شهدت منطقة الطريق الجديدة في بيروت اعتصامًا حاشدًا في ساحة الملعب البلدي، دعمًا للموقوفين الإسلاميين والمطالبة بإقرار عفو عام شامل لا يستثني الشيخ أحمد الأسير وموقوفي ملف عبرا، وسط مشاركة أهالي الموقوفين وفاعليات وشخصيات بيروتية. ورفع المعتصمون الصوت رفضًا لأي صيغة عفو “منقوصة”، معتبرين أن القانون، إذا لم يشمل جميع المعنيين بهذا الملف، سيتحوّل من فرصة لمعالجة جرح وطني طويل إلى باب جديد للتمييز والظلم. وخلال الاعتصام، شدّد إمام مسجد سيدنا علي، الشيخ حسن مرعب، على أن المشاركين يتحركون من قلب بيروت للمطالبة بما وصفه بـ“الحق الكامل”، مؤكدًا أن الأهالي لا يطلبون منّة من أحد، بل يريدون إنصاف أبنائهم بعد سنوات طويلة من التوقيف والمعاناة. كما دعا النواب المعنيين، وخصوصًا نواب بيروت والنواب السنّة، إلى الثبات في متابعة الملف وعدم القبول بأي تسوية تُبقي قسمًا من الموقوفين خارج العفو. وأكدت كلمات المعتصمين أن ملف الموقوفين الإسلاميين لم يعد يحتمل المزيد من التسويف السياسي، خصوصًا أن عائلات كثيرة تعيش منذ سنوات على وقع المحاكمات الطويلة والأحكام القاسية، فيما ترى لجان الأهالي أن إقرار عفو شامل يشكل مدخلًا لطيّ صفحة مؤلمة وفتح نقاش وطني أوسع حول العدالة والمصالحة. ويأتي هذا التحرك في ظل عودة ملف الموقوفين الإسلاميين إلى الواجهة اللبنانية، مع تجدد المطالبات بإصدار قانون عفو عام، وهو ملف تعود جذوره إلى أحداث أمنية متعددة.
في بلدٍ ينهار فيه كلّ شيء إلّا الأقساط المدرسية، يطلّ علينا العام الدراسي كأنّه فيلم كوميدي أسود: الأهالي يركضون وراء المدارس، والمدارس تركض وراء جيوب الأهالي، والطلاب يركضون وراء مستقبلٍ يختفي مثل “معاش أوّل الشهر”. فاتورة النجاة من الجهل المدارس الخاصة تطالب الأهالي بدفع الأقساط كاملة، وكأنّها تقول لهم: “ادفعوا، أو دعوا أولادكم يتعلّمون من قناة الكرتون”. أمّا الأهالي، المشرّدون بين النزوح والبطالة، فيردّون: “نحن ندفع أقساط الحياة أصلًا: كهرباء، ماء، دواء، بنزين… والآن تريدون دمنا أيضًا؟”. هكذا يتحوّل التعليم إلى سلعة فاخرة، مثل الكافيار، لا يتذوّقها إلّا من يملك حسابًا مصرفيًا في سويسرا أو خزانة ذهب في البيت. شهادة في خبر كان وزارة التربية قرّرت إلغاء الشهادة المتوسطة، وكأنّها تقول للطلاب: “مبروك، أنتم ناجحون بلا امتحان، لكن بلا مستوى أيضًا”. الطلاب فرحوا في البداية، ثم اكتشفوا أنّ إلغاء البريفيه يعني أنّ لا أحد يعرف إن كانوا يفهمون الرياضيات، أم يظنّون أنّ الجذر التربيعي نوع من الخضار. المعلّمون يهمسون: “هكذا نخرّج أجيالًا من حملة شهادات عيان، مثل حملات انتخابية بلا برامج”. أمّا طلاب الثانوية العامة، فالمطلوب منهم أن يدرسوا المنهج كاملًا، بلا مواد اختيارية. الطالب في الجنوب يذاكر الفيزياء تطبيقيًا، ويستطيع التفريق بين جدار صوت، وقصف مدفعي، وغارة جوية، واعتراضات جوية، وانفجارات ثانوية، وكلّ هذا بينما “أم كامل”، الملقّبة بـ“الزنّانة”، تحلّق فوق رأسه. والطالب النازح في بيروت يراجع الكيمياء، وهو يتساءل عن أضرار الفوسفور على تربة الأرض التي أوصاه جدّه بالحفاظ على زيتونها. هكذا يصبح الامتحان أشبه بماراثون في حقل ألغام: من يصل إلى خط النهاية حيًّا، يُعدّ ناجحًا بامتياز. skip render: ucaddon_material_block_quote في غرفة العناية الفائقة المستوى الأكاديمي يتدنّى، والطلاب يخرجون من المدارس وهم يظنّون أنّ “الربيع العربي” اسم فرقة موسيقية. العدالة التعليمية تختفي؛ فالطالب في مدرسة خاصة يحصل على فرص، بينما الطالب في مدرسة رسمية يكتفي بفرصة للهجرة. النتيجة: هجرة العقول، هجرة القلوب، وهجرة كلّ شيء إلّا الأقساط. الجامعات الخاصة تحوّلت إلى مصارف صغيرة، تطلب الأقساط بالدولار الفريش، وكأنّ العلم سلعة تُباع على رفوف السوق السوداء. أمّا الجامعات الرسمية، فهي أشبه بمستشفيات حكومية بلا دواء، قاعاتها فارغة من الرحمة. ختامٌ بلا مسك التعليم في لبنان اليوم يشبه مسرحية هزلية: الأهالي هم الجمهور المرهق، المدارس هي الممثلون الجشعون، والطلاب هم الضحايا الذين يضحكون دون إدراكٍ لشرّ البليّة. لكن خلف الكوميديا السوداء، هناك مأساة حقيقية: جيلٌ كامل مهدّد بأن يكبر بلا علم، بلا أمل، وبلا مستقبل. فهل نحتاج إلى وزارات فيها “تربية” لإنقاذ ما تبقّى من عقل هذا البلد؟