الفسادُ لا دينَ له، تمامًا كما الإجرامُ والاختلاساتُ والسَّرِقاتُ والتوحُّش. قِيَمٌ مجرَّدةٌ لا تحدُّها مناطقُ أو أصنافٌ أو مجتمعات، ومن كثرةِ ما بتنا نعيشُها هذه الأيام، صار الشُّعورُ الإنسانيُّ العامُّ وكأننا نعيشُ في “غابة”، وكأننا في آخرِ الزَّمن. في عالمِ السياسةِ لا وجودَ للصُّدَف، لا سيّما في بلدٍ كلبنان. حينها تصبحُ الصدفةُ تفسيرًا لعدمِ القدرةِ على التفسير. في صيدا أسئلةٌ كثيرةٌ هذه الأيام، لكن يبقى السؤالُ الأكبرُ على ألسنةِ الناس: من يقفُ وراءَ ما جرى؟ ولماذا الآن؟ ومن “يُحرِّتِق” على البلدية ويُصوِّبُ في مختلفِ الاتجاهاتِ السياسيةِ والاجتماعيةِ والاقتصاديةِ والإنمائية؟ تنوعتِ التكهناتُ عمَّن يقفُ حقيقةً وراءَ ما جرى في صيدا مؤخرا، ومع التأكيدِ بأنَّ “دودَ الخلِّ منُّو وفيه”، علمت جريدةُ “البوست” من مصادرَ سياسيةٍ مطّلعةٍ أن ما حصل كان من خارجِ المدينة، وجاء “كردِّ فعلٍ” لما شهدته البلديةُ نفسها وتحديدا مكتب رئيسها من “حدثٍ” قبل نحوِ أسبوعٍ من اندلاعِ سلسلة الاكتشافات عن فسادٍ واختلاساتٍ في الصندوقِ الماليِّ للبلدية. ولفتتِ المصادرُ إلى أنه، قبل إقفالِ الملفِّ بساعاتٍ قليلةٍ على تسويةٍ كانت تقضي بإعادةِ الفوارقِ الماليةِ إلى الصندوق وتُختَمُ القضيةُ ضمن إطارِها الداخلي، حصلتِ المداهماتُ والتوقيفات، وتبعها تقاريرُ إعلاميةٌ مضخَّمةٌ وتسريباتٌ على تلفزيوناتٍ عادةً لا تلقى اهتمامًا بمواضيعَ محليةٍ كتلك. وربطت هذه المصادرُ المتابعةُ بين رفضِ البلديةِ للهِبةِ التي كانت ستُقدَّمُ من قبل مؤسسةِ “الوليدِ بن طلال الاجتماعيةِ” لإنارةِ شارعِ رياض الصلح، وبين ما حصل في البلدية لاحقًا، معتبرةً أن ذلك كان ردًّا مباشرًا على موقفِ المجلسِ البلديِّ من الموضوع وتعاطيه معه، وهو أمرٌ لم تمرِّره “صاحبةُ” العلاقةِ المباشرة. كم هي غريبةٌ هذه الحياةُ التي نعيشُها، حين يُحارِبُ الفسادُ ممَّن اتُّهِمَ يومًا بالفساد، وكان نزيلًا في إحدى غرفِ “الريتز”. أمورٌ كبيرةٌ على صيدا وناسِها البسطاء الطيّبين. أمورٌ يجدُ شرطيُّ بلديةٍ كأحمد أبو زينب نفسَه وأمثاله ضحيةً لها، وهو لا ناقةَ له فيها ولا جمل، تمامًا كما أطفاله المحرومون من شراءِ حفّاضات، لا لشيءٍ إلا لأنهم وقودُ “لعبةِ الكبار” و”مونوبوز النساء”.
عَلِمَتْ “البوست” أنَّ مفاوضاتِ الساعاتِ الأخيرةِ الماضية بين المعنيّين بالموضوع أفضت إلى إيجادِ حلٍّ قانونيٍّ صاغَهُ محامي بلدية صيدا، يقضي بتحريرِ رواتبِ موظّفي البلدية، وتمكينِهم بالتالي من قبضِ مستحقّاتهم التي مُنعوا من تحصيلِها حتى اليوم بسببِ تَخوُّفِ الموظّفين المعنيّين بدفعِ المستحقّات من الصندوقِ الماليِّ للبلدية، بعد موجةِ التحقيقاتِ بقضايا اختلاسٍ وفسادٍ مؤخراً. وبحسب المعلومات، فإنّ الصيغةَ القانونيةَ التي جرى التوصّلُ إليها جاءت لضمانِ سلامةِ الإجراءاتِ المالية والإدارية، وحمايةِ حقوق الموظّفين، بما يُعيدُ انتظامَ العملِ داخل البلدية ويُخفّفُ من حالةِ القلق التي سادت في أوساطِ الموظّفين خلال الفترة الماضية، ريثما تستكمل التحقيقاتُ مسارَها القانونيّ بعيداً عن تعطيلِ الحقوقِ الماليةِ المستحقّة.
قبل ساعاتٍ فقط من إقفال ملفّ “الاختلاس” الذي شهدته بلدية صيدا مؤخرًا على صيغةٍ هادئة تُبقي الموضوع في إطار اللفلفة الإدارية الداخلية، أقدم جهازُ أمنِ الدولة على مداهمةٍ “سينمائية”، فاقتحم مؤسسةً عامةً بشكلٍ غير مسبوقٍ في الشكل والمضمون، ليخرج الملفّ من عِقاله عبر أخبارٍ وتسريباتٍ ومبالغاتٍ حوّلت المدّعين إلى متّهمين، وأساءت إلى سمعة المدينة وموقعها وصيتها. الأسئلةُ التي تتردّد اليوم بكثرةٍ في أروقة البلدية والمدينة، كما في أذهان الناس والأعضاء أنفسهم، من قام بذلك؟ وهل الموضوع مقصود، أم دعسةٌ ناقصةٌ غير محسوبة العواقب فاقمت الأمر، وقد تكون سببًا لفتح ملفاتٍ كثيرةٍ شابت العمل الإداري والمالي في البلدية منذ سنوات؟ في هذا الإطار، توقّفت مصادرُ صيداويةٌ متابعةٌ لـ”البوست” عند تركيز الاهتمام من قبل وسائل إعلامٍ من خارج المدينة، ولا سيّما إحدى محطّات التلفزة ذات الطابع الطائفي المُعيَّن، على ما حصل مؤخرًا، مستغرِبةً هذا الاهتمام المستجدّ بعاصمة الجنوب، الذي لا يتمظهر إلا في الجوانب السلبية للمواضيع، وكأنّ هناك أياديَ خفيّةً تُحرّك هذا الملفّ لمآرب قد تكون مناطقية وسياسية، ردًّا على موقفٍ اتّخذته البلدية مؤخرًا. وترى هذه المصادر أنّ زجَّ أسماء موظّفين وأعضاء بعينهم في تقارير إعلامية مبالغٍ فيها، إضافةً إلى زجّ اسم رئيس البلدية السابق في هذا الموضوع، على الرغم من أنّ التحقيقات خلصت إلى حصر الموضوع برمّته بموظّفةٍ واحدةٍ، وبمبلغٍ لا يتعدّى 10,000 دولار، هو محاولةٌ غير بريئة لضرب سمعة المدينة بأكملها، لا البلدية فحسب، تحت عناوين محقّة يُراد بها باطل.