ما إن تناهى إلى مسامع جهاتٍ حزبيةٍ معروفة تحضيرُ سكان حيّ البرغوث في صيدا لتوقيع عريضةٍ ترفض إعادة بناء “مجمع الزهراء”، وتقديمها إلى وزير الداخلية ونواب المدينة وقواها السياسية والاجتماعية قاطبةً، لمنع إعادة إعمار المجمع بالشكل الذي كان عليه، حتى رصدت مصادر أهلية متابعة إطلاقَ حملةِ تحشيدٍ طائفيةٍ وشعبويةٍ لشدّ العصب المذهبي، وجمع التبرعات بسرعة بهدف البدء بإطلاق ورشة إعمار المجمع دون انتظار أحد. وفي هذا الإطار، تداول ناشطون مقاطعَ صوتيةً لشخصياتٍ معروفةٍ ومجهولة، إضافةً إلى بياناتٍ وُزّعت على نطاقٍ واسع على مجموعات واتساب، تدعو إلى تحفيز تقديم التبرعات لبناء المجمع، وتهاجم وتخوّن وتشتم كلَّ من قد يعترض هذه الخطوة من أهالي صيدا الأصليين الرافضين لها. أسلوبٌ قديمٌ مكشوف، بات مدعاةً للسخرية أكثر ممّا يستدعي الاستفزاز، وهو اتهام كلّ معارضٍ بالعمالة والصهيونية والإمبريالية العالمية، وصولًا إلى حدّ القذف بالنجاسة. قد يسكت أغلب سياسيّي صيدا وقواها عن القيام بأيّ تحرّكٍ حيال هذا الأمر، لأسبابٍ عديدةٍ تتوزّع بين الخوف والانبطاح والسذاجة والغفلة، لكن الأكيد أنّ جلّهم، كما أكثرية الصيداويين، يعلمون جيّدًا في داخلهم أنّ “مجمع الزهراء” لم يكن يومًا دارَ عبادةٍ فحسب، فالكثير من أهل المدينة الذين لا يزالون أحياءً يروون الكثير من الأحداث التي جرت معهم في أقبِيته وبين غرفه المظلمة. لو كان هذا الأمر في قريةٍ مسيحيةٍ في أعالي جرود جبيل، لكان الكلام مختلفًا، لكن في صيدا، حيث لا أحد يجرؤ على قول الحقّ والحقيقة، ستسلك القضية منحًى مختلفًا، لكنه لن يختلف عمّا تشهده المدينة منذ سنين من تغييرٍ في الهوية والديموغرافيا، لا يُتطرّق إليه إلا في البيوت وعلى كراسي المقاهي.
علمت جريدة “البوست” من مصادر أهلية متابعة أن تحرّكًا جديًّا يتبلور في حيّ البرغوث، جنوب مدينة صيدا، ولا سيما في المنطقة الملاصقة لما يُعرف بـ”مجمع الزهراء”، الذي سوّاه العدوان الإسرائيلي الأخير بمعظمه بالأرض، وذلك لمنع إعادة تشييده من جديد، على خلفية الأضرار الكبيرة التي لحقت بالأهالي نتيجة وجوده في منطقة سكنية وجامعية ومدرسية مكتظّة، بما يجعل حياة آلاف المدنيين عرضةً لخطر دائم. وبحسب المعطيات، فإن سكان المنطقة يعتزمون التوجّه إلى محافظ الجنوب، وكذلك إلى القوى السياسية في المدينة، عبر عريضة جامعة موقّعة من الأهالي، للمطالبة بالضغط على الجهات المعنية، والعمل لدى قيادة حزب الله لمنع إعادة بناء المجمع في الموقع نفسه. ويستند الأهالي في تحرّكهم إلى قناعة راسخة بأن هذا المجمع لم يكن يومًا مجرّد مركز ديني للعبادة، بل شكّل، وفق توصيفهم، تجمّعًا حزبيًّا ذا طابع سياسي ومذهبي واضح، خلّف على مدى وجوده إشكالات متعدّدة مع محيطه، بسبب ما كان يرافقه من ممارسات أثارت اعتراضات واسعة في المنطقة. وفي ظل هذا الواقع، يضع الأهالي مطلبهم في إطار حقّهم الطبيعي في حماية بيوتهم وأولادهم ومحيطهم المدني من أيّ إعادة إنتاج لعناصر التهديد نفسها، رافضين أن تبقى الأحياء السكنية والمساحات التعليمية مكشوفةً على احتمالات الاستهداف والمخاطر الناتجة عن حسابات حزبية لا يدفع ثمنها إلا السكان. فهل تنجح هذه الضغوط في فرض أولوية سلامة المدنيين، ومنع عودة موقعٍ يراه الأهالي خطرًا مباشرًا على حياتهم واستقرارهم؟
لم يعد جائزًا لرئيس بلديّة صيدا ولا لمجلسها الحالي أن يختبئ خلف الأعذار الواهية لتبرير ما يجري في المدينة. ما يحصل لم يعد تفصيلا عابراً، ولا مخالفةً يمكن التستّر عليها، إنه مسارٌ خطيرٌ من التفكّك والانكفاء والتواطؤ الصامت، سيدفع ثمنه أهل صيدا وحدهم لاحقا إن لم يعالج من اليوم، فيما سيتحمّل مصطفى حجازي، ومعه كلّ من تولّى أو غطّى أو سكت، مسؤوليّة الصدام الآتي. المدينة اليوم أمام مشهدٍ مقلقٍ ومهين. تعدّيات تتمدّد، وفوضى تتكاثر، ووجوهٌ غريبة عن نسيج صيدا تفترش الشوارع والأرصفة والمساحات العامّة، بلا حسيبٍ ولا رقيب، فيما البلديّة تقف في موقع المتفرّج العاجز، أو المتواطئ الخانع، وكأنّ ما يجري لا يعنيها. والأخطر أنّ هذا المشهد لم يعد هامسًا في المجالس الضيّقة، بل صار على كلّ لسان، يتداول به الناس بقلقٍ وغضبٍ ومرارة. المفارقة الفاضحة أنّ المدينة نفسها كادت تقوم ولا تقعد سابقًا بسبب تراخيص مُنحت لـ”كيوسكات” محدّدة، استوفيت عنها رسوم بلديّة مقطوعة، يومها ارتفعت الأصوات، وامتلأت المنابر بالاعتراضات والاعتراضات المضادّة، أمّا اليوم، ومع اجتياحٍ أكثر وقاحةً وخطورة، فقد خرس كثيرون، وابتلعت الألسن نفسها التي كانت لا تهدأ. الأشدّ استفزازًا أنّ بعض أبناء صيدا، حين حاولوا في مراحل سابقة فتح أكشاكٍ أو نصب خيمٍ أو الاستفادة من مساحةٍ هنا أو هناك، وُوجهوا بالقمع والمنع والتشدّد. أمّا اليوم، فالمشهد معكوس، البلدية نفسها التي شدّدت على أهل المدينة، تنحني أمام هجمةٍ وافدة تتمدّد على الطرقات، وتحتلّ الأملاك العامّة، وتفرض مشهديّةً نافرةً وغريبة، بأوشامها وسلوكها الفجّ، تُدفع بصيدا، نحو صورةٍ هجينةٍ لا تشبهها، أقرب إلى نسخةٍ منقحة عن “حيّ السَّلَم” وتشعّباته. والكل يعلم أن قصصهم غالبا ما تبدأ ب”إسبرس” ومقهى وكراسي ونرجيلة…وتنتهي بطغيان. إن استمرار هذا الواقع لا يفتح باب الفوضى فحسب، بل يفتح بابين معًا، كلاهما أسوأ من الآخر: إمّا أن يشعر أهل المدينة بأنّ من حقّهم هم أيضًا التعدّي، ما دام القانون لا يُطبَّق إلا انتقائيًّا، وإمّا أن تنزلق الأمور إلى احتكاكاتٍ وصداماتٍ مباشرة بين أبناء المدينة والمخالفين الجدد من الوافدين، على قاعدة أنّ ما سُمِح لهؤلاء حُرِّم على غيرهم. الذي يجري اليوم على الكورنيش البحري، والتعديات أمام مراكز الإيواء، وصفةٌ جاهزة لإشعال نزاعٍ أهليٍّ واجتماعيٍّ داخل مدينةٍ مثقلة أصلًا بالأزمات. وليست المسألة هنا شكلًا أو ذوقًا أو حساسيّاتٍ مناطقيّة، بل هيبة مدينة، وحقّ أهلها في شوارعهم، ومفهوم القانون نفسه: هل هو قانونٌ على البعض فقط، أم على الجميع؟ لا تخدعكم ابتساماتُ النفاق تحت عدسات الكاميرات، ولا العباراتُ الإنشائية، ولا شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”. هذه حجّة الجبناء دائمًا حين يريدون إسكات الناس عن حقوقهم. الحقيقة أبسط وأوضح، صوت الحقّ يعلو، ولا يُعلى عليه. ومن حقّ صيدا أن تسأل، وأن تغضب، وأن ترفض تحويلها إلى مدينةٍ مستباحة باسم “الخنوع البلدي” والتواطؤ المقنّع من جميع الساكتين.