علمت «البوست» من مصادر سياسيّة مطّلعة أنّ رئيسَ إحدى البلديّات المحيطة بمدينة صيدا دخل على خطّ ملف معمل فرز ومعالجة النفايات في المدينة، متولّيًا دور الوسيط السياسي لدى وزارة الماليّة لدفع المبالغ المستحقّة للمعمل، في خطوة وُصفت بأنّها خارجة عن نطاق الصلاحيّات البلديّة المباشرة. وبحسب معلومات دقيقة، فإنّ رئيس البلديّة، المعروف بنشاطه الميداني، فاتح وزير الماليّة ياسين جابر بهذا الملف، مستندًا إلى تقاربٍ سياسيّ بين الطرفين، وسأل صراحة عن إمكانيّة صرف مستحقّات المعمل المتراكمة. غير أنّ ردّ جابر جاء حاسمًا، إذ أكّد أنّ صرف أيّ أموال غير وارد في المرحلة الراهنة، في ظلّ عدم استقرار وضع المعمل، وكثرة التساؤلات المثارة حول إدارته، وأدائه، وملفّاته الماليّة. وتلفت مصادر متابعة إلى أنّ هذه الوساطة لا يمكن فصلها عن محاولات إعادة تعويم المعمل ماليًّا قبل حسم الإشكاليّات العالقة المرتبطة به، ولا سيّما في ظلّ تصاعد الانتقادات الشعبيّة والبلديّة لأداء المعمل وكلفته وجدواه. ويبقى السؤال الأشدّ إحراجًا، ما الذي يدفع رئيس بلديّة لا يدخل المعمل ضمن نطاق مسؤوليّاته وصلاحيّاته، إلى لعب دور الواجهة السياسيّة لهذا الملف؟وهل ما يجري مجرّد «مسعى حسن نيّة»، أم حلقة في مسار ضغطٍ منظّم لفتح خزائن الدولة قبل فتح دفاتر المعمل؟
يتقدّم شهر شباط المقبل كموعدٍ ساخن في روزنامة بلدية صيدا، لا بوصفه استحقاقًا إداريًا روتينيًا، بل كنقطة اشتباك سياسي ـــ قانوني مكتوم، عنوانه تجديد عقد التوكيل القانوني للمحامي حسن شمس الدين، محامي البلدية منذ سنوات، ببدل أتعاب لا يتجاوز 1 دولار سنويًا. فبحسب معلومات خاصة بـ«البوست»، تدور في كواليس المجلس البلدي حركة حشد منظّمة يقودها عدد من الأعضاء المحسوبين على قوّة سياسية محلية، هدفها الواضح: عدم التجديد لشمس الدين، الذي يُنظر إليه داخل أروقة البلدية على أنه رأس الحربة القانونية وعرّاب ملفات شائكة راكمت حساسيّتها مع الوقت. مصادر مطّلعة تربط هذا التحرّك بمحاولات تحجيم الدور القانوني للبلدية أكثر مما هو اعتراض على شخص المحامي أو أتعابه الرمزية، إذ إن شمس الدين كان حاضرًا في ملفات نزاعية وقرارات مفصلية لم تكن محلّ إجماع سياسي، ما جعله، عمليًا، هدفًا مباشرًا لمحاولة كسر ذراع البلدية القانونية. وفي حال طُرح الاعتراض رسميًا داخل المجلس، تشير المعطيات إلى أنّ الملف سيُحال إلى التصويت، حيث يُرجّح أن ينال شمس الدين الأكثريّة، في ظلّ عدم ممانعة رئيس البلدية من حيث المبدأ إدخال اسم محامٍ إضافي للعمل مع البلدية، شرط أن يقبل ببدل الأتعاب نفسه… 1 دولار سنويًا. سؤال مفتوح على معركة هادئة في الشكل، لكنّها عميقة في الجوهر، وقد ترسم حدود النفوذ داخل بلدية صيدا في المرحلة المقبلة.
في مدينةٍ اعتادت على الأزمات الثقيلة والملفات الشائكة، لم يعد ارتفاع منسوب الانتقاد السياسي حدثًا استثنائيًا بحدّ ذاته، بقدر ما بات السؤال يتعلّق بشكل هذا الانتقاد، وتوقيته، وحدوده. ففي الأسابيع الأخيرة، لوحظ تصاعد نبرة الملاحظات والانتقادات التي يوجّهها النائب أسامة سعد إلى المجلس البلدي لمدينة صيدا، لكنّها ملاحظاتٌ تُدار في معظمها عبر منصّات التواصل الاجتماعي، وتحديدًا من خلال التعليق على صور ومنشورات، أكثر ممّا تُترجم إلى مواقف سياسية مباشرة أو خطوات مساءلة فعلية. معارضة بلا مواجهة بحسب مصادر صيداوية متابعة، فإن ما يُقدَّم على أنّه تصعيد سياسي لا يتجاوز عمليًا حدود «الوقوف على الدَّقرة»، لكن هذه المرّة في الفضاء الافتراضي. فالنائب الذي يمتلك حضورًا سياسيًا طويلًا في المدينة، اختار إدارة خلافه مع البلديّة من الزاوية الأسهل: انتقاد الأداء البلدي من دون الذهاب إلى أصل المشكلة أو تسمية المسؤوليات الأوسع، وكأنّ المجلس البلدي بات الحلقة الأضعف التي يمكن شدّها انتخابيًا من دون دفع أثمان سياسية حقيقية. وتتساءل المصادر عن مغزى هذا التوقيت تحديدًا، في ظل اقتراب الاستحقاق الانتخابي النيابي، وبدء تلمّس خطوط أولية لخارطة التحالفات المقبلة. فهل ما يجري هو دفاع فعلي عن حقوق الناس، أم محاولة لشدّ العصب الشعبي عبر معركة منخفضة السقف، لا تُغضب أحدًا في مواقع القرار؟ عشرون عامًا… ماذا بعد؟ السؤال الأكثر إحراجًا، والذي يتجنّبه الخطاب الشعبوي، يتعلّق بما قُدِّم فعليًا لمدينة صيدا خلال أكثر من عقدين من العمل النيابي. فإذا كان المجلس البلدي بهذه الصورة التي تُسوَّق للرأي العام، فأين كانت المعالجات السياسية طوال هذه السنوات؟ ولماذا يُستحضر الخلل اليوم، وبهذه الصيغة تحديدًا، بدل تحويله إلى ملف مساءلة مؤسساتية واضحة؟ الأكثر إرباكًا أنّ داخل المجلس البلدي نفسه، يوجد أعضاء محسوبون سياسيًا على النائب سعد، وفي مقدّمهم أبو سلطان الدندشلي. وهنا يطرح السؤال نفسه بقسوة: إن كانت التجاوزات بهذا الحجم، لماذا يستمر هؤلاء في مواقعهم؟ ولماذا لا يبادرون إلى الاستقالة وكشف الوقائع للرأي العام، بدل الاكتفاء بمشهدية الانتقاد من الخارج؟ في الكواليس، لا تنفصل هذه الحملة عن التوتّر القائم بين النائب سعد ورئيس البلديّة مصطفى حجازي. فبحسب مطّلعين، تعود جذور الخلاف إلى الإشكال الذي حصل مع بائعي بسطات السمك، والذي شكّل نقطة تحوّل في العلاقة بين الطرفين. ومنذ ذلك الحين، يتحدّث أكثر من مصدر عن قطيعة غير معلنة، تُرجمت بتجاهل الاتصالات وبتحوّل الخلاف الإداري إلى نزاع سياسي مكتوم. ويذهب البعض أبعد من ذلك، معتبرين أنّ هذا الملف هو الورقة الأخيرة المتاحة أمام سعد في المرحلة الحالية، لشدّ عصب جمهوره التقليدي، في ظل غياب ملفات كبرى يمكن الاستثمار فيها سياسيًا، أو معارك حقيقية مع مراكز القرار الفعلي. معركة بلا كلفة يبدو أنّ صيدا أمام مشهد مألوف في السياسة اللبنانية، معارضة مرتفعة الصوت ومنخفضة السقف، تُدار حيث لا خطر، وتُخفَض حيث تصبح المواجهة مكلفة. فحين تُستبدل المحاسبة الفعلية بالتعليق تحت الصور، وتُختصر السياسة بمنشور غاضب، يتحوّل المجلس البلدي إلى ساحة تدريب انتخابي، لا أكثر. ويبقى السؤال الأهم، هل تحتاج صيدا إلى مزيد من الضجيج الافتراضي، أم إلى معارك حقيقية تُخاض حيث يجب، وبمنطق تحمّل المسؤولية لا تسويق الغضب؟