حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) skip render: ucaddon_box_testimonial لذلك، فإن موته المفاجئ، مساء أمس السبت 11 يوليو/تموز 2026، عن 71 عامًا، لا يمكن أن يُقرأ بوصفه حدثًا شخصيًا أو صحيًا عابرًا، خصوصًا أنه جاء في ذروة مواجهة مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، وبعد أيام من تصاعد الحديث عن مخططات إيرانية لاغتيال مسؤولين أميركيين. وهكذا، سيكون السؤال الأكثر حساسية: هل يمكن أن تكون إيران قد اغتالت ليندسي غراهام؟ مرض قصير المعلومة الرسمية الوحيدة حتى الآن هي أن غراهام توفي إثر «مرض قصير ومفاجئ»، وفق البيان الصادر عن مكتبه. ولم يكشف البيان طبيعة المرض، أو مكان الوفاة، أو ما إذا كان السيناتور قد نُقل إلى المستشفى، كما لم يُعلن عن نتائج فحوص طبية أو تشريح للجثمان. قد لا يشكّل هذا الغموض دليلًا على وقوع اغتيال، لكنه يترك مساحة واسعة للتكهنات، لا سيما أن غراهام كان قد ظهر سياسيًا وإعلاميًا قبل أسابيع قليلة من وفاته، وعاد حديثًا من جولة خارجية شملت كييف وأنقرة، كما أعلن، في العاشر من يوليو/تموز، قبل وفاته بيوم واحد، التوصل إلى تفاهم مع إدارة ترامب بشأن تشريع يستهدف الدول التي تشتري النفط والغاز الروسيين. وبالتالي، لا توجد معلومات أو مؤشرات موثقة عمّا إذا كان يعاني مرضًا عضالًا أو حالة صحية معروفة تهدد حياته. فرضية الاغتيال لا يستند الحديث عن احتمال تورط إيران في عملية اغتيال، حتى الآن، إلى دليل جنائي أو اتهام رسمي أميركي. فلا البيت الأبيض، ولا مكتب التحقيقات الفيدرالي، ولا شرطة الكابيتول أعلنوا فتح تحقيق في شبهة اغتيال، كما لم تعلن عائلة غراهام أو مكتبه وجود ظروف مريبة أحاطت بوفاته. غير أن الفرضية تستمد قوتها السياسية من هوية الرجل وتوقيت موته. فغراهام لم يكن خصمًا عاديًا لطهران. كان من أبرز الداعين إلى تدمير قدراتها النووية والعسكرية، وضرب منشآتها النفطية، وتغيير نظامها السياسي. كما كان من أكثر الشخصيات ضغطًا على ترامب لدفعه نحو الخيار العسكري. ووصفته تقارير أميركية بأنه أحد أكثر الأشخاص قدرة على إقناع الرئيس بتوجيه ضربات إلى إيران، فيما طالب، بعد الحرب، بـ«إنهاء المهمة» إذا لم تتراجع طهران، بما في ذلك استهداف جزيرة خرج وفتح مضيق هرمز بالقوة. سجل إيراني تزداد الشكوك بسبب سجل العمليات المنسوبة إلى إيران خارج أراضيها. فقد اتهمت حكومات غربية، خلال السنوات الماضية، أجهزة إيرانية بالتخطيط لاغتيال أو خطف معارضين ومسؤولين وشخصيات مرتبطة بإسرائيل والولايات المتحدة، والاستعانة أحيانًا بشبكات إجرامية لتنفيذ عمليات يصعب ربطها مباشرة بطهران. كما ظلت إيران تتوعد بالانتقام من المسؤولين عن اغتيال قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني عام 2020، وفي مقدمتهم ترامب وعدد من أعضاء إدارته السابقة. وقد تصاعدت التحذيرات الأمنية المتعلقة بسلامة ترامب نفسه قبيل وفاة غراهام، وسط تقارير عن معلومات إسرائيلية بشأن تهديدات إيرانية جديدة. لكن الانتقال من وجود نية إيرانية عامة للانتقام إلى الجزم باغتيال غراهام يحتاج إلى أدلة لا تتوافر حتى الآن: تقارير سموم، أو تسجيلات، أو اتصالات استخباراتية، أو تحركات لعملاء، أو إعلان رسمي عن فتح تحقيق جنائي. اغتيال صامت إذا افترضنا أن الوفاة لم تكن طبيعية، فمن غير المرجح أن تختار إيران عملية صاخبة كالقتل بالرصاص أو التفجير داخل الولايات المتحدة. فمثل هذه العملية ستُعدّ إعلان حرب مباشرًا، وقد تمنح ترامب مبررًا واسعًا لضرب إيران. السيناريو الأكثر خطورة سيكون استخدام وسيلة تجعل الوفاة تبدو طبيعية: مادة سامة بطيئة أو سريعة المفعول، أو عامل بيولوجي أو كيميائي يسبب أعراضًا تشبه أزمة قلبية أو مرضًا مفاجئًا. لكن هذا السيناريو، رغم إمكانه النظري، شديد التعقيد. فالسيناتور الأميركي يخضع لحماية وإجراءات أمنية، كما أن تحركاته واجتماعاته الخارجية تُراقب. وأي عملية من هذا النوع تحتاج إلى اختراق دائرته القريبة، أو الوصول إلى طعامه، أو شرابه، أو أدويته، أو متعلقاته الشخصية. وكلما زاد التعقيد، ارتفع احتمال ترك آثار استخباراتية أو جنائية يمكن للأجهزة الأميركية اكتشافها. لماذا غراهام؟ قد يبدو استهداف رئيس أو وزير دفاع أكثر أهمية من اغتيال سيناتور. لكن غراهام امتلك قيمة مختلفة؛ فقد كان حلقة وصل بين ترامب والمؤسسة الجمهورية التقليدية، وبين البيت الأبيض وإسرائيل، وبين الخطاب السياسي والقرار العسكري. كان يستطيع تحويل المطالب الإسرائيلية إلى مواقف داخل الكونغرس، وتقديم التصعيد مع إيران باعتباره دفاعًا عن الأمن الأميركي، لا مجرد استجابة لمصالح تل أبيب. كما مثّل امتدادًا لمدرسة السيناتور الراحل جون ماكين، التي ترى أن القوة العسكرية الأميركية يجب أن تُستخدم لمنع خصوم واشنطن من تغيير النظام الدولي. اغتيال شخصية كهذه، إذا ثبت، لا يزيل مسؤولًا واحدًا فقط، بل يرسل رسالة إلى عشرات المشرّعين: إن دعم الحرب على إيران قد تكون له تكلفة شخصية. بالنسبة إلى إسرائيل، يمثل موت غراهام خسارة سياسية لا تقل أهمية عن خسارة مسؤول داخل حكومتها. فقد كان أحد أوثق حلفائها في مجلس الشيوخ، ودافع عن حقها في استخدام القوة، ورفض تقييد المساعدات العسكرية المقدمة إليها، ودعا إلى التعامل مع إيران بوصفها تهديدًا وجوديًا يجب القضاء على قدراته، لا احتواءه. غيابه يعني أن إسرائيل فقدت أحد أبرز الأصوات القادرة على مخاطبة ترامب بلغته، وعلى إقناع الجمهوريين بأن أمن إسرائيل جزء مباشر من الأمن القومي الأميركي. لكن موته قد يؤدي أيضًا إلى نتيجة عكسية. فإذا نشأت شبهة جدية بوقوف إيران وراء الوفاة، فقد يتحول غراهام إلى رمز سياسي، وتصبح مواقفه المتشددة وصية يتبناها آخرون، ما يمنح إسرائيل موجة تعاطف ودعم جديدة داخل واشنطن. إنّ التأثير السياسي لموت غراهام سيتوقف على طبيعة الوفاة. فإذا بقيت مصنفة رسميًا كمرض مفاجئ، فسيبقى رحيله خسارة فردية يمكن للحزب الجمهوري احتواؤها عبر تعيين بديل في مقعده. أما إذا ظهرت أدلة على اغتياله، فإن ترامب سيجد نفسه أمام اختبار لا يستطيع تجاهله. فعدم الرد سيُقدَّم باعتباره ضعفًا، بينما قد يدفع الرد العسكري الواسع الولايات المتحدة إلى حرب أكثر خطورة. المستفيد الأكبر قد تبدو إيران المستفيد المباشر من اختفاء أحد أشد خصومها، لكنها قد تكون الخاسر الأكبر إذا أحاط الشك بالوفاة. فأي دليل على مسؤوليتها سيمنح الإدارة الأميركية مبررًا للانتقال من حرب محدودة أو عمليات عسكرية محسوبة إلى حملة تستهدف بنية النظام الإيراني نفسه. كما سيضعف الأصوات الجمهورية المطالبة بإنهاء الحروب الخارجية، ويعيد توحيد الحزب خلف خطاب الانتقام والقوة. بل إن مجرد انتشار الاعتقاد بأن طهران اغتالته، حتى قبل ظهور أدلة قاطعة، قد يجعل البيئة السياسية الأميركية أكثر عدائية تجاه إيران. وفي المقابل، قد تستفيد التيارات الانعزالية داخل حركة «أميركا أولًا» من غيابه، إذ كان غراهام يمثل المدرسة الأكثر تدخلًا وحماسة للحروب داخل معسكر ترامب، ويواجه انتقادات من جمهوريين يرون أنه يدفع الرئيس إلى حروب لا يريدها ناخبوه. غياب التفاصيل الطبية قد يثير الأسئلة، لكنه لا يصنع دليلًا. وتزامن الوفاة مع الحرب يمنحها دلالة سياسية، لكنه لا يحوّل المصادفة إلى مؤامرة. فهل ستكشف السلطات الأميركية طبيعة المرض الذي أنهى
في القراءة السطحية لسياسات دونالد ترامب، تبدو تحرّكاته في نظر كثيرين متقلّبة أو اندفاعية. لكن هذا الانطباع يُخفي تصورًا أكثر ترابطًا، يقوم على التعامل مع الطاقة بوصفها أداة جيوسياسية، وعلى تحويل بؤر التوتر إلى أوراق ضغط في المواجهة مع الصين ما يُساء فهمه ليس فقط طبيعة التصعيد مع إيران، بل أيضًا كيفية إدراج ملفات بعيدة جغرافيًا، مثل فنزويلا، ضمن المعادلة نفسها. فهذه الملفات لا تتحرك، في هذا المنظور، كأزمات منفصلة، بل كعناصر متكاملة داخل استراتيجية واحدة، هدفها النهائي إعادة تشكيل ميزان القوى العالمي عبر التأثير في شرايين الطاقة ومساراتها. رافعة النفوذ منذ البداية، تعامل ترامب مع ملف الطاقة باعتباره رافعة نفوذ عالمي، لا مجرد قطاع اقتصادي. وهذا ينسجم مع نزعة أميركية قديمة سعت إلى الحد من قدرة تحالفات المنتجين، وفي مقدمها OPEC+، على التأثير المنفرد في أسعار النفط العالمية. فاستقلال القرار النفطي للدول المنتجة، وتنسيقها فيما بينها، شكّلا تاريخيًا تحدّيًا لواشنطن، التي حاولت دائمًا كسر هذا الاحتكار أو على الأقل تحييده. من هنا، يمكن قراءة استراتيجية ترامب على أنها محاولة لإعادة توزيع أدوات التأثير في السوق، بحيث لا تبقى الأسعار رهينة تكتلات المنتجين وحدها، بل تصبح خاضعة لتوازنات أوسع تمتلك الولايات المتحدة قدرة أكبر على إدارتها أو التأثير فيها. في هذا السياق، يبرز مضيق هرمز بوصفه نقطة اختناق مركزية في النظام الطاقوي العالمي. فالمضيق ما يزال معبرًا حاسمًا للتجارة النفطية والغازية، وتذهب النسبة الأكبر من تدفقاته إلى الأسواق الآسيوية، فيما تُعدّ الصين، إلى جانب الهند واليابان وكوريا الجنوبية، من أبرز المتلقين لهذه الإمدادات. لذلك، فإن أي تهديد مستدام لحركة العبور فيه ينعكس مباشرة على الاقتصادات الآسيوية أكثر مما ينعكس على الولايات المتحدة نفسها. من مضيق هرمز إلى نفط فنزويلا، لم تكن أزمات ترامب متناثرة، بل أجزاءً من استراتيجية واحدة: نقل التحكم بشرايين الطاقة من المنتجين إلى واشنطن، ووضع الصين تحت ضغط سوقٍ لا تملك مفاتيحه الضغط الأقصى ضمن هذا الإطار، يصبح التصعيد مع إيران جزءًا من استراتيجية أوسع. فسياسة “الضغط الأقصى” لا تُفهم فقط باعتبارها محاولة لتعديل سلوك طهران، بل أيضًا كوسيلة لإبقاء سوق الطاقة في حالة توتر محسوب، بما يرفع الكلفة على الخصوم الكبار ويزيد هشاشة استقرارهم الاقتصادي. وتكتسب هذه المقاربة وزنًا إضافيًا حين تُقرَن بملفات أخرى، مثل فنزويلا، حيث سعت إدارة ترامب إلى توسيع نفوذها على مسارات بيع النفط وعائداته، في خطوة لها بُعدٌ طاقوي وجيوسياسي معًا. أما فنزويلا، فلا تظهر هنا كملف لاتيني معزول، بل كجزء من الخريطة نفسها. فالصين كانت المشتري الأكبر أو الأهم للنفط الفنزويلي، كما راكمت هناك انكشافًا ماليًا كبيرًا عبر القروض المرتبطة بالنفط. ولذلك، فإن أي انتقال في السيطرة على عائدات هذا القطاع، أو في وجهة صادراته، لا يطال كاراكاس وحدها، بل يطال أيضًا إحدى نقاط الارتكاز الصينية في نصف الكرة الغربي. غير أن هذه الاستراتيجية لا تقوم على التصعيد وحده. فوجهها الآخر هو القدرة على عقد تفاهمات تعيد ضبط التوتر عند الحاجة. وهنا تكمن ميزة الجمع بين الضغط والاحتواء: رفع منسوب التوتر عندما تقتضي المصلحة، وخفضه عندما يحين وقت جني المكاسب السياسية أو الاقتصادية. بهذا المعنى، لا تكون واشنطن معنية فقط بإشعال الأزمات، بل أيضًا بإدارة إيقاعها. من هرمز إلى كاراكاس.. كيف يوظّف ترامب النفط في تطويق الصين وفي هذا السياق، يكتسب البعد الرمزي أهمية خاصة. ففي 5 سبتمبر 2025، وقّع ترامب أمرًا تنفيذيًا أعاد فيه استخدام “Department of War” و“Secretary of War” كألقاب ثانوية بديلة داخل المراسلات والسياقات غير التشريعية، مع بقاء الاسم القانوني الرسمي “Department of Defense”. هذا لا يغيّر البنية القانونية للمؤسسة، لكنه يكشف تحوّلًا في الخطاب، من منطق الدفاع إلى منطق إبراز الجهوزية للمبادرة وفرض الإرادة. وهكذا، لا تبدو هذه السياسات متناقضة بقدر ما هي متعددة الأدوات ضمن هدف واحد. عبر إيران ومضيق هرمز، وعبر فنزويلا واحتياطياتها، وعبر السعي إلى تقليص قدرة تحالفات المنتجين على الإمساك بالسوق، تتشكّل مقاربة تحاول نقل مركز التأثير في سوق الطاقة من توازنات المنتجين وحدها إلى شبكة أوسع تتحرك فيها الولايات المتحدة من موقع القيادة والضغط. وفي عالم يتوقف فيه صعود القوى الكبرى على استقرار مواردها وممرّاتها، يصبح التحكم بهذا الاستقرار، أو القدرة على زعزعته عند الضرورة، أحد أبرز مفاتيح القوة في القرن الحادي والعشرين * الأمين العام ل"تيّار المستقبل"
لم يكن تعثّر مسار التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران مفاجئًا، ولا يمكن قراءته كحادثة تفاوضية عابرة أو إخفاق تقني طارئ. ما جرى في الجولة الأخيرة يعكس، في العمق، خللًا بنيويًا يلازم هذا المسار منذ بداياته، ويتمثل في أنّ الطرفين لا يختلفان فقط على الشروط، بل على معنى التسوية نفسها فالولايات المتحدة تدخل التفاوض من موقع القوة، وتتعامل معه كأداة لإعادة ضبط السلوك الإيراني، واحتواء طهران ضمن قواعد النظام الدولي الذي تقوده واشنطن. أما إيران، فتنظر إلى المفاوضات من زاوية مغايرة تمامًا: لا كمسار استسلام منضبط، بل كساحة سياسية لإعادة تثبيت توازن الردع، وانتزاع اعتراف مباشر أو غير مباشر بدورها الإقليمي وموقعها في معادلات الشرق الأوسط. من هنا، لا يبدو تعثر التفاوض سوى نتيجة طبيعية لتصادم مشروعين متعارضين في الجوهر، لا لاختلاف قابل للردم ببعض الصياغات الدبلوماسية. واشنطن تتفاوض من موقع التفوق ترتكز المقاربة الأميركية على فرضية أساسية مفادها أن العقوبات المتراكمة والضغوط الاقتصادية أنهكت إيران بما يكفي لدفعها نحو تنازلات استراتيجية. ولذلك، لا تكتفي واشنطن بالملف النووي في حدوده التقنية، بل تسعى إلى توسيع سلة التفاوض لتطال بنية القوة الإيرانية نفسها: من فرض قيود طويلة الأمد على القدرات التي قد تُستخدم مستقبلًا في تطوير سلاح نووي، إلى تحجيم برنامج الصواريخ الباليستية، وصولًا إلى محاولة كبح النفوذ الإيراني في ساحات إقليمية حساسة مثل العراق وسوريا ولبنان. وفي موازاة ذلك، يظهر بوضوح أن واشنطن تنظر أيضًا إلى الممرات الاستراتيجية، وفي مقدمها مضيق هرمز، باعتبارها جزءًا من معركة السيطرة والردع، بما يضمن أمن تدفقات الطاقة ويمنع طهران من تحويل الجغرافيا إلى أداة ابتزاز سياسي. هذه الرؤية تعكس عقلية قوة تعتبر نفسها في موقع تفوق، وتريد ترجمة هذا التفوق إلى مكاسب سياسية صلبة. غير أن هذا التصور يصطدم بحقيقة أساسية: إيران لم تنهَر تحت وطأة العقوبات، بل أعادت تكييف اقتصادها، ووسّعت هوامش مناورتها، ونجحت في تطوير أدوات بقاء تسمح لها بالاستمرار والتحدي. ما يعطّل التفاهم بين واشنطن وطهران ليس فقط الخلاف على الشروط، بل الصراع على معنى التسوية نفسها: أميركا تفاوض لتحتوي، وإيران تفاوض لتثبّت أنها لم تُهزم امتداد للصراع لا بديل عنه في المقابل، تنطلق إيران من مقاربة مختلفة جذريًا. فهي لا ترى في التفاوض مسارًا لإنهاء الصراع، بل امتدادًا له بوسائل سياسية. ومن هذا المنطلق، ترفض طهران منطق الإملاءات، وتتعامل مع أي عملية تفاوضية على أنها ساحة لإعادة التوازن، لا لتكريس الهزيمة أو القبول بشروط المنتصر. لذلك، تركز إيران على جملة مطالب تعتبرها جوهرية: رفع فعلي وموثوق للعقوبات، الإفراج عن الأصول المالية المجمدة، الحصول على ضمانات حقيقية تمنع تكرار سيناريو الانسحاب الأميركي من أي اتفاق، ورفض إدراج نفوذها الإقليمي ضمن سلة التنازلات. بهذا المعنى، لا تقدم طهران نفسها كطرف مأزوم يبحث عن مخرج بأي ثمن، بل كقوة إقليمية تملك أوراق ضغط متعددة، من موقعها الجغرافي الحساس، إلى شبكات نفوذها الإقليمي، إلى قدرتها على التأثير في معادلات الطاقة والأمن. الأزمة في تعريف النهاية المعضلة الأساسية لا تكمن، في الحقيقة، في التفاصيل التقنية القابلة للتفاوض، بل في سؤال أعمق وأكثر حساسية: كيف يريد كل طرف أن تنتهي هذه المواجهة؟الولايات المتحدة تريد اتفاقًا يكرّس صورة إيران كدولة جرى احتواؤها وإعادتها إلى قواعد النظام الدولي بشروط أميركية واضحة. في المقابل، تصرّ إيران على اتفاق يعكس صمودها، ويؤكد أنها ليست دولة مهزومة، بل لاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه أو فرض الشروط عليه من طرف واحد. هذا التناقض يحوّل التفاوض إلى ساحة صراع رمزي على المكانة والهيبة السياسية، حيث تصبح أي تنازلات كبيرة بمثابة خسارة داخلية قبل أن تكون مكسبًا للطرف الآخر. ولهذا تحديدًا، يبدو الجمود التفاوضي أكثر منطقية من أي اختراق سريع، لأن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بما يمكن الاتفاق عليه، بل بما لا يستطيع أي طرف تحمّل تبعات التنازل عنه أمام جمهوره الداخلي وحلفائه الخارجيين. ارتباك أميركي… ومناورة إيرانية يزداد المشهد تعقيدًا بفعل التذبذب داخل الموقف الأميركي نفسه. فقد عكست تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب تباينًا واضحًا بين خطاب يلمّح إلى إمكان التفاوض، وآخر يتعامل معه كتحصيل حاصل لانتصار أميركي مسبق أو يقلل أصلًا من جدواه. هذا الارتباك لا يضعف فقط تماسك الرسالة السياسية لواشنطن، بل يمنح طهران مساحة إضافية للمناورة. فإيران تقرأ هذا التناقض كإشارة إلى غياب استراتيجية أميركية حاسمة، أو على الأقل إلى وجود تباين بين منطق الضغط ومنطق التسوية داخل القرار الأميركي نفسه. وهذا ما يشجّعها على التمسك بمواقفها، وانتظار تبدلات محتملة في ميزان القوى أو في البيئة السياسية الأميركية، بدل الاندفاع نحو تنازلات تعتبرها مجانية أو متسرعة. المنطقة على طاولة التفاوض لا يمكن فصل هذا المسار عن السياق الإقليمي الأوسع، لأن التفاوض بين واشنطن وطهران لا يجري في فراغ. كل ساحة في الشرق الأوسط تكاد تكون ورقة ضغط قائمة بذاتها، وكل ملف يتصل بالآخر على نحو يجعل من أي تفاهم أو تصعيد مسألة تتجاوز حدود الطرفين المباشرين. في هذا الإطار، يبرز لبنان كنموذج واضح على هذا التشابك. فالتوازنات اللبنانية الهشة، والارتباط العميق بين الداخل اللبناني والصراعات الإقليمية، يجعلان من أي تبدل في العلاقة الأميركية الإيرانية عاملًا مؤثرًا مباشرة في الداخل اللبناني، سواء على مستوى موازين القوى السياسية، أو عبر الانعكاسات الأمنية والاقتصادية المرتبطة بالعقوبات والتمويل والاستقرار العام. هكذا يبقى لبنان، مرة أخرى، في موقع المتأثر الدائم بصراعات تتجاوز حجمه وحدوده. ورغم كل هذا الانسداد، لا يمكن القول إن الدبلوماسية ماتت نهائيًا. القنوات الخلفية لا تزال موجودة، والاتصالات لم تنقطع، وإن كانت تسير بوتيرة منخفضة وحذرة. وهذا يعني أن الطرفين لا يزالان يفضلان إبقاء الباب مواربًا، ليس لأن التسوية نضجت، بل لأن كلفة الانفجار الشامل لا تزال مرتفعة على الجميع. لكن ما يجري فعليًا ليس مسارًا جديًا نحو الحل، بقدر ما هو إدارة للصراع. التفاوض هنا لا يعمل كطريق إلى التسوية النهائية، بل كأداة ضمن استراتيجية أوسع من الضغط المتبادل، هدفها منع الانهيار الكامل للمواجهة، لا إنهاؤها. يبدو واضحًا أن صراعًا يمتد لأكثر من أربعة عقود لا يمكن حسمه عبر جولات تفاوضية قصيرة أو تفاهمات جزئية مؤقتة. فالقضية لم تعد محصورة بالملف النووي، بل باتت تمسّ جوهر موازين القوى في الشرق الأوسط كله. وبين سعي أميركي إلى فرض نظام إقليمي بشروطه، وإصرار إيراني على تثبيت معادلة ردع تضمن حضورها ونفوذها، تبقى المفاوضات مجرد فصل من صراع أطول وأعمق. إنه صراع لا يُحسم بسرعة، ولا يُقفل بتفاهم عابر، بل يُدار على إيقاع القوة، والوقت، والتحولات الاستراتيجية. ولهذا، فإن ما يبدو اليوم تعثرًا تفاوضيًا، قد يكون في الحقيقة مجرد التعبير الأكثر وضوحًا عن حقيقة ثابتة: واشنطن وطهران لا تتفاوضان بعد على الحل، بل على شكل الصراع نفسه.