثقل إقليمي قادر على إنتاج قدر من الاستقلال الاستراتيجي. فالشرق الأوسط الجديد الذي روّج له شيمعون بيريز في تسعينات القرن الماضي كان قائماً على تصور مختلف تماماً؛ إسرائيل في قلب المنظومة، ورأس المال الخليجي في تمويلها، والقوة البشرية المصرية في تشغيلها، مع تحويل التسوية العربية–الإسرائيلية إلى بوابة لاندماج اقتصادي وتكنولوجي إقليمي تكون إسرائيل أحد محركاته الأساسية. أما المسار الذي يتبلور اليوم، فيبدو وكأنه يعيد صياغة الفكرة نفسها ولكن بعد حذف العنصر الذي كان يفترض أن يكون مركزها: إسرائيل. skip render: ucaddon_material_block_quote من التسوية إلى التوازنات الفارق بين المشروعين ليس في الأدوات فقط، بل في فلسفة النظام الإقليمي ذاته. مشروع التسعينات كان يفترض أن يؤدي السلام العربي–الإسرائيلي إلى إعادة توزيع الأدوار الاقتصادية والسياسية، بحيث تتحول إسرائيل من دولة محاطة بالصراعات إلى مركز إقليمي للتكنولوجيا والاستثمار والاتصالات والبنية التحتية. أما اليوم، فإن إعادة بناء النظام الإقليمي تبدو أكثر ارتباطاً بموازين القوة المباشرة، وبالحاجة إلى ملء الفراغ الذي خلفه تراجع أدوار إقليمية كانت مهيمنة خلال العقدين الماضيين. وهذا التحول يفسر جانباً مهماً من القلق الإسرائيلي. فقد كانت إسرائيل تنظر إلى انحسار النفوذ الإيراني في المشرق باعتباره فرصة استراتيجية لتوسيع هامش حركتها وترسيخ تفوقها الإقليمي. غير أن المشكلة ظهرت عندما بدأ الفراغ الناتج عن تراجع إيران يجذب قوى أخرى، وفي مقدمتها تركيا والسعودية، بدلاً من أن يتحول تلقائياً إلى مجال نفوذ إسرائيلي. فأن تواجه إسرائيل إيران وحدها شيء، وأن تجد نفسها أمام بيئة إقليمية تتنامى فيها قدرات تركيا والسعودية وترتبط بقوة نووية مثل باكستان شيء مختلف تماماً. وفي الحالة الثانية، يصبح التفوق العسكري الإسرائيلي جزءاً من معادلة أوسع، لا العامل الوحيد القادر على تحديد اتجاهاتها. ثلاث دول ومصالح متكاملة قوة هذا الترتيب المحتمل لا تأتي من تشابه الدول الثلاث، بل من اختلاف عناصر القوة لديها. السعودية ليست تركيا، وتركيا ليست باكستان، وهذا تحديداً ما يمكن أن يجعل التكتل أكثر أهمية إذا تحولت الاختلافات إلى تكامل. السعودية تمتلك رأس المال والطاقة والقدرة على الاستثمار طويل الأمد في قطاعات تتجاوز النفط، من المدن الذكية والبنية الرقمية إلى الذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة. تركيا تمتلك قاعدة صناعية متنوعة، وقدرات دفاعية متنامية، وخبرة في الصناعات الجوية والمسيرات والصواريخ والسفن والأنظمة الإلكترونية، إلى جانب موقعها الذي يمنحها قيمة جيوسياسية تتجاوز حدود الشرق الأوسط التقليدية. أما باكستان، فتمنح التكتل عمقاً سكانياً وعسكرياً واستراتيجياً، وتضيف إلى المعادلة عاملاً لا تمتلكه معظم القوى الإقليمية الأخرى: الردع النووي. وبالتالي، فإن المسألة ليست في جمع ثلاثة أرقام عسكرية أو اقتصادية، وإنما في جمع ثلاث وظائف استراتيجية مختلفة داخل منظومة واحدة: التمويل السعودي، والتصنيع والتكنولوجيا التركية، والكتلة البشرية والردع الباكستاني. وإذا أضيفت مصر إلى هذه المعادلة، فإن التوازن سيأخذ بعداً آخر، لأن القاهرة تضيف ثقلاً سكانياً وعسكرياً وجغرافياً يربط الخليج بالبحر الأحمر والبحر المتوسط وشمال أفريقيا، ويمنح المشروع المحتمل امتداداً جغرافياً يصعب تجاهله في أي حسابات تتعلق بالممرات التجارية والأمن البحري. مشكلة أكبر من التحالف لهذا السبب، فإن القلق الإسرائيلي لا يتعلق فقط باحتمال قيام تحالف عسكري جديد، وإنما بما يمكن أن ينتجه هذا التحالف من إعادة توزيع لمراكز القرار الإقليمي. إسرائيل اعتادت خلال العقود الماضية أن تتعامل مع الشرق الأوسط باعتباره بيئة تتحرك فيها من موقع التفوق العسكري والتكنولوجي، بينما تعتمد في أمنها الاستراتيجي على المظلة الأميركية. لكن ظهور ترتيبات إقليمية تستطيع فيها دول عربية وإسلامية جمع المال والسلاح والتكنولوجيا والعمق البشري والردع الاستراتيجي، قد يحد من قدرة إسرائيل على فرض قواعد اللعبة منفردة. الأكثر حساسية بالنسبة إلى تل أبيب أن هذه المنظومة المحتملة لا تبدو مشروطة بالتطبيع معها. وهذا يضرب في مكان حساس التصور الإسرائيلي الذي ربط لفترة طويلة بين إعادة ترتيب الشرق الأوسط وبين دمج إسرائيل فيه اقتصادياً وأمنياً وسياسياً. فإذا أمكن بناء شبكة إقليمية للأمن والطاقة والتجارة والتكنولوجيا من دون أن تكون إسرائيل جزءاً منها، فإن السؤال لن يعود: كيف ندمج إسرائيل في الشرق الأوسط؟ بل: كيف تتعامل إسرائيل مع شرق أوسط يعيد بناء نفسه من دون أن ينتظر موافقتها؟ الفارق هائل بين أن تكون إسرائيل مركز النظام، وبين أن تصبح مجرد قوة داخله واشنطن وإعادة توزيع الأعباء لكن اختزال التطورات في أنها محاولة أميركية لتحجيم إسرائيل سيكون قراءة مبسطة. الولايات المتحدة لا تزال ترى في إسرائيل شريكاً استراتيجياً أساسياً، ولا توجد مؤشرات جدية على أنها مستعدة للتخلي عنها. إلا أن ذلك لا يعني أن واشنطن تريد استمرار اعتمادها الكامل على إسرائيل في إدارة أمن المنطقة. التحول الأميركي الأعمق يرتبط بإعادة تعريف الدور الأميركي نفسه. فالولايات المتحدة تواجه منافسة دولية متزايدة، خصوصاً مع الصين وروسيا، وتحتاج إلى تخفيض كلفة انتشارها العسكري والسياسي، وإلى قوى إقليمية تستطيع تحمل جزء أكبر من أعباء الأمن والاستقرار. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى صعود السعودية وتركيا وباكستان باعتباره فرصة أميركية بقدر ما هو تحدٍ إسرائيلي. فالولايات المتحدة قد تكون أكثر ارتياحاً إلى شرق أوسط قادر على إنتاج توازناته الداخلية، بدلاً من أن تضطر واشنطن إلى التدخل في كل أزمة، واحتواء كل فراغ، وتسوية كل صراع. وهذا لا يعني أن أميركا ستترك المنطقة، وإنما أنها قد تنتقل تدريجياً من دور «الضامن الوحيد» إلى دور «مدير التوازنات». المعركة الحقيقية على الفراغ بعد تراجع النفوذ الإيراني في عدد من ساحات المشرق، لم يعد السؤال الأساسي هو من سيواجه إيران، بل من سيملأ الفراغ الذي تركه تراجعها. فالفراغ في الشرق الأوسط لا يبقى فراغاً؛ سرعان ما يتحول إلى مجال للتنافس بين القوى التي تمتلك القدرة على الاستثمار فيه.
في جلسة تشريعية حبست الأنفاس وأعادت خلط الأوراق جذريا في المشهد الإعلامي اللبناني، أقرّ مجلس النواب قانون الإعلام الجديد، واضعاً بذلك حداً لعقود طويلة من العمل تحت مظلة قانون المطبوعات الصادر عام 1962. خطوة أرادها المشرّع انتقالاً ضرورياً إلى عصر الإعلام الرقمي وتنظيماً لفضاء اتسع كثيراً خارج قدرة النصوص القديمة على مواكبته، لكنها تحولت، فور إقرارها، إلى واحدة من أكثر المواجهات حدة بين السلطة التشريعية والجسم الصحفي في لبنان. فبدلاً من أن يشكّل القانون محطة توافقية تؤسس لمرحلة جديدة في علاقة الدولة بالإعلام، فجّر موجة اعتراض واسعة داخل الأوساط الصحفية والنقابية، بعدما اعتبرت نقابتا الصحافة والمحررين أن الصيغة التي أُقرّت تجاهلت تفاهمات وملاحظات وتعديلات جرى العمل عليها على مدى سنوات طويلة. وما إن أُعلن عن تصويت مجلس النواب على مشروع القانون كما ورد من اللجان النيابية المشتركة، من دون الأخذ بجملة التعديلات التي كان ممثلو الجسم الإعلامي يطالبون بإدخالها، حتى صدرت مواقف نقابية شديدة اللهجة أعلنت رفض القانون بصيغته الحالية، معتبرة أن ما حصل يشكّل التفافاً على مسار تشاركي طويل جمع المشرّعين بممثلي المهنة. المشكلة، من وجهة نظر المعترضين، لم تعد إذاً في مادة قانونية هنا أو صياغة هناك، بل في السؤال الأعمق: من يملك حق رسم مستقبل الإعلام اللبناني، وبأي ضمانات؟ skip render: ucaddon_material_block_quote 16 عاماً من المخاض قصة قانون الإعلام الجديد ليست وليدة اللحظة. فالمشروع خضع على مدى سنوات طويلة لنقاشات ومراجعات وجلسات واستشارات، في محاولة لإنتاج تشريع يخرج الإعلام اللبناني من عباءة قوانين وُضعت في زمن لم يكن فيه إنترنت ولا منصات تواصل اجتماعي ولا مواقع إخبارية إلكترونية ولا إعلام رقمي بالمعنى الذي نعرفه اليوم. وكان الهدف المعلن من المشروع منذ البداية تحديث البيئة التشريعية بما يضمن، في آن واحد، حرية الصحافة وتنظيم المهنة ومواكبة التحولات التكنولوجية. ومن أبرز العناوين التي طُرحت طوال سنوات النقاش: إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، منع التوقيف الاحتياطي للصحفيين بسبب عملهم المهني، الحد من الملاحقات أمام الجهات العسكرية والجزائية، تنظيم المواقع الإلكترونية ووسائل الإعلام الحديثة، ووضع إطار مؤسساتي جديد للقطاع من خلال هيئة وطنية يُفترض أن تتمتع بالاستقلالية. لكن الخلاف انفجر عند المحطة الأخيرة. فبحسب النقابتين، جاءت الصيغة التي أُقرّت في الهيئة العامة مختلفة عن التفاهمات التي نضجت خلال النقاشات السابقة، بعدما جرى تجاوز التعديلات الأخيرة التي كانت محل اتفاق أو تفاهم بين ممثلي الجسم الإعلامي واللجان النيابية المعنية. وهكذا تحوّل القانون الذي كان يفترض أن يكون ثمرة توافق مهني وسياسي واسع إلى مادة جديدة للانقسام. الرفض النقابي لا ينطلق من مبدأ رفض تحديث القوانين أو تنظيم القطاع، بل من الخشية من أن يتحول التنظيم إلى باب إضافي للرقابة والملاحقة، وأن يُعاد إنتاج القيود القديمة بعبارات قانونية جديدة. وتتمحور أبرز الاعتراضات حول مجموعة من النقاط الأساسية. 23 تعديلاً غائباً يرى الجانب النقابي أن خطورة ما حصل لا تكمن فقط في مضمون المواد التي أُقرّت، بل أيضاً في الطريقة التي جرى بها إقرار القانون. فبحسب موقف النقابتين، جرى تجاهل 23 تعديلاً كانت موضع نقاش واتفاق سابق مع اللجنة النيابية للإعلام، قبل أن تصل الصيغة إلى الهيئة العامة من دون تضمينها بالصورة المطلوبة. ومن هنا يأتي الشعور داخل الجسم الإعلامي بأن سنوات الحوار لم تنعكس بصورة فعلية في النص النهائي، وأن الشراكة التي كان يفترض أن تكون أساس التشريع انتهت عند اللحظة الحاسمة. بالنسبة إلى النقابات، ليس الأمر تفصيلاً إجرائياً، بل يمس جوهر العلاقة بين السلطة والمهنة: فإذا كان الصحفيون هم الجهة الأولى التي ستتأثر بالقانون، فهل يجوز إقرار نص ينظم عملهم من دون الأخذ بملاحظاتهم الأساسية؟ المعركة ليست على امتيازات الصحفيين، بل على حق المجتمع في أن يعرف الجزائية باقية؟ إحدى أكثر النقاط حساسية تتعلق بمصير العقوبات والملاحقات القضائية. فالقانون قُدّم بوصفه خطوة نحو إنهاء عصر توقيف الصحفيين وسجنهم بسبب الرأي أو النشر، إلا أن المعترضين يرون أن بعض الصياغات ما زالت تترك أبواباً واسعة أمام الملاحقة. فالعبارات المرتبطة بالسلم الأهلي أو الأمن القومي أو المساس بالرموز أو غيرها من المفاهيم التي يمكن أن تحتمل تفسيرات متعددة تثير مخاوف حقيقية داخل الأوساط الإعلامية. وتخشى النقابات أن يؤدي إبقاء مفهوم «جرائم النشر»، بصيغة مباشرة أو غير مباشرة، إلى استمرار إمكانية اللجوء إلى قانون العقوبات العام، بما يعني أن إلغاء السجن في نص قانون الإعلام قد لا يكون كافياً إذا ظل الصحفي معرضاً للملاحقة عبر قوانين أخرى. وهنا تكمن العقدة الأساسية: هل انتقل القانون فعلاً من منطق العقاب الجزائي إلى منطق المسؤولية المهنية والمدنية، أم أنه اكتفى بتغيير الأدوات والمصطلحات؟ كما يثير ملف الغرامات المالية قلقاً إضافياً، إذ إن الغرامة المرتفعة يمكن، عملياً، أن تتحول إلى عقوبة لا تقل تأثيراً عن التوقيف، ولا سيما بالنسبة إلى الصحفيين المستقلين والمؤسسات الإعلامية الصغيرة التي تعاني أصلاً أزمات مالية خانقة. وحدة الجسم الصحفي الاعتراض الثالث يتعلق بالبنية النقابية نفسها. تحذّر نقابتا الصحافة والمحررين من مواد ترى أنها قد تفتح الباب أمام تعدد كيانات أو أطر مهنية موازية بطريقة تؤدي إلى تفتيت المرجعية النقابية للصحفيين. ومن حيث المبدأ، يمكن النظر إلى التعدد النقابي باعتباره حقاً طبيعياً في أي نظام ديمقراطي، لكن النقابتين تخشيان أن يجري استخدام هذا العنوان لإضعاف المظلة النقابية التقليدية وتفتيت القدرة التفاوضية لأصحاب المهنة. فالجسم الصحفي المنقسم إلى عشرات المرجعيات الصغيرة يصبح أضعف أمام السلطة السياسية وأصحاب رؤوس الأموال والمؤسسات الإعلامية الكبرى. ومن هنا تعتبر النقابتان أن القضية لا تتعلق بالدفاع عن امتياز نقابي بقدر ما تتعلق بالحفاظ على قدرة الصحفيين على التفاوض الجماعي والدفاع عن حقوقهم المهنية والاجتماعية. هيئة مستقلة… عن مَن؟ أما «الهيئة الوطنية للإعلام» فتشكّل بدورها واحدة من أكثر النقاط إثارة للنقاش. فعلى الورق، تبدو فكرة إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم القطاع خطوة متقدمة قياساً بالنماذج التقليدية التي تجعل الإعلام خاضعاً مباشرة لوزارات أو إدارات حكومية. لكن السؤال الحقيقي يكمن في آلية تشكيل هذه الهيئة: من يعيّن أعضاءها؟ ومن يملك سلطة التأثير في قراراتها؟ وما هي حدود صلاحياتها؟ المخاوف النقابية تنطلق من احتمال أن تتحول الاستقلالية إلى صفة شكلية فقط، فيما يبقى النفوذ الفعلي في يد السلطة التنفيذية أو القوى السياسية التي تتحكم بالتعيينات. وفي بلد يقوم نظامه السياسي أساساً على المحاصصة، لا تبدو هذه الهواجس تفصيلاً. فالهيئة التي يُفترض أن تحمي التعددية يمكن، إذا لم تحصّن بنصوص واضحة، أن تتحول إلى جهاز رقابي جديد، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالمحتوى الرقمي أو بالمواقع الإلكترونية أو بآليات الترخيص والمحاسبة. وهنا يصبح الفارق دقيقاً جداً بين تنظيم الإعلام وإخضاع الإعلام. تصعيد نقابي نقابتا الصحافة والمحررين أعلنتا بوضوح أن القانون بصيغته الحالية لن يُتعامل معه باعتباره أمراً واقعاً انتهى النقاش حوله. فالموقف النقابي ينطلق من أن أي تشريع يرسم مستقبل الصحافة، من دون
تُمثّل “العمالة للعدو” واحدة من أعقد الظواهر الإنسانية وأشدها إثارة للاشمئزاز والفضول المعرفي في آن واحد. حين يرتضي فرد ما ليس فقط نقل معلومات لجهة عادية، بل وممارسة التعذيب الجسدي والنفسي بحق أبناء جلدته وجيرانه داخل معتقلات تابعة للمحتل، كما حدث تاريخياً في معتقل الخيام في جنوب لبنان، فإن الأمر يتجاوز الخيانة السياسية إلى تفكك كامل في المنظومة الأخلاقية والنفسية. مع عودة النقاش في لبنان حول تشريعات عودة “المبعدين إلى إسرائيل” والتمييز القانوني والسياسي بين من حافظ على هويته ومن حمل الجنسية الإسرائيلية، يبرز السؤال الوجودي والعلمي: هل يمتلك العميل بنية نفسية وعصبية قابلة لـ “التوبة” والتخلي عن روح العمالة؟ أم أن الخيانة تُحدث تغييراً بنيوياً لا رجعة فيه؟ هدم الذات تؤكد المراجع الأكاديمية ودوريات علم النفس الجنائي أن خيانة الوطن والتعذيب لصالح العدو ليست مجرد خطأ سياسي يمكن مسحه بقرار عفو، بل هي “إعادة هيكلة كاملة للشخصية والدماغ”. فالعميل لا يتوب بسهولة لأن توبته تتطلب هدم ذاته القديمة والاعتراف بأنه ارتكب الفظائع، وهو ثمن نفسي باهظ يفضل عقله الهروب منه عبر الإنكار أو التمسك بروح العمالة. إن التمييز القانوني بين عميل وآخر بناءً على الجنسية المكتسبة قد يخدم تسويات سياسية مؤقتة، لكنه من منظور علم النفس والاجتماع، يتغاضى عن حقيقة علمية ثابتة: من ارتضى أن يكون سوطاً في يد العدو لجلد أبناء وطنه، قد أحدث في قلبه وعقله شرخاً أخلاقياً نادراً ما يبرأ. هذه رحلة في دماغ الخائن تستند الى أدبيات علم النفس الجنائي، علم الاجتماع السياسي، ودراسات الأعصاب. سيكولوجية الخيانة في دراسات علم النفس الاجتماعي، لا يولد الإنسان خائناً، بل يمر بعملية تدرج سيكولوجي تُعرف بـ “التحلل الأخلاقي” (Moral Disengagement)، وهو مفهوم صاغه عالم النفس الشهير ألبيرت باندورا. يمر العميل الذي يعذب أبناء وطنه بمراحل نفسية محددة مثل إعادة التوصيف المعرفي (Cognitive Restructuring): يعيد العميل تسمية أفعاله. فالخيانة تصبح “حماية للعائلة”، والتعذيب يبرر على أنه “حفاظ على النظام” أو “محاربة للإرهاب”.كذلك شيطنة الضحية (Dehumanization) فلكي يتمكن الجلاد (العميل) من تعذيب جاره في المعتقل دون الشعور بالذنب، يقوم عقله بنزع الصفة الإنسانية عن الضحية. يرى المعتقلين كأعداء أو حشرات يستحقون سحقهم، وهي الآلية النفسية التي رصدتها دراسات معهد “ماكس بلانك” حول سلوك المتعاونين مع النازية (مثل قوات الفيرماخت وجيش فيشي في فرنسا).لنصل ختاما الى تشتيت المسؤولية (Diffusion of Responsibility) حيث برر العميل سلوكه بالقول: “أنا مجرد مأمور ينفذ الأوامر”. هذه الظاهرة تم إثباتها علمياً في تجربة ميلغرام الشهيرة لطاعة الأوامر، حيث تبين أن البشر مستعدون لتوجيه صعقات كهربائية قاتلة لآخرين إذا شعروا أن سلطة أعلى تتحمل المسؤولية الأخلاقية. skip render: ucaddon_material_block_quote علم الأعصاب؟ تشير الدراسات الحديثة في علم الأعصاب المعرفي (Cognitive Neuroscience) باستخدام الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) إلى أن الأشخاص الذين يمارسون الخيانة والتعذيب الممنهج يعانون من خلل أو “تعطيل متعمد” في مناطق محددة من الدماغ مثل قشرة فص الجبهة الأمامي (Prefrontal Cortex) فهي المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرارات الأخلاقية وتقييم العواقب.في أدمغة الخونة والجلادين، تظهر الأبحاث ضعفاً في الاتصال بين هذه المنطقة واللوزة الدماغية (Amygdala) المسؤولة عن الخوف والتعاطف. وايضا في المرآة العصبية (Mirror Neurons) فهذه الخلايا تمكننا من الشعور بألم الآخرين. الجلاد العميل يقوم بـ “إطفاء” هذه الشبكة عصبياً لكيلا يشعر بالارتداد العاطفي لأنين الضحية. مع مرور الوقت والتكرار، يصاب الدماغ بحالة من “البلادة العاطفية المكتسبة”، مما يجعل القسوة والخيانة نمط حياة مستقر كيميائياً وبيولوجياً داخل الدماغ. “روح العمالة” لم يكن لبنان الاستثناء الوحيد، فالتاريخ البشري مليء بنماذج مشابهة، وتكشف دراسة هذه التجارب كيف تنتهي رحلة هؤلاء: فبعد تحرير فرنسا، واجهت الدولة معضلة مئات الآلاف من المتعاونين مع النازية (حكومة فيشي). خضع هؤلاء لمحاكمات شعبية ورسمية عُرفت بـ “التطهير” (Épuration). أثبتت الدراسات الاجتماعية الفرنسية لاحقاً أن الغالبية العظمى من العملاء الذين نجوا من الإعدام وسُجنوا، لم يظهروا “توبة حقيقية”، بل عاشوا في حالة إنكار مستمر، واعتبروا أنفسهم ضحايا لتغير موازين السياسة. روح العمالة لديهم لم تختفِ، بل تحولت إلى ضغينة مكتومة ضد المجتمع المحرَّر. وفي النرويج أصبح اسم “فيدكون كويزلينج” (رئيس الوزراء النرويجي المتعاون مع النازية) مصطلحاً عالمياً مرادفاً للخيانة. في النرويج، تمت محاكمة المتعاونين بصرامة. ووجدت الأبحاث النفسية التي أُجريت على عائلاتهم والمقربين منهم أن “العميل الأيديولوجي أو النفعي” يطور آلية دفاعية نفسية تجعله يرى الخيانة ذكاءً والوفاء للوطن غباءً. هذه الرؤية المقلوبة للعالم تمنع التوبة الحقيقية لأن المنظومة الفكرية بأكملها مشوهة. بينما اعتمدت تجربة جنوب إفريقيا على “العفو مقابل الاعتراف الكامل”، إلا أن الدراسات النفسية للمُعذبين البيض والعملاء السود الذين عملوا لصالح نظام الفصل العنصري (Apartheid) أظهرت أن “التوبة” كانت في معظمها توبة برجماتية (لإفلات من العقاب) وليست توبة أخلاقية نابعة من تأنيب الضمير. العميل الذي اعتاد على امتيازات ممنوحة من العدو يظل يشعر داخلياً بالاستعلاء على أبناء وطنه. حين يتحول التعذيب إلى واجب في ذهن الجلاد، تكون الخيانة قد تجاوزت السياسة إلى تشوّه أخلاقي عميق هل يتوب العميل؟ منظور العلوم السلوكية يجيب على سؤال التوبة بحذر شديد، ويميل إلى أن “روح العمالة” صعبة الزوال لأسباب بنيوية، فالعميل الذي يفر إلى بلد العدو (مثل إسرائيل) ويعيش هناك لعقود، يربط مصيره وبيولوجيا بقائه بوجود هذا العدو. إذن فإن حمل الجنسية الإسرائيلية ليس مجرد ورقة قانونية، بل هو اندماج كامل في سردية العدو وتبني لثقافته وخوفه وجودياً من محيطه. وحتى لو رغب العميل في التوبة، فإن المجتمع لا يستقبله بالورود. هذا الرفض الحتمي يدفعه غريزياً إلى الارتداد مجدداً نحو “البيئة الحاضنة للعمالة” أو الدفاع عن ماضيه الأسود بدلاً من الاعتذار عنه. وهناك ايضا متلازمة “الجلاد المتقاعد”، فالجلاد الذي كان يمتلك سلطة الحياة والموت على المعتقلين في أماكن مثل معتقل الخيام، يصعب عليه نفسياً القبول بالعيش كمواطن عادي من الدرجة الثانية، منبوذ وبلا صلاحيات. هذا الإحباط النفسي يحافظ على “روح العمالة” حية كنوع من الحنين لأيام القوة الزائفة. التجربة اللبنانية عند تفكيك الطرح اللبناني الحالي الذي يمنع عودة من يحمل الجنسية الإسرائيلية فقط ويسمح للباقين، نجد أن هذا التقسيم يغفل الأبعاد النفسية والسلوكية التي ناقشتها الأبحاث العلمية. يؤكد العلم أن الفعل الجرمي (التعذيب، التجسس، إدارة المعتقلات) هو الذي يصيغ دماغ العميل ونفسيته، وليس نوع جواز السفر الذي يحمله اليوم. فالعميل الذي عذب الأسرى ولم يحصل على جنسية إسرائيلية يمتلك ذات البنية النفسية المشوهة التي يمتلكها من حصل عليها. skip render: ucaddon_box_testimonial