في كُلِّ موسمٍ انتخابيٍّ في لُبنان، يُعادُ فَتحُ الصُّندوقِ ذاتِه: صُندوقُ المالِ السياسيِّ المُتَنَكِّرُ بوجهِ “الدَّعم”، وصُندوقُ الوِصايةِ المُتجدِّدُ بأسماءٍ جديدة.يَتبدَّلُ اللاعبونَ وتَبقى اللُّعبةُ واحدة: مَن يَملِكُ الفَرَسَ، ومَن يَملِكُ حَليبَها. تذكَّرتُ وأنا أُتابِعُ مَشاهدَ الحَراكِ الانتخابيِّ وتصريحاتِ بعضِ الرُّعاةِ الإقليميين، قِصَّةً قديمةً من التُّراثِ العربيّ، عنوانُها “العِرقُ دَسّاس”.قِصَّةُ رجلٍ لم يَكُنْ في الحقيقةِ سوى مِرآةٍ تُعكِسُ طَبائعَ السَّلاطين، وتَفضَحُ وَهمَ النَّسبِ حين يُستبدَلُ الأصلُ بالتَّربية. يُحكى أنَّ رجلًا دخلَ يومًا مملكةً، يطوفُ شوارعَها وهو يُنادِي بثقةٍ:“أنا رجلٌ سياسيٌّ، أُصلِحُ ذاتَ البَيْنِ وأَحلُّ كُلَّ خِلافٍ.”سَمِعَهُ المَلِكُ فاستدعاهُ وقالَ له: إن كُنتَ سياسيًّا فدُلَّني على حِكمتِكَ؛ لديَّ فَرَسٌ عَنيدةٌ لا يُفلِحُ أحدٌ في تَرويضِها، فَكُنْ أنتَ سائسَها. ارتبكَ الرجلُ وقالَ: يا مولاي، أنا سياسيٌّ لا سائسُ خُيولٍ.قالَ المَلِكُ: بل أنتَ سائسٌ إنْ أَمَرتُكَ، وإلَّا قَطعتُ رأسَكَ.وهكذا بدأَ الامتحانُ الأوّل. جَلَسَ الرجلُ في الإسطبلِ، وحاوَلَ التَّعامُلَ مع الفَرَسِ أيّامًا، ثُمَّ فَرَّ هاربًا.لكنَّ حَرَسَ المَلِكِ قَبَضوا عليه، وسألهُ المَلِكُ غاضبًا: لِماذا هربتَ؟ هل في فَرَسي عَيْبٌ؟قالَ الرجلُ وهو يَرتَجِفُ: أَمَنيَ على حياتي يا مولاي؟قالَ المَلِكُ: لكَ الأمان.فقالَ الرجلُ: فَرَسُكَ أصيلةٌ، لكنَّها لَمْ تَرضَعْ مِن حَليبِ أُمِّها. ثارَ المَلِكُ واتَّهَمَهُ بالكَذِبِ وسَجَنَه.لكنَّه ما لَبِثَ أنِ استدعى سائسَ الفَرَسِ القديمَ وسأله: مِن أينَ رَضَعَت فَرَسي؟فقالَ السائسُ خائفًا: يا مولاي، ماتت أُمُّها عند الولادةِ، فأرضَعْتُها بَقَرةَ القصرِ كي لا تَموت. أمَرَ المَلِكُ بإخراجِ الرجلِ مِن السِّجنِ، وسأله مَدهوشًا: كيف عَرَفتَ؟قالَ الرجلُ: الفَرَسُ الأصيلةُ تَرفَعُ رأسَها حين تَبحَثُ عن العُشبِ، أمّا التي رُضِعَتْ مِن ضَرعِ البَقَرِ فَتُطأطِئُ رأسَها. أُعجِبَ المَلِكُ بفِطنَتِه، وقرّرَ أنْ يَجعلهُ مُستشارًا للمَلِكَة.عَمِلَ الرجلُ أيّامًا في القصرِ، ثُمَّ فَرَّ مُجدّدًا. أُعيدَ مُقيَّدًا، وسألهُ المَلِكُ: ما الذي وَجَدتَهُ في زوجتِنا حتّى تَهرُبَ؟قالَ الرجلُ: أمانُكَ يا مولاي؟قالَ المَلِكُ: لكَ الأمان.قالَ الرجلُ: زوجتُكَ مَلِكَةٌ، لكنَّها ليست ابنةَ مُلوكٍ. غَضِبَ المَلِكُ، وزَجَّهُ في السِّجنِ ثانيةً، ثُمَّ شَدَّ رِحالَهُ إلى حَمَاهُ، وقالَ له والسَّيفُ على رَقبَتِه:قُلِ الحقيقةَ، ما نَسَبُ ابنتِكَ؟ ارتجَفَ الرجلُ وأجابَ: ماتتِ ابنتي الحقيقيةُ صغيرةً، فتبنَّيتُ طِفلةً مِن الغَجرِ وربَّيتُها كابنتي. عادَ المَلِكُ إلى مَملكتِه مَصدومًا، وأطلَقَ سَراحَ السجينِ وسأله: كيفَ عَرَفتَ أنَّ زوجتي مِن أصلٍ غَجَريٍّ؟قالَ الرجلُ: الغَجرُ يَغمِزونَ حينَ يَتكلّمون، ومَلِكتُكَ كثيرةُ الغَمزِ في حديثِها. أُعجِبَ المَلِكُ بحِكمتِه، وقرّرَ أنْ يَجعلهُ خادِمًا لأُمِّه. رَفَضَ الرجلُ، لكنَّ السَّيفَ أَقنَعَه. ومعَ كُلِّ وظيفةٍ جديدةٍ كانتِ المائدةُ تَتَّسِعُ: مِن وجبتينِ إلى دَجاجتينِ، ثُمَّ إلى خروفينِ في اليوم. وبَعدَ أيّامٍ، هَرَبَ الرجلُ للمَرّةِ الثالثةِ.قُبِضَ عليه وأُعيدَ إلى القصرِ، وسألهُ المَلِكُ: هذهِ المرّةَ ماذا وَجَدتَ في أُمِّنا؟قالَ الرجلُ: لَستَ ابنَ المَلِكِ. أُصيبَ المَلِكُ بالذُّهولِ، وواجَهَ أُمَّهُ فاعترَفَت: كانَ زوجي عَقيمًا، ومعَ ذلكَ كانَ يَذبَحُ زوجاتِه إنْ لَم يُنجِبنَ. كنتُ مُتزوِّجةً مِن طَبّاخِ القصرِ، وحينَ رآني المَلِكُ أَمَرَ بطلاقي وتزوَّجَني، ولم يَكُن يَعلَمُ أنَّني كنتُ حامِلًا منك.أنتَ ابنُ الطَّبّاخِ، لا ابنُ المَلِكِ. عادَ المَلِكُ إلى الرجلِ في سِجنِه وقالَ له غاضبًا: كيفَ عَرَفتَ هذا السِّرَّ العظيمَ؟فأجابَهُ بابتسامةٍ باردةٍ: لأنَّ الملوكَ لا يُكافِئونَ بالطَّعامِ، وكُلُّ مكافآتِكَ لي كانت أطباقًا مِن اللَّحمِ والدَّجاجِ والخِراف… وهذهِ عادةُ الطَّبّاخينَ لا الملوكِ. العرق دسّاس في تلكَ الحِكايةِ القديمةِ المعرُوفةِ، أكثرُ مِن حِكمةٍ سياسيّةٍ واحدةٍ. فالعِرقُ حقًّا دَسّاس، والذينَ يَرضَعونَ مِن ضَرعٍ أجنبيٍّ لا يُمكنُ أنْ يَسيروا برأسٍ مرفوعةٍ، ولا أنْ يَتصرّفوا كأبناءِ وطنٍ حُرٍّ. هكذا تَفقِدُ الفروسيّةُ معناها، حينَ يُصبِحُ السائسُ غريبًا، والمكافأةُ وجبةً، والمَلِكُ مُجرّدَ طَبّاخٍ يَظنُّ نفسَهُ سيّدًا على المائدة. في لُبنانَ اليومَ، هُناكَ مَن يَلبسُ عَباءةَ “الوِصايةِ الأُخويّةِ” ويُقدِّمُ المالَ السياسيَّ كأنَّهُ حَليبُ حياةٍ، لكنَّهُ في الحقيقةِ يُربّي أجيالًا مِن “الخُيولِ” الّتي نَسيت رائحةَ أُمِّها، تَبحَثُ عن رِزقِها في أيدي المانحينَ لا في عَرَقِها. مَن يَقبَلْ بالمالِ كَهُويّةٍ سياسيّةٍ، يَهبِطْ برأسِه كما فَعَلَت الفَرَسُ الّتي ظنَّها المَلِكُ أصيلةً. ومَن يَبيعْ قرارَهُ الانتخابيَّ مُقابلَ حُفنَةٍ مِن الدّولارات، يَنسَ أنَّهُ في جُمهوريّةٍ لا مَزرعةٍ، وأنَّ الكرامةَ ليست سِلعةً تُشترى في موسمِ صناديقِ الاقتراعِ. السّياسةُ، مِثلُ الفروسيّةِ، لا تُورَّث. إمّا أنْ تُولَدَ مِن رَحِمٍ حُرٍّ، وإمّا أنْ تَبقَى تَتصرّفُ كالبَقَرِ، تُطأطِئُ رأسَها لِمَن يُطعِمُها. فهل يَتعلَّمُ لُبنانُ، قبلَ أنْ يَفوتَهُ الحَليبُ مرّةً أُخرى، أنَّ الأصالةَ لا تُستورد؟ وأنَّ الفَرَسَ الّتي لَمْ تَرضَعْ مِن أُمِّها، قد تَركُضُ سريعًا… لكنَّها لا تَصِلُ أبدًا؟
مَن هوَ سِيبَاستيانُ جوركا الذي دخلَ قصرَ بعبدا والسِّراي الحكومي ووزارةَ المال، ولم تَعْصِ أمامَهُ دائرةٌ أو مؤسّسةٌ رسميّةٌ أو غيرُ رسميّةٍ لبنانيّة؟مَن هوَ هذا الرَّجلُ الفارعُ الطولِ الذي يتقدَّمُ وَفْدَ وزارةِ الخزانةِ الأميركيّةِ لشؤونِ الإرهابِ والاستخباراتِ الماليّة، القادمِ إلى لبنانَ لبحثِ ملفّاتِ تمويلِ الإرهابِ وتبييضِ الأموال، إلى جانبِ “الإصلاحاتِ” الماليّةِ المطلوبةِ من لبنان؟ إنَّهُ الرَّجلُ الَّذي استُقْدِمَ إلى الشَّرقِ الأوسطِ لِتَجفيفِ مَنابِعِ «حِزْبِ الله» الماليّةِ وحِصارِه. في مسارٍ مهنيٍّ مريب، عاد جوركا، الشخصيةُ الإعلاميّةُ والسياسيّةُ التي لا تكفُّ عن إثارةِ الجدل، ليحجزَ مقعدًا رفيعًا في إدارةِ دونالد ترامب الثانية. جوركا، الذي بنى شهرتَه على تفسيرِ الإرهاب من منظورٍ أيديولوجيٍّ بحت، يُجسّدُ عودةَ نهجِ “أمريكا أولًا” إلى مؤسّسةِ الأمنِ القومي، حاملًا معه تاريخًا من النقاشاتِ الحادّة حول مؤهلاتِهِ الأكاديميّة وارتباطاتِهِ السياسيّةِ السابقة. النشأة وُلِدَ جوركا في لندن عام 1970 لعائلةٍ مجريّة، وبدأ مسارَهُ المهنيَّ في المجر مطلعَ التسعينيّات، حيثُ عمِلَ في وزارةِ الدفاع، وحصلَ على درجةِ الدكتوراه في العلومِ السياسيّة. لكن نجمَهُ بدأ يسطعُ في الولاياتِ المتحدة بعد حصولِهِ على الجنسيّة الأميركيّة عام 2012، ليتحوّلَ إلى مُعلّقٍ بارزٍ في وسائلِ الإعلام المحافظة، مدافعًا شرسًا عن رؤيةِ ترامب السياسيّة. بلغَ هذا المسارُ ذروتَهُ في يناير 2017 بتعيينِهِ نائبًا لمساعدِ الرئيس، وهو منصبٌ استشاريٌّ لمكافحةِ الإرهاب في البيتِ الأبيض. إلّا أنّ فترةَ عملِهِ لم تدم طويلًا، إذ غادر في صيفِ العامِ نفسِهِ وسطَ تساؤلاتٍ حول صلاحياتِهِ وتصريحِهِ الأمني. ليعودَ من جديدٍ إلى مجلسِ الأمنِ القومي، ما يفتحُ البابَ أمامَ تساؤلاتٍ حول تأثيرِهِ المحتملِ على سياساتِ مكافحةِ الإرهابِ الأميركيّة. الأيديولوجيا أولًا وأخيرًا يكمُن جوهرُ فكرِ جوركا في تركيزِهِ المطلق على البُعدِ الأيديولوجي، وتحديدًا ما يسمّيه “الإسلام المتطرّف”، باعتبارهِ المحرّكَ الأساسيَّ للإرهاب المعاصر. يرى أنّ أيَّ استراتيجيةٍ أمنيّةٍ لا تُعالِجُ هذا “التهديد الفكري” بشكلٍ مباشر هي استراتيجيةٌ قاصرة.هذا المنهجُ، الذي يُميّز كتاباتِهِ وتصريحاتِهِ، يضعُهُ في خلافٍ مباشر مع قطاعٍ واسعٍ من خبراءِ الأمنِ القومي الذين يتبنّون تحليلًا متعدّدَ العوامل يأخذُ في الاعتبار الظروفَ الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. لم يكن مسارُ جوركا خاليًا من العقبات. فقد واجهَ تدقيقًا إعلاميًا وأكاديميًا مكثّفًا بشأنِ خلفيتِهِ. تقاريرُ استقصائيّةٌ ربطتْهُ بشخصياتٍ وأحزابٍ قوميّة في المجر، وهي اتهاماتٌ نفاها بشدّة. كما شكّكَ أكاديميّون وصحفيّون في مصداقيّةِ أبحاثِهِ ودرجتِهِ العلميّة، ما ألقى بظلالٍ من الشكِّ على مكانتِهِ كخبيرٍ تقنيٍّ في مجالِ مكافحةِ الإرهاب. يرى مؤيدوهُ فيه صوتًا شجاعًا لا يخشى تسميةَ التهديداتِ بأسمائها الحقيقيّة، بينما يعتبرهُ منتقدوه، ومن ضمنهم منظماتٌ حقوقيّة وخبراءُ أمنيون، شخصيةً أيديولوجيّةً تفتقرُ إلى العمقِ التحليليِّ المطلوبِ للمناصبِ الحسّاسة. في مجلس الأمن القومي من الناحيةِ العمليّة، أدّى تعيينُ جوركا إلى إعادةِ توجيهِ أولويّاتِ مكافحةِ الإرهاب نحوَ التركيزِ على التياراتِ الفكريّة، وتغييرِ الخطابِ الرسميِّ المتعلّقِ بالهجرة والإسلام السياسي. لكن قدرتَهُ على إحداثِ تغييرٍ حقيقيٍّ اصطدمتْ بتعقيداتِ البيروقراطيّةِ الأمنيّة، حيثُ تتشاركُ وكالاتُ الاستخباراتِ والبنتاغون ووزارةُ الخارجيّة في صناعةِ القرار. ومع ذلك، يبقى سِيبَاستيان جوركا شخصيةً محوريّةً في فهمِ التحوّلاتِ الفكريّة داخل اليمينِ الأميركي. لا يعكسُ وجودُهُ في هذا المنصبِ الرفيع فقط عودةَ شخصٍ مثيرٍ للجدل، بل يُشيرُ إلى انتصارِ رؤيةٍ أيديولوجيّةٍ معيَّنة في صياغةِ سياساتِ الأمن القومي، ما جعل تأثيرَهُ — سواءٌ كان محدودًا أو واسعًا — محطَّ أنظارِ المراقبين في واشنطن وحولَ العالم. يقوم كتابُ جوركا على فرضيّةٍ مركزيّة واحدة، الحربُ ضدَّ الإرهاب ليست مجرّدَ عمليةٍ عسكريّة أو استخباراتية، بل هي حربٌ أيديولوجيّةٌ في المقامِ الأول. يرى أنّ الولايات المتحدة وحلفاءَها فشلوا في تحقيق نصرٍ حاسم لأنهم يرفضون تسميةَ العدوِّ باسمِهِ الحقيقي وفهمَ دوافعِهِ الفكريّة كتاب “هزيمة الجهاد” لجوركا يقوم كتابُ جوركا على فرضيّةٍ مركزيّة واحدة، الحربُ ضدَّ الإرهاب ليست مجرّدَ عمليةٍ عسكريّة أو استخباراتية، بل هي حربٌ أيديولوجيّةٌ في المقامِ الأول.يرى أنّ الولايات المتحدة وحلفاءَها فشلوا في تحقيق نصرٍ حاسم لأنهم يرفضون تسميةَ العدوِّ باسمِهِ الحقيقي وفهمَ دوافعِهِ الفكريّة. 1) تشخيص المشكلة: العدو هو “الأيديولوجيا الجهادية” رفضُ التفسيرات الاجتماعية والاقتصادية: يرفضُ جوركا بشدّة التحليلاتِ التي تربطُ الإرهابَ بالفقرِ أو البطالةِ أو السياسةِ الخارجية الأميركيّة. يعتبرُ هذه التفسيرات “أعذارًا” تتجاهلُ جوهرَ المشكلة. العدوُّ ليس “الإرهاب”: يجادل بأنّ “الإرهاب” مجردُ تكتيكٍ، مثل “الحرب الخاطفة” (Blitzkrieg)، وليس عدوًا بحدّ ذاته.العدوُّ الحقيقي، في نظرِهِ، هو الأيديولوجيا الجهادية العالميّة التي تستلهمُ أفكارَها من شخصياتٍ مثل سيد قطب وأبي بكر ناجي، وتهدفُ إلى إعادةِ تأسيسِ الخلافة وتطبيقِ الشريعةِ بالقوة. التشابه مع الحرب الباردة: يقارنُ جوركا بين الأيديولوجيا الجهادية والأيديولوجيا الشيوعية. وكما هُزِمَت الشيوعية عبر استراتيجيةِ احتواءٍ طويلة الأمد قادها جورج كينان، يرى أنّ هزيمةَ الجهادية تتطلبُ استراتيجيةً مماثلة تُركّز على تفكيكِ الأيديولوجيا من الداخل. 2) الاستراتيجية المقترحة: “خطة كينان للقرن الحادي والعشرين” يقترح جوركا خطةً من ثلاثِ ركائزَ أساسيّة: أولًا: نزعُ الشرعية عن الأيديولوجيا قلبُ الاستراتيجية. يدعو إلى تمكينِ الأصواتِ المسلمة المعتدلة لتتولّى مواجهةَ الفكرِ الجهادي. دورُ الولايات المتحدة: توفيرُ منصّاتٍ ودعمٍ لهذه الأصوات. ثانيًا: العملُ العسكري والاستخباراتي المحدود. يرفضُ “بناءَ الدول”، ويُفضّل دعمَ الحلفاءِ المحليين للقتال على الأرض، مع دعمٍ أميركيٍّ استخباراتي وجوي. ثالثًا: تعزيزُ الدفاعات الداخلية، يدعو إلى: تدريبِ الشرطة على فهمِ علاماتِ التطرف مراقبةٍ أكثرَ صرامة للمساجدِ المشتبه بها. 3) نقاط الضعف والنقد تبسيطٌ مُفرِط: يهملُ عواملَ اجتماعية واقتصادية وسياسية مؤثرة. إشكالية تحديد “المعتدلين” داخل المجتمعات المسلمة. تجاهلُ خطر اليمين المتطرف في الغرب. خطابٌ استقطابي قد ينفّرُ المسلمين ويُقوّي دعايةَ المتطرّفين. يقدّم جوركا رؤيةً واضحة ومتماسكة، لكنها مثيرةٌ للجدل. قد تجد بعضُ أفكارِهِ صدى لدى صُنّاعِ القرار، إلا أنّ نهجَهُ الأيديولوجيَّ الصارم يجعلُهُ في منافسةٍ مع مقارباتٍ أكثرَ شمولًا يتبنّاها غالبُ خبراءِ الأمن القومي اليوم.
تحتارُ في محاولةِ فَهمِ كيف يمكنُ لظروفٍ وتجاربِ الحياة أن تُغيِّر البشر إلى هذا الحدّ.ينحدرُ شارل الحاج، وزيرُ الاتصالاتِ الحالي، من قرية «بتدين اللقش» في قضاء جزين. تسميةُ القرية تعني «بيت الدين» القابع بين أشجار الصنوبر والأخشاب. أي إنّه «ابنُ ضَيعة» يقومُ مجتمعُها على فلاحينَ وعمّالٍ وبُسطاء وموظفين، بعيدًا عن إقطاعٍ مُتحكِّمٍ ينمو ويتعزّز في جوارها نسيانُ الطبقةِ العاملة والدُه، جورج الحاج، امتلكَ معملاً للموبيليا في منطقة الحدث بضاحية بيروت الجنوبية، التي انتقلت إليها العائلةُ في أوائل ستينات القرن الماضي. نشأ شارل مع ثلاثةِ أشقّاء وشقيقةٍ في بيئةٍ محافظة، وتلقى تعليمه الأوّلي في مدارس «الفرير» و«مون لا سال»، في محاولةٍ من الوالد لتوفير أفضل مستوى تعليمي لأولاده، كي تزدادَ فُرصُهم في مستقبلٍ يريده الأفضل لهم كحال كلِّ الآباء. تفتحُ الحياةُ أبوابَها لأمثالِه من أبناء الطبقةِ المتوسطة لأخذِ فرصتهم وتحقيق «شيء»، ماديًّا كان أم معنويًّا. هنا يبرز السؤالُ الأكبر: كيف يمكنُ لمن صعدَ سلّمَ الحياةِ بصعوبةٍ واجتهادٍ أن يَسحقَ أكثرَ من ٣٠٠٠ موظفٍ في وزارة الاتصالات التي يترأسها، وفي هيئة «أوجيرو» من الفئات العاملة والأجراء، بـ«شطبةِ قلم» خاليةٍ من أي إحساس، ومجموعة مراسيم تحاول أن تَقضُم تعبَ وحقَّ آلاف الموظفين عبر «هيركات» مُقنَّعة، تَحذو حذو جرائم المصارف اللبنانية قاطبةً؟ في ٨ شباط/فبراير 2025، دخلَ شارل الحاج، رجل الأعمال العائد من الولايات المتحدة الأميركية، إلى مكتبِه في وزارة الاتصالات اللبنانية، مُحمّلًا بخبرة تمتدّ لعقود في عالم الهندسة والاستشارات الدولية، وسمعةٍ كرئيسٍ ناجحٍ للمؤسسة المارونية للانتشار. ومعه حمل وعودًا بإصلاح قطاعٍ حيوي يعاني من «كلفةٍ عالية وخدمةٍ ضعيفة»، وشوائب كثيرة وروائح فسادٍ كريهة. هل ينسى مَن عملَ نادلًا في المطاعم، وذاق طعمَ مرارةِ الشقاء، حقوقَ الطبقاتِ المسحوقة مِن العمّال والموظفين الذين أفنوا سنينَ حياتهم في إدارات ومؤسسات الدولة اللبنانية كهيئة «أوجيرو»؟ من المطاعم إلى المراسيم لكنّ الوزير «السيادي» سرعان ما وجدَ نفسه في قلب عواصفَ عاتيةٍ من الجدل، حيث طاردته اتهاماتٌ بتضارب المصالح بين منصبه الوزاري ومنصبه في شركاته التي تقدّم خدماتٍ ولا تزال، مُحاطًا بفريقٍ من المستشارين الأقارب الذين يصولون ويجولون في الوزارة بما يشتهون. ولتُطرَح معها أسئلةٌ معقّدة حول قدرة رجل أعمال على فصل ماضيه التجاري عن حاضرِه الوزاري. في شبابه، هاجرَ شارل الحاج إلى الولايات المتحدة لمتابعة دراستِه الجامعية، حيث التحق بجامعة جورج مايسون في فيرجينيا، وتخصّص في الهندسة الكهربائية. وخلال فترة دراسته، لم يتردّد في العمل لتغطية نفقاته، فبدأ كنادلٍ في المطاعم، ثم ترقّى ليصبح مسؤولًا في سلسلة فنادق هيلتون. وبالتوازي مع دراسته وعمله، كان الحاج ناشطًا سياسيًا، وشارك في جميع التظاهرات المناهضة للوجود السوري في لبنان آنذاك، مما يعكس توجهاته السياسية المبكرة. فهل ينسى مَن عملَ نادلًا في المطاعم، وذاق طعمَ مرارةِ الشقاء، حقوقَ الطبقاتِ المسحوقة مِن العمّال والموظفين الذين أفنوا سنينَ حياتهم في إدارات ومؤسسات الدولة اللبنانية كهيئة «أوجيرو»؟لتتحوّل مهمته إلى مجرّد شطبِ تعبٍ ومستحقّات وتعويضات أكثر من ٣٠٠٠ موظفٍ تحت شعارٍ فضفاضٍ ومبهم اسمه خصخصة القطاع. هل باتت وظيفةُ الوافدِ بأفكارِ الليبرالية المتحرّرة ووحشية اقتصاد السوق، إصدارَ مراسيمَ «تذاكيًا» على القانون، لِقذفِ أكثر من ٣٠٠٠ موظفٍ نحو المجهول، تحت مسمّى شركة لا تاريخ لها ولا هيكلية واضحة، ولا وجودَ إلّا على الورق، فحسب، اسمها «ليبان تيليكوم»، بذريعة أن الدولة اللبنانية لا تملك المال لتسديد حقوق موظفيها، علمًا أن قطاع الاتصالات من أكثر القطاعات ربحيةً في لبنان والمنطقة؟ يعيش موظفو وزارة الاتصالات وهيئة «أوجيرو» اليوم كابوسًا مكتومًا مما يخبّئه الوزير والمدير العام للهيئة، بحقّ مستقبلهم الذي يبدو — من الممارسات الماثلة أمامهم — أنّه لا يُبشّرُ بالخير. فهل نحن على أبوابِ “كرةِ ثلجٍ” تكبرُ رويدًا لِتسحق الجميعَ وتُعطّل واحدًا من أكثر القطاعات الحيوية وتماسًا مع حياةِ الملايين؟ لا ننسى أنّ اللبناني أظهرَ بأنه لن يثورَ إن قُطِع عنه الماءُ والطعام، لكن قد يملأ الشوارع والساحات إن تعطّلت خدمة واتساب على هاتفه. لم يَفت الأوانُ بعدُ لمعالجةٍ جدّيةٍ تحفظ حقوق الناس، وتُؤمّن النموّ والتطور والازدهار للقطاع الأهم في البلاد. فاتّعظوا قبل فوات الأوان.