عاد أحد سماسرة العقارات “الضئيلين”، الذين تفوح حولهم منذ مدّة طويلة روائحُ الشبهة والريبة، إلى الواجهة مجدّدًا، عبر حركة شراء محمومة تستهدف الأراضي والعقارات، مع تركيزٍ لافتٍ على النطاق الجغرافي لمنطقة حارة صيدا. بحسب مصادر عقاريّة متابعة ل”البوست”، فإنّ هذا السمسار المريب ينشط في استدراج أصحاب العقارات عبر إغرائهم بمبالغ ماليّة ضخمة تُدفع نقدًا، وغالبًا ما تتجاوز القيمة الفعلية للأرض، في سلوك يطرح أكثر من علامة استفهام حول الجهة الفعليّة التي تقف خلفه، وحول الأهداف الحقيقيّة لهذه العمليّات المتسارعة. ولا تبدو هذه الحركة مجرّد نشاطٍ تجاريّ عاديّ، بل أقرب إلى عمليّة منظّمة تجري تحت عنوان البيع والشراء، فيما تخفي في عمقها ما هو أبعد من مجرّد تبدّلٍ عقاريّ طبيعي. فالتوقيت مريب، والأسلوب مريب، وحجم الأموال المعروضة مريب، ما يعزّز الشكوك في أنّ هذا السمسار ليس سوى واجهةٍ لعبور مشروعٍ أكبر نحو صيدا ومحيطها. أمام هذا المشهد، لم يعد مقبولًا التعامل مع ما يجري بخفّة أو صمت، لأنّ المسألة تتجاوز حدود السوق العقاري إلى ما يشبه فتح ممرّات نفوذ جديدة بأدوات المال والشراء المنظّم. من هنا، بات من الضروري وضع حدٍّ لهذا الدور الخطير…
لم تكد بلدية صيدا تلتقط أنفاسها بعد ما وصفه بعض المتابعين بـ”الهدنة المكتومة” بين عضو المجلس البلدي عامر معطّي ورئيسه، حتى بدا أن جبهة الخلاف انتقلت إلى مواجهة جديدة، هذه المرة مع العضو رامي بشّاشة، وعلى خلفية ملف بات من أكثر الملفات حساسية في المدينة: إدارة أزمة النزوح ولجنة الكوارث. بحسب معلومات حصلت عليها جريدة “البوست“ من مصادر متابعة، فقد احتدم خلاف حاد بين رئيس البلدية حجازي وبشّاشة خلال الأيام الماضية حول تركيبة لجنة إدارة الكوارث، وهي اللجنة المولجة متابعة تداعيات موجة النزوح التي تشهدها صيدا جرّاء العدوان الإسرائيلي المتواصل على لبنان. وتشير المعطيات إلى أن جوهر الخلاف تمحور حول عدم ضمّ أيٍّ من أعضاء المجلس البلدي إلى لجنة الكوارث، وتولي رئاستها شخصية لا تحمل صفة رسمية داخل المجلس. هذا الطرح أثار اعتراضًا واسعًا لدى عدد من الأعضاء، وفي مقدّمهم بشّاشة، الذين اعتبروا أن استبعاد المجلس البلدي من لجنة بهذا الحجم والحساسية يمثّل إقصاءً واضحًا لدور الأعضاء المنتخبين في إدارة واحدة من أخطر الأزمات التي تواجه المدينة. ويرى معارضو هذا التوجه أن لجنة الكوارث، بحكم طبيعة عملها، يجب أن تكون تحت إشراف مباشر من المجلس البلدي، لا أن تتحول إلى هيئة تعمل خارج إطاره. وتقول المصادر إن النقاش بين حجازي وبشّاشة لم يبقَ ضمن حدود السجال الإداري، كما عوّدتنا هذه البلدية منذ أيامها الأولى، إذ شهدت غرف وأروقة البلدية صراخًا وشتائم وتهديدات متبادلة بين الطرفين، بلغ لحظة حساسة وصلت إلى ما قبل الاشتباك بالأيدي بين الرجلين. في ظاهر الأمر يبدو الخلاف مرتبطًا بتركيبة لجنة إدارية، لكن في العمق يرى متابعون أن المسألة تتجاوز ذلك. فملف النزوح في صيدا لا يقتصر على البعد الإنساني فحسب، بل يرتبط أيضًا بشبكة واسعة من التعاون مع المنظمات الدولية والهيئات الإغاثية التي تقدّم مساعدات وبرامج دعم للنازحين، ما يجعل إدارة هذا الملف شديدة الحساسية بسبب حجم الموارد والبرامج المرتبطة به. سؤال في الكواليس في هذا السياق، يطرح تساؤل بات يتردد في الكواليس: لماذا الإصرار على إبقاء لجنة الكوارث خارج المجلس البلدي؟ هل يعود ذلك إلى عدم ثقة الرئيس بالأعضاء؟ أم أن الأمر مرتبط بطريقة إدارة ملف المساعدات والبرامج الدولية المتعلقة بالنزوح؟ ويشير بعض المتابعين إلى أن حجازي يملك خبرة في التعامل مع المنظمات الدولية تعود إلى ما قبل “جائحة كورونا“، حين نشطت البلديات في التعاون مع الجهات المانحة ضمن برامج الدعم الطارئ. غير أن منتقديه يذهبون أبعد من ذلك، إذ يرون أن إبقاء اللجنة خارج إطار المجلس البلدي قد يعني عمليًا حصر إدارة هذا الملف بشخصيات محددة يختارها الرئيس أو يثق بها. ويأتي هذا التوتر داخل بلدية صيدا في توقيت دقيق تمر به المدينة، حيث تتزايد الضغوط الناتجة عن موجة النزوح الجديدة وما تفرضه من تحديات لوجستية وإنسانية على البلدية. وفي ظل هذه الظروف، يخشى بعض المتابعين أن يتحول ملف النزوح من قضية إنسانية إلى ساحة صراع سياسي داخل المجلس البلدي. فبدل أن تكون لجنة الكوارث منصة لتنسيق الجهود بين الأعضاء والمؤسسات، يبدو أنها تحولت إلى عنوان جديد للتجاذب داخل البلدية. ففي مدينة تواجه تحديات النزوح والضغط الاجتماعي، تبدو الحاجة إلى إدارة متماسكة للأزمة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
لم يعد محمد السعودي مجرّد رئيس بلدية سابق لصيدا، ككثيرين غيره ممن مرّوا على هذا المنصب. تحوّل الرجل، بخصاله الشخصية وحضوره الاجتماعي والتنموي، إلى لاعبٍ صامتٍ حاضرٍ في المشهد العام، يسعى مع مرور السنين إلى ترسيخ أثرٍ إيجابي في المدينة وفقاً لقناعاته ومفاهيمه الخاصة في الأشهر الماضية، خرج إلى العلن احتدام الخلاف بين السعودي والنائب أسامة سعد على خلفية الإخبار الذي تقدّم به سعد بحقّ معمل معالجة النفايات في صيدا خلال فترة رئاسة السعودي للبلدية، وهو ما اعتبره الأخير استهدافًا مباشرًا لشخصه بصيغةٍ ملتوية. اليوم، ومع تصاعد الحديث عن احتمال قيام تحالف انتخابي بين النائب السابق بهية الحريري وسعد ضمن لائحة واحدة تضم شخصيات وازنة، بما يشبه «ميني محدلة» في مواجهة الخصوم، يبرز اسم السعودي مجددًا كعاملٍ قد يُعقّد هذا المسار أو يحدّ منه. السعودي، في أحاديثه الخاصة والعلنية، لا يخفي رفضه لهذا التحالف. فهو يؤكد استعداده لدعم بهية الحريري إذا قرّرت خوض الانتخابات بوضوح، لكنه في المقابل لا يرى في التحالف مع سعد خيارًا مقبولًا أو منطقيًا بعد سنوات طويلة من الخصومة السياسية والمواجهة المباشرة بين الطرفين، معتبراً أن سعد لا يجيد إلا الاعتراض دون أن يقدم شيء ملموس أو فعلي لصيدا وأهلها. في صيدا، التحالفات لا تُبنى على البرامج… بل على قدرة كل طرفٍ على ابتلاع ذاكرةٍ مليئة بالخصومات هذا الواقع يفتح الباب أمام تساؤلات صيداوية متزايدة حول جدوى التحالف إن تمّ: هل يشكّل فرصةً لتعزيز الحضور السياسي للمدينة، أم إعادة إنتاج لتفاهم ظرفي لا يصمد طويلًا أمام تناقضات الماضي؟ خيارات محدودة تشير مصادر سياسية متابعة لجريدة “البوست” إلى أن بهية الحريري، وبمباركة نجلها أحمد، تميل إلى خيار التحالف مع سعد، معتبرةً أنه يملك حيثية شعبية لا يُستهان بها، وقد أسهمت في الدورة السابقة في وصوله إلى المجلس النيابي. في المقابل، تبدو خيارات سعد محدودة نسبيًا. فخسارته جزءًا من الرافعة التقليدية للصوت الشيعي في صيدا، نتيجة مواقفه الأخيرة من حزب الله، إلى جانب تعذّر التحالف مع «القوات اللبنانية» في جزين، يضيقان هامش المناورة أمامه، فلا يبقى عمليًا سوى خيار التقاطع مع النائب إبراهيم عازار أو التيار الوطني الحر. وتشير المعلومات إلى حصول تواصل انتخابي فعلي مع ممثلين عن “التيار”، وُصف حتى الآن بأنه «إيجابي». فهل يقدم سعد على تجاوز هذه العقدة بفض الاشتباك مع السعودي، لنيل الرضى الحريري؟ أمر يستبعده العارفون بشخصية “الدكتور”، لكنه يبقى متاحا، لا مستحيلا.. غير أن مسار التحالف لا يحظى بإجماع داخل “البيئة الناصرية” نفسها، إذ لا يبدو بعض صقور «الحرس القديم» مستسيغًا لتحالف مع خصمٍ طالما وُجّهت إليه انتقادات حادة في خطاب التنظيم، من «الحريرية السياسية» وفسادها إلى اتهامات «الدولة العميقة» بالهيمنة على مفاصل القرار المحلي. أما في حسابات الحريري، فيُنظر إلى التحالف المحتمل من زاوية مختلفة: شريك معروف يمكن تقدير حجمه السياسي ونقاط ضعفة وقوته، بدل من خصمٍ جديد قد يحمل مفاجآت غير محسوبة في معركة دقيقة. وبين هذه الحسابات المتشابكة، يبرز سؤال أساسي: هل تغامر بهية الحريري بتحالفٍ قد يثير اعتراض قاعدة لا يستهان بها داخل بيئتها؟ وهل يمكن تجاوز وزن شخصيات مؤثرة مثل محمد السعودي في حسابات الحواصل والصوت التفضيلي؟ بعد سنوات من العمل المشترك والتحالف بينهما على أكثر من ملف، ودعم ومساندات مشتركة؟ في النهاية، تبدو معركة التحالفات في صيدا أكثر تعقيدًا من مجرد جمع أسماء على لائحة واحدة؛ فهي اختبار لذاكرة سياسية مثقلة بالخصومات، ولموازين قوى اجتماعية لا تزال قادرة على قلب النتائج. وربما يكون التحالف، إن وُلد، هشًّا إلى درجة أنه لا يصمد أبعد من لحظة إعلان النتائج.