ليس دخول رودولف سعادة إلى المشهد اللبناني تفصيلاً اقتصادياً عابراً، ولا يمكن قراءته على أنه استثمار تقليدي لرجل أعمال لبناني الأصل عاد إلى بلده الأم. ما يجري أبعد من ذلك بكثير. نحن أمام انتقال منظّم لرأس مال عابر للحدود إلى قلب دولة متآكلة، عبر قطاعات تمسّ مباشرة السيادة الاقتصادية والحياة اليومية للبنانيين رودولف سعادة، الرجل الذي يقود واحدة من أكبر إمبراطوريات الشحن البحري في العالم، لم يختر لبنان بوصفه سوقاً واعدة بقدر ما اختاره بوصفه فراغاً استراتيجياً: فراغ الدولة، فراغ القرار، وفراغ القدرة على إدارة المرافق الحيوية. وفي هذا الفراغ، يتحول المستثمر، شاء أم أبى، إلى لاعب سياسي بحكم الوظيفة لا الانتماء. من البحر يبدأ النفوذ أولى الإشارات جاءت من مرفأ بيروت. فإدارة محطة الحاويات في المرفأ ليست عقد تشغيل تقنياً، بل سيطرة على شريان استيراد بلد يعيش على الخارج. في لبنان، المرفأ ليس مجرد بنية تحتية، بل قلب الاقتصاد، ومرآة السيادة، وموضع اشتباك دائم بين السياسة والمال والأمن. حين يدخل لاعب بحجم CMA CGM، ثالث أكبر شركة شحن حاويات في العالم، إلى هذا الموقع، فهو لا يدخل بوصفه شركة فقط، بل بوصفه ضامناً غير معلن للاستقرار اللوجستي في بلد فقد القدرة على ضمان أي شيء بنفسه. من تلك اللحظة، يصبح الحضور الاقتصادي محمياً سياسياً، ومحصّناً دولياً، وقابلاً للتمدّد. في لبنان، لا يحتاج النفوذ إلى حزب ولا إلى شارع. يكفي أن تضع يدك على المرفأ، أن تُمسك سلسلة الإمداد، وأن تكون قادرًا على تأمين السلع في زمن الانقطاع. عندها، تتحول من مستثمر إلى لاعب سياسي، حتى لو لم تنطق بكلمة واحدة في السياسة المال يجاور السلطة التموضع لم يتوقف عند البحر. عبر ذراع الملكية العائلية، ظهر حضور في القطاع المصرفي اللبناني، وهو قطاع لم يعد مصرفياً بقدر ما هو سياسي–اجتماعي. في لبنان، المصارف ليست مجرد مؤسسات ائتمان، بل خزائن ذاكرة، وشبكات مصالح، وأدوات نفوذ صامتة. هذا النوع من الحضور لا يصنع ضجيجاً، لكنه ينسج علاقات طويلة الأمد مع النظام القائم، أيّاً يكن شكله أو توازناته، ويضمن موقعاً داخل غرف القرار غير المعلنة. الانتقال إلى حياة الناس اليومية التحوّل الأهم كان حين انتقل سعادة من البنية التحتية والمال إلى السلع الاستهلاكية والغذاء. الاستحواذ على علامة تجارية لبنانية كبرى في قطاع التجزئة الغذائية لم يكن خطوة عاطفية أو تراثية، بل قراراً استراتيجياً بامتياز. في لبنان، الغذاء ليس قطاعاً عادياً. هو عنصر استقرار اجتماعي، وأداة ضبط غضب، وشرط حدّ أدنى للعيش. من يملك نفوذاً في هذا القطاع، يملك موقعاً داخل المعادلة السياسية من دون أن يرفع شعاراً أو يخوض انتخابات. ومع توسّع الحديث عن استثمارات في واحدة من أكبر شبكات التجزئة الحديثة في البلاد، تتضح الصورة أكثر: السيطرة على سلسلة الإمداد كاملة، من السفينة إلى المستودع، ومن الرفّ إلى المستهلك. شبكة خارجية تحمي الداخل خارجيّاً، يتحرّك رودولف سعادة تحت مظلّة فرنسية واضحة. علاقته الوثيقة بالمركز السياسي في باريس، وخصوصاً بالإليزيه، تمنحه ما يشبه الغطاء الاستراتيجي، لا سيما في بلد كلبنان ما زال يُدار جزئياً من الخارج. هذا الغطاء لا يُترجم تصريحات، بل يُترجم صمتاً دولياً عند اللزوم، وتفهّماً دائماً لأي تمدّد اقتصادي يُسوَّق على أنه “إنقاذ”. فرنسا، التي فشلت في إعادة إنتاج دولة لبنانية قابلة للحكم، وجدت في رأس المال المنظّم حلاً وظيفياً: لا سيادة، لكن هناك تشغيل. لا دولة، لكن هناك إدارة. رودولف سعادة ليس المشكلة، بل العلامة من هو؟ ينحدر رودولف سعادة من أصول لبنانية–سورية، وُلد في بيروت عام 1970، ضمن عائلة مسيحية أرثوذكسية ذات امتدادات تجارية واجتماعية في المنطقة. والده، جاك سعادة (1937–2018)، أسّس مجموعة CMA CGM في فرنسا بعد انتقال العائلة إليها خلال الحرب الأهلية اللبنانية، لتتحول لاحقاً إلى إمبراطورية بحرية عالمية انطلقت من مرسيليا. تسلّم رودولف القيادة الكاملة للمجموعة عام 2017، ووسّع نشاطها من الشحن البحري إلى الموانئ، والخدمات اللوجستية، والشحن الجوي، والإعلام والاستثمار الثقافي. ا يعني أن رودولف سعادة “يسيطر” على لبنان، بل يعني ما هو أخطر: أن لبنان بات بلداً قابلاً للإدارة من الخارج عبر الداخل. أن السيادة لم تُنتزع بالقوة، بل تآكلت بالعقود. وأن الدولة، حين تغيب، لا يحكم الفراغ، بل يملؤه الأقوى تنظيماً. الخلاصة رودولف سعادة ليس المشكلة، بل المرآة. مرآة لبلدٍ لم يعد يملك مرافئه، ولا غذاءه، ولا سلاسل إمداده، بل يفاوض على بقائه عبر من يستطيع تشغيله. في لبنان اليوم، من يملك المرفأ والمصرف وشبكات التوزيع والتجزئة وروفوف السوبرماركت، لا يملك البلد رسميًا… لكنه يملك مفاتيح العيش فيه.
ذكرت مصادر صيداوية متابعة أنّ الحركة “المفتعلة” التي تقوم بها إحدى الجمعيات المحلية في المدينة، بالتزامن مع ما يُعرف بموسم الاستعداد للانتخابات النيابية المقبلة، بدت لكثيرين أقرب إلى نشاطٍ مستجدّ وموسمي، في ظل غياب أي حضور فعلي أو إنجاز يُذكر لهذه الجمعية منذ تأسيسها وحتى اليوم. وبحسب المتابعين، فإن هذا التحرك المصطنع الواضح أعاد إلى الواجهة تساؤلات قديمة حول واقع الجمعية القانوني والإداري، لا سيما في ضوء معلومات عن خلاف داخلي سابق بين أعضائها، يُقال إنه لا يزال عالقًا في أروقة وزارة الداخلية والبلديات من دون معالجة نهائية أو توضيح شفاف من قبل القائمين عليها.
تنظرُ إلى المشهد من بعيد.تخالُ أنّ الجدالَ «المستعر» اليوم يدور في ضواحي فرانكفورت أو طوكيو أو بيرنيهات الهندية. تحزنُ حين تعلم أنّها صيدا. باتت هذه المدينة وموضوعُ النفايات كتوأمٍ سياميٍّ يصعب فصلهما من دون دم. هل يُعقل أن يقبع على طرف المدينة لغزٌ وجوديٌّ لم يستطع أحدٌ من القوى السياسية والأمنية والقضائية والنقابية والجمعيات الأهلية، وحتى العوام، حلَّه منذ أكثر من 20 سنة؟ ماذا نعرف عن المعمل، وأزمات النفايات والكنس والجمع والفرز والعوادم، والكبّ في البحر، وجبال النفايات، و«النكيشة»؟ لا شيء علميًّا أو موثّقًا.كلامٌ للشعبوية، وبناءُ معارك وهمية، واستغلالٌ سياسيّ وماليّ. هل المعمل نعمة أم نقمة؟ ما مدى الصعوبة المتوقَّعة، في عصر الذكاء الاصطناعي، أن نُجيب على هذا السؤال مرّة واحدة وحاسمة؟ أن نعلم ما يجري هناك فعليًّا؟أن نُشخّص المشكلات، ونضع الاستراتيجيات والحلول، ونبدأ بالمعالجة تدريجيًّا للوصول إلى وضعٍ طبيعيٍّ بالحدّ الأدنى؟ كلامٌ، ولو بدا تنظيرًا، إلّا أنّه الحقيقة المُبسّطة. إن وُجدت الإرادة، والقدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه ومتابعته بشفافية، وتقديم مصلحة صيدا على ما عداها من حساباتٍ ضيّقة، ومنافع مادية، وأهواء شخصية. حليب سبَاع في المدينة اليوم مشكلةٌ إضافية تنضمّ إلى مجموع المشكلات الكثيرة التي تعانيها أصلًا، والتي تدخل في نطاق العمل المركزي لمجلسها البلدي، وما أكثرها.قبل أيام، اتخذ رئيس البلدية مصطفى حجازي قرارًا «كبيرًا» لم نعهده على هذا النحو سابقًا، بطلبه من معمل النفايات في المدينة التوقّف عن استقبال «زبالة» قرى وبلدات منطقة جزين، بذريعة أنّه يكفي صيدا مشكلاتها مع نفاياتها التي تتكدّس جبالًا على الحوض الشرقي للمتوسط. في الظاهر، يبدو القرار عظيمًا لصالح المدينة وأهلها، بذريعة أنّ صيدا لا يجب أن تكون مكبَّ نفاياتٍ لمحيطها، إلّا أنّه في الحقيقة قرارٌ مجتزأ لا يقدّم حلًّا بقدر ما يُثير مشكلات. بحسب معلومات جريدة «البوست»، فإنّه لا خلفية سياسية للقرار المتّخذ من قبل حجازي، وأنّه لم يُتخذ بشكلٍ مفاجئ كما يُقال، بل جرى إبلاغ البلديات المعنية بهذا التوجّه قبل نحو شهر من نهاية العام الماضي للتحضير، لكنهم لم يحرّكوا ساكنًا حياله.ويُذكَر أنّ رئيس البلدية السابق حازم بديع كان قد اتخذ قرارًا مشابهًا في عام 2024، لكنّه لم يحظَ بهذا اللغط والضجيج اللذين رافقا هذا القرار المستغرَب في التوقيت والمضمون. السؤال الأساسي اليوم لا يكمن في القرار نفسه، بل إلى أيّ مدى يمكن الاستمرار به، وكيف سيتمّ توظيفه سياسيًّا قبيل موسم الانتخابات النيابية بين صيدا وجزين وهل من «المُحرِز» اتخاذ خطوة كهذه لإثارة البلبلة بين صيدا وتوسّعها الجزيني؟ ليست جزين المشكلة فحسب من المؤكّد أنّ صيدا، كمدينةٍ عظيمة، لا يجب أن تكون مزبلةً لأحد، وليس جزين فحسب.المشكلة اليوم ليست في نفايات جزين، التي لا يتعدّى حجمها، بحسب عارفين، ما بين 14 و17 طنًّا يوميًّا، تختلف بحسب المواسم صيفًا وشتاءً، وهي لا تشكّل أكثر من 10% من أصل نحو 240 طنًّا من النفايات التي يعالجها المعمل يوميًّا. فإن كانت لغةُ الأرقام لا تكذب، حتى ولو ندرَت حين يتمّ التعاطي مع أداء هذا المعمل، فإنّ معالجةً حقيقية، بعيدًا عن «الشعبوية» التي لا يُجيدها حتى المجلس البلدي على أصولها، تفترض منع إدخال نفايات بلدات وقرى قضاء الزهراني، الممتدّة من حارة صيدا وصولًا إلى ما بعد مصيلح. عندها فقط يمكن القول إنّ بداية حلّ كثرة أحجام النفايات المعالجة من «الخارج» قد وُضعت على السكة الصحيحة. من دون أن نغفل أنّ مخيّم عين الحلوة وحده يُنتج أكثر من 50 طنًّا من النفايات يوميًّا، ومن واجب «غوتشيرز» (أمين عام الأمم المتحدة) وأثرياء فلسطين المستجدّين معالجتها، لا من واجب حجازي أن يقلق وحده في هذا المجال. جبال من النفايات تتكدس على واجهة المدينة البحرية ما يجري في صيدا ليس أزمة نفايات، بل أزمة قرار مزمنة. المشكلة لا تكمن في أطنانٍ تدخل أو تُمنع، بل في عقلٍ اعتاد إدارة الكارثة بالتجزئة والارتجال، وتقطيع المسؤوليات، والذهاب إلى قرارات سهلة قابلة للتسويق بدل حلول صعبة قابلة للحياة. قرار وقف نفايات جزين، مهما بدا جذّابًا في العنوان، لا يقترب من جوهر المأساة القائمة على شاطئ المدينة، ولا يمسّ شبكة المصالح والترضيات التي حوّلت معمل النفايات إلى «صندوقٍ أسود» محميّ سياسيًّا، لا تُفتح دفاتره ولا تُمسّ إدارته.هو قرار منخفض الكلفة سياسيًّا، لأن عبئه يُرمى على «الآخر»، لا على مراكز النفوذ الفعلية المرتبطة بالمعمل وبامتداداته الجغرافية والمالية. الأخطر أنّ هذا النوع من القرارات يُنتج وهْمَ فعلٍ عامّ، بينما يراكم العجز الحقيقي. يدغدغ الشارع مؤقتًا، ويؤجّج انقسامًا مناطقيًّا بلا جدوى، ثم يُعاد تدويره انتخابيًّا كإنجاز، فيما الجبال نفسها من النفايات تبقى في مكانها، تكبر بصمت، وتتعفّن مع المدينة وأهلها. تؤكّد مصادرُ مطّلعة لـ«البوست» أنّ المفارقة فيما يُثار اليوم تكمن في أنّ معمل النفايات يعمل حاليًّا في أفضل حالاته منذ إنشائه، من حيث الفرز والمعالجة وتحديث الآلات والمكننة المطلوبة لاستمراريته، ومع ذلك يعيش أزمةً جديدة كان في غنى عنها. كما تؤكّد مصادر سياسية مطّلعة أنّ عمر هذه الأزمة المستجدّة لن يتجاوز شهرين كحدٍّ أقصى، ليُصار بعدها إلى معاودة استقبال النفايات، فتعود الأمور إلى سابق عهدها. وتوقّفت مصادر صيداوية مخضرمة عند السؤال عن سبب عدم إقدام أيٍّ من فاعليات جزين على إنشاء معمل معالجة أو مطمر بيئي، على الرغم من أنّ بلدات وقرى المنطقة لا ينقصها رجالُ أعمالٍ أثرياء قادرون على استثمار بضعة ملايين من الدولارات لحلّ أزمات ومشكلات أهلهم ومنطقتهم، ولا سيّما أشخاصًا كأمل أبو زيد، إلّا في حال كان يُنظر إلى صيدا باعتبارها ممرًّا للحلويات ومستقرًّا للنفايات؟ صيدا لا تحتاج إلى بطولات انتقائية ولا إلى قرارات موسمية. تحتاج إلى مواجهة كاملة: كشف الأرقام الحقيقية، فتح العقود، تحديد المسؤوليات، وامتلاك الجرأة السياسية لكسر الحلقة التي تحمي هذا الملف منذ أكثر من عشرين عامًا. ما دون ذلك ليس حلًّا، بل إدارة وقت، وتأجيل انفجار، وتدوير أزمات.