في الشرق الأوسط، لا تتحرّك السياسة وحدها، بل تتحرّك معها الذاكرة. التاريخ هنا ليس مجرّد سردٍ للأحداث، بل مرآة تعكس أنماطًا تتكرّر. وما يجري اليوم في إيران بعد الضربة التي أودت بالمرشد الأعلى علي خامنئي، يعيد إلى الأذهان سؤالًا قديمًا: هل يمكن أن ينهار النظام من داخل حرّاسه؟ وسط هذا الضباب السياسي والأمني، يطفو اسم رجل واحد على السطح: الجنرال إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني. الرجل الذي يبدو، وفق روايات متعددة، أنّه يخرج دائمًا سالمًا من الضربات التي تقتل كلّ مَن حوله. في منطقة اعتادت على الشكوك والمؤامرات، تحوّلت هذه المصادفة المتكرّرة إلى مادّة للتكهّنات: هل هو مجرّد ضابط محظوظ، أم أنّ خلف القصّة ما هو أعمق بكثير؟ لفهم دلالة هذه الشائعات، لا بدّ من العودة خطوة إلى الوراء، إلى التاريخ الرمزي الذي بنى عليه النظام الإيراني شرعيته. كربلاء… الذاكرة التي لا تموت يقوم الخطاب السياسي للجمهورية الإسلامية منذ عام 1979 على استحضار واقعة ملحمة كربلاء، حيث قُتل سبط النبي الحسين بن علي بعد أن تخلّى عنه كثيرٌ ممّن بايعوه. في الرواية الشيعية، لم تكن مأساة كربلاء مجرّد معركة، بل خيانة جماعية. كتب أهل الكوفة الرسائل، ثم تراجعوا عندما اقتربت ساعة المواجهة. تلك اللحظة أصبحت رمزًا مركزيًا في الوعي السياسي الإيراني: أنّ الخطر الأكبر لا يأتي من العدو الخارجي، بل من خيانة الداخل. ولذلك بنى النظام الإيراني سرديّته على أنّه الوريث المعاصر لتلك المظلومية، وأنّ حرّاسه هم “أنصار الحسين” في العصر الحديث. لكنّ التاريخ، كما يبدو، لا يحبّ التكرار الحرفي بقدر ما يحبّ المفارقات. في عالم الاستخبارات، النجاة المتكرّرة ليست دائمًا دليل براعة… وقد تكون أحيانًا سبب الاتهام الجنرال الذي ينجو دائمًا منذ اغتيال سلفه قاسم سليماني في عام 2020، أصبح قاآني أحد أهمّ رجال المؤسسة الأمنية الإيرانية. تولّى قيادة فيلق القدس، الجهاز المسؤول عن شبكة النفوذ الإقليمي الممتدة من العراق إلى لبنان واليمن. ومع ذلك، فإنّ سمعته خلال الأعوام الأخيرة لم تُبنَ على العمليات العسكرية بقدر ما بُنيت على ظاهرة غريبة: نجاته المتكرّرة من الضربات. في أكثر من حادثة، كان يُعتقَد أنّه قُتل في استهدافات إسرائيلية أو أميركية، قبل أن يظهر لاحقًا في مناسبات عامة، أحيانًا بملابس مدنية، وكأنّه خرج للتوّ من مشهدٍ في فيلم تجسّس. ثم جاءت الضربة الكبرى التي قتلت المرشد الأعلى وعددًا من كبار مساعديه. مرّة أخرى، خرج قاآني سالمًا. في عالم الاستخبارات، لا توجد مصادفات كثيرة. وكلّما تكرّرت النجاة، اتّسعت دائرة الشك. الاختراق الذي يقلق طهران الشائعات حول احتمال اختراق أجهزة الأمن الإيرانية ليست جديدة. لكنها اكتسبت زخمًا غير مسبوق بعد العمليات التي نُسبت إلى جهاز الموساد، أي جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، داخل إيران. تشير تقارير متعددة إلى أنّ الاستخبارات الإسرائيلية أصبحت قادرة على جمع كمّ هائل من البيانات الرقمية داخل إيران، وحتى تشغيل مصادر بشرية من دون أن يدركوا أحيانًا أنّهم يعملون لحسابها. الضربة التي قتلت خامنئي، وفق هذه الروايات، لم تكن مجرّد هجوم عسكري تقليدي، بل نتيجة اختراق عميق للبنية الأمنية الإيرانية، شمل أنظمة المراقبة، وربما شبكات الاتصال الداخلية. وفي ظلّ هذا الاختراق، يصبح السؤال أكثر حساسية: مَن الذي فتح الباب؟ بين الأسطورة والواقع حتى الآن، لا يوجد دليل علني يثبت أنّ قاآني كان عميلًا لإسرائيل. وقد يكون كلّ ما يُقال مجرّد حرب نفسية تهدف إلى زعزعة الثقة داخل الحرس الثوري. لكن في الأنظمة الثورية، غالبًا ما تكون الشائعات أخطر من الحقائق. لأنّ النظام الذي بُني على فكرة الولاء المطلق يبدأ في التفكك عندما يدخل الشك إلى صفوفه. في الذاكرة الشيعية، تُستعاد كربلاء كلّ عام لتذكير الناس بخطيئة الخذلان. الرسالة كانت واضحة: لا تكرّروا ما فعله أهل الكوفة. لكنّ التاريخ يحمل درسًا آخر أيضًا. حين تتحوّل السلطة إلى منظومة مغلقة من الأمن والعقيدة، يصبح الخطر الأكبر هو أن يتشابه الحرّاس مع أولئك الذين خانوا في الماضي. حين يتحوّل الحارس إلى موضع شبهة، يصبح الجدار كلّه مهدّدًا بالانهيار ففي النهاية، لم يُقتل الحسين فقط بسيوف خصومه، بل أيضًا بصمت أولئك الذين وعدوا بالنصرة ثم اختفوا. وهذا هو السؤال الذي يهمس به كثيرون اليوم في طهران: إذا كان بعض مَن كتبوا رسائل النصرة في كربلاء قد تراجعوا عند أول اختبار، فهل يمكن أن يتكرّر المشهد في عصر الجمهورية الإسلامية؟ في عالم الاستخبارات، قد لا يكون السؤال الأهم: مَن هو الجاسوس؟ بل سؤال آخر أكثر إرباكًا: كم عدد الذين لا نعرف أنّهم كذلك بعد؟
في لحظاتِ الحروب الكبرى، لا تُكتَب النهاياتُ دائمًا على فوهاتِ المدافع، بل كثيرًا ما تُكتَب في غرفِ التفاهمات. فالحرب، مهما بدت صاخبة، ليست سوى مرحلة تُعيد فيها الدول ترتيبَ مصالحها. ومن هنا يطرح السؤال نفسه اليوم بإلحاح: ماذا لو حدثت الصفقة؟ الحرب الدائرة حول إيران لم تعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية. ثباتُ إيران في مواجهة الضربات المتواصلة أخذ بُعدًا يتجاوز حدودَ الشرق الأوسط. فقد كانت طهران أولَ دولة تقف في وجه الرئيس الأميركي ترامب وتقول له “لا” بشكل مباشر، ثم تمضي في تحدّيه علنًا. هذا التحدي لم يكن سياسيًا فقط، بل تحوّل إلى مواجهة طويلة الأمد تُدار بأسلوب يجعل الخيارات أمام واشنطن ضيقة وباهظة الكلفة. ومع مرور الوقت، بدأ ما كان يُفترض أن يكون ضربة سريعة يتحوّل إلى حرب استنزاف، وهي أخطر أنواع الحروب على أي قوة كبرى، خصوصًا في ظل الحسابات الداخلية والانتخابية. صداه في موسكو وبكين الطريقة التي تُدير بها إيران هذه المواجهة بدأت تُسمَع أصداؤها في عاصمتين كبيرتين تراقبان ما يجري بدقة: موسكو وبكين. فكلٌّ من الرئيس الروسي والرئيس الصيني لم يسبق أن تحدّيا بصورة مباشرة الزخم السياسي الذي يقوده ترامب على المسرح الدولي. لكن ما يحدث اليوم يفتح أمامهما نافذة مختلفة. فصمود إيران يمنحهما فرصة نادرة لرؤية الولايات المتحدة تُستنزَف في ساحة بعيدة عنهما جغرافيًا، لكنها شديدة الحساسية بالنسبة إلى النظام الدولي. وخلال الساعات الأخيرة ظهرت مؤشرات أولية على ذلك. فقد بدأت روسيا والصين بتزويد إيران بمعلومات حول تحركات القوات والسفن والطائرات الأميركية، بما في ذلك صور من الأقمار الصناعية التابعة لهما. صحيح أن هذا الدعم لا يزال محدودًا، لكنه يحمل إشارة واضحة إلى احتمال تطوره إذا استمر الصمود الإيراني. السؤال لم يعد: من سيربح الحرب؟ بل من سيعقد الصفقة أولًا؟ الفرصة التي يراها الآخرون ما يجري يخلق فرصة نادرة أمام روسيا والصين لإبطاء المشروع الدولي الذي يقوده ترامب. فدعمُ إيران، ولو بشكل تدريجي، قد يحوّل الشرق الأوسط إلى ساحة تُستنزَف فيها الولايات المتحدة سياسيًا واقتصاديًا. لكن الحسابات هنا معقدة. فالعلاقات الاقتصادية والسياسية المتينة التي تربط موسكو وبكين بدول الخليج تجعل أي انخراط مباشر في دعم إيران خطوة تحتاج إلى حسابات دقيقة. لهذا تحاول الدولتان السيرَ في خط دقيق بين الاستفادة من الأزمة وعدم خسارة شركائهما في المنطقة. في المقابل، تدرك الولايات المتحدة هذا التوازن جيدًا، ولذلك بدأت بإرسال إشارات سياسية وعروض اقتصادية مغرية إلى موسكو وبكين، في محاولة لإبعادهما عن الصراع بالكامل. الكلفة التي سيدفعها الخليج غير أن الكلفة الأكبر لهذه الحرب لا تقع في العواصم الكبرى، بل في الخليج. فالتقديرات الدبلوماسية تشير إلى أن الحملة العسكرية قد تستمر أسابيع طويلة. مثل هذا السيناريو يعني أضرارًا اقتصادية كبيرة لدول المنطقة، خصوصًا إذا اضطرت بعد الحرب إلى إعادة بناء منظومات الدفاع الجوي وتطويرها. وهذه عملية قد تبتلع مئاتِ المليارات من الدولارات. والمفارقة أن الحرب ما زالت حتى الآن عند مستوى يمكن التحكم فيه. فإيران لم تستهدف بشكل ممنهج قطاع الطاقة في الخليج، رغم أنها تملك القدرة على ذلك. لكن استمرار التصعيد قد يدفع الأمور نحو هذا الاتجاه، وعندها قد تجد بعض الدول العربية نفسها مضطرة إلى الانخراط في الحرب. خطر الحرب الطويلة إذا حدث ذلك، فلن تبقى المواجهة مجرد صراع بين إيران والولايات المتحدة، بل قد تتحول إلى حرب إقليمية طويلة تستنزف الجميع. وقد تتخذ هذه الحرب طابعًا مذهبيًا يزيد من تعقيدها، ويجعلها تمتد إلى مناطق أوسع من الشرق الأوسط، وربما تصل آثارها إلى شرق آسيا وجمهوريات آسيا الوسطى. المشكلة أن دول الخليج لا تستطيع، في وضعها الحالي، أن تطلب من الولايات المتحدة مغادرة أراضيها أو تقليص وجودها العسكري. لكنها، في الوقت نفسه، تدرك أن الحرب التي اندلعت لم تُبنَ أساسًا على مصالحها، بل على حسابات تتعلق بأمن إسرائيل قبل أي شيء آخر. وإذا استمر استهداف الدول العربية بوتيرة أعلى من استهداف إسرائيل، حتى لو كان ذلك لأسباب عسكرية تتعلق باستخدام الطائرات المسيّرة، فقد تجد دول الخليج نفسها في حالة استنزاف تدفعها تدريجيًا إلى الانخراط في الحرب. الحرب تلتهم التنمية عند تلك اللحظة ستكون النتيجة شبه محسومة: موجة هائلة من صفقات إعادة التسلح ستلتهم موارد التنمية لعقود طويلة. وهكذا تتحول الحرب من معركة عسكرية إلى معركة اقتصادية تستنزف رفاه الدول التي بنت استقرارها على التنمية والازدهار. لهذا لم تعد هذه الحرب مجرد معركة حول مستقبل إيران أو موازين القوى في الشرق الأوسط. إنها أيضًا اختبار لقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على مشروعها الدولي. وفي وسط هذا المشهد المعقد، يبرز طريق ضيق لكنه واقعي أمام الدول العربية: فتح مسار دبلوماسي هادئ مع إيران لإدارة الأزمة. ليس بالضرورة اتفاقًا سياسيًا شاملًا، بل تفاهمات عملية تحمي الاقتصاد والطاقة والبنية التحتية، وتضع قواعد اشتباك تقلل من الأضرار. هذا وقت الصفقات مثل هذه التفاهمات ليست غريبة على تاريخ الحروب. فكثير من الصراعات الكبرى كانت تُدار في الخلف عبر تفاهمات غير معلنة تحافظ على خطوط حمراء متبادلة. وفي لحظة كهذه، قد يكون الخيار الأكثر واقعية لدول الخليج هو البحث عن مصالحها أولًا، حتى لو تطلب ذلك تجاوز الحسابات التقليدية للتحالفات. فالتحالفات في السياسة الدولية ليست روابط دائمة، بل ترتيبات تتغير عندما تتغير المصالح. ولهذا قد يكون السؤال الحقيقي اليوم ليس من سيربح الحرب، بل من سيعقد الصفقة أولًا. إنه وقت الصفقات التي تتجاوز الأحلاف.
في لحظةٍ تاريخيةٍ مضطربة، يقف الشرق الأوسط على حافة معادلةٍ معقّدة: لا أحد في العالم العربي يمكنه القبول بالضربات الإيرانية التي طالت أراضي دولٍ عربية، وفي الوقت ذاته لا أحد يرغب في الانجرار ليكون طرفاً في الحرب التي يدفع إليها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضدّ إيران بين هذين الحدّين تتشكّل حالة يمكن وصفها بـ”الحيرة السياسية”، مساحة رمادية نجح نتنياهو في دفع المنطقة كلّها إليها، حيث تبدو الخيارات محدودة والخطأ الاستراتيجي مكلفاً. هذا الصراع المتصاعد ليس وليدَ لحظةٍ عسكريةٍ عابرة، بل نتيجة تراكمٍ طويل من الطموحات التوسعية المتقابلة بين إسرائيل وإيران. غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن سلسلةً من النجاحات الميدانية المحدودة منحت القيادة الإسرائيلية شعوراً متزايداً بما يمكن تسميته “غرور القوّة”. فحين تتحوّل الإنجازات التكتيكية إلى تصوّرٍ استراتيجي عن الهيمنة، يصبح ميزان القرار السياسي أكثر عرضةً للمغامرة. من “الملاذ الآمن” إلى “القوّة المهيمنة” في بدايات الحركة الصهيونية، التي ارتبطت تاريخياً بمشروع تيودور هرتزل الفكري والسياسي، لم تكن الفكرة الأساسية تقوم على بناء إمبراطورية أو فرض نظامٍ إقليمي شامل. كان المشروع في جوهره أكثر تواضعاً: إقامة ملاذٍ قومي آمن لليهود في أرضٍ يستطيعون فيها إدارة مصيرهم بعد قرونٍ من الاضطهاد. غير أن التحولات السياسية والعقائدية داخل إسرائيل، خصوصاً مع صعود التيارات اليمينية القومية والدينية، أعادت تشكيل هذا المشروع في اتجاهٍ مختلف، اتجاه لا يكتفي بالأمن بل يسعى إلى الهيمنة. لقد شكّل الطابع الانعزالي للمجتمع اليهودي تاريخياً أحد مصادر قوته. فالعزلة الثقافية والدينية وفّرت نوعاً من الحصانة الداخلية التي سمحت ببناء هويةٍ متماسكة وقادرة على الصمود. لكن محاولة الانتقال من عقلية “الملاذ الآمن” إلى عقلية “القوّة المهيمنة” تحمل في طياتها خطراً بنيوياً: فالتوسع غالباً ما يقوّض تلك الحصانة التي كانت أساس النجاح الأولي. في السنوات الأخيرة، بدا أن اليمين الإسرائيلي انتقل سريعاً من عقلية الدفاع المحصّن خلف الجدران وأنظمةٍ مثل القبة الحديدية إلى استراتيجيةٍ هجومية تسعى إلى إعادة تشكيل التوازنات العسكرية في الإقليم. عملياتٌ استخبارية دقيقة، ضرباتٌ جراحية، ومحاولات لتفكيك شبكات النفوذ الإيرانية عبر المنطقة. هذا التحوّل عزّز شعوراً داخل بعض الدوائر الإسرائيلية بأن اللحظة مواتية لفرض نظامٍ إقليمي جديد. دروس من التاريخ لكن التاريخ يحمل تحذيراتٍ واضحة. فالنصوص التاريخية التي تروي تمرّد المكابيين في سفر المكابيين تذكر أن التحوّل من تمرّدٍ دفاعي إلى مشروعٍ توسّعي انتهى بانقساماتٍ داخلية وتدخّلٍ خارجي من الإمبراطورية الرومانية، وهي سلسلة أحداث قادت في النهاية إلى تدمير الهيكل الثاني وبدء مرحلة الشتات اليهودي الطويلة. المفارقة أن بعض السرديات السياسية المعاصرة تستحضر هذه النصوص كمصدر إلهام، فيما يتجاهل كثيرون الدروس التي تحملها. في المقابل، فإن قراءة الصراع مع إيران وفق معايير النصر والهزيمة التقليدية قد تكون قراءةً مضلّلة. فإيران بنت استراتيجيتها على مدى أكثر من أربعة عقود على فكرة الصبر الاستراتيجي وطول النفس. وعلى الرغم من الضربات المؤلمة التي تعرّضت لها، بما في ذلك استهداف شخصياتٍ مركزية في منظومة الحكم، فإن قدرة النظام الإيراني على امتصاص الصدمات والالتفاف حولها كانت دائماً جزءاً من حساباته الأساسية. المفارقة أن إيران، منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، كانت تُعِدّ نفسها لمواجهةٍ شاملة مع الولايات المتحدة، بينما كانت إسرائيل تبني منظومتها الاستخبارية والعسكرية لمواجهة النظام الإيراني نفسه. هذا التباين في تصوّرات العدو خلق مسارين مختلفين للاستعداد، لكنه أيضاً يفسّر عمق الصراع الحالي وتشابك أدواته. واقعية وطموح وسط هذه المعادلة المعقّدة، تجد الدول العربية نفسها جالسة على خيطٍ رفيع. فمن جهة، لا يمكن القبول بالاعتداءات الإيرانية التي مسّت سيادة بعض الدول. ومن جهةٍ أخرى، فإن الانخراط في حربٍ إقليمية واسعة تقودها إسرائيل قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها. الحكمة السياسية تقتضي تجنّب الانجرار إلى الصراع، لكن السيادة تفرض في الوقت ذاته إرسال رسالة واضحة بأن أي اعتداء لن يمرّ دون حسابٍ في مرحلة ما بعد الحرب. ولا يقتصر تأثير هذا الصراع على التوازنات العسكرية والسياسية. فاضطراب إمدادات الطاقة العالمية يهدد ركائز الاقتصاد الدولي، خصوصاً في ظل الطفرة التكنولوجية التي تقودها الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو قطاع يعتمد بشكلٍ متزايد على طاقةٍ وفيرة ومنخفضة التكلفة، جزء كبير منها يأتي من الخليج. أي اضطرابٍ طويل في هذه المعادلة قد يضرب أساسات التحوّل الاقتصادي العالمي. هناك أيضاً مفارقة أخرى في بنية النظام الدولي. فبعض الاقتصادات تنمو في بيئة السلام والاستقرار، بينما يعتمد جزء مهم من الاقتصاد الصناعي العسكري في الولايات المتحدة على استمرار التوترات والصراعات. بالنسبة لواشنطن، ليست كل الحروب فشلاً سياسياً بالضرورة؛ أحياناً تتحوّل إلى جزءٍ من نموذجٍ اقتصادي أوسع. أما إسرائيل، فهي تحتاج إلى الأمن والاقتصاد معاً لتوسيع نفوذها. هذا التناقض في المصالح قد يخلق توترات داخل التحالف نفسه إذا طال أمد الحرب. في نهاية المطاف، تبدو المنطقة وكأنها تتحرك داخل مسرحٍ معقّد تتداخل فيه المصالح الاستراتيجية مع الحسابات العقائدية والاقتصادية. لكن ما يحدث خلف الكواليس غالباً ما يكون أكثر أهميةً مما يظهر على الشاشات. حين تتحوّل النجاحات التكتيكية إلى شعورٍ بالهيمنة، يصبح القرار السياسي أكثر ميلاً إلى المغامرة، وعندها يبدأ التاريخ غالباً بكتابة نهاياتٍ لم يتوقّعها أحد من الملاذ الآمن إلى حلم الهيمنة الحقيقة التي قد تتكشف قريباً هي أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلةٍ انتقالية قد تعيد رسم ملامح النظام الإقليمي وربما أجزاء من النظام الدولي أيضاً. فحين تتقاطع طموحات الإمبراطوريات القديمة مع صعود قوى جديدة وتغيّرات اقتصادية عميقة، فإن النتائج نادراً ما تكون قابلة للتوقّع. ولهذا بالضبط، قد تحمل الأيام القادمة مفاجآتٍ تتجاوز كل السيناريوهات التي يتداولها المحللون اليوم.