لم يَعُد السؤال اليوم: هل يُفتح مضيق هرمز أم يُغلق؟ بل: مَن يملك قرار فتحه وإغلاقه، ومتى، وبأيّ ثمن؟ فبعد تعثّر المفاوضات الأميركية الإيرانية، دخل واحد من أهم شرايين الطاقة في العالم مرحلة جديدة، لم يعد فيها مجرد ممرّ بحري، بل أصبح خط تماس مباشر بين الحرب والتفاوض. في الجغرافيا، هرمز مجرّد مضيق ضيّق تعبره ناقلات النفط. أمّا في السياسة، فهو عنق العالم الاقتصادي. من هنا تمرّ نسبة ضخمة من إمدادات الطاقة العالمية، ما يجعل أيّ تهديد له كفيلًا بإرباك الأسواق ورفع الأسعار وإشعال التوتر الدولي. لكن ما يجري اليوم يتجاوز معادلة “فتح أو إغلاق”، ليصل إلى واقع أكثر تعقيدًا: مضيق مفتوح شكليًا، مختنق فعليًا. إيران تدرك تمامًا قيمة هذه الورقة. لذلك، لا تبدو مستعجلة على إغلاق المضيق بالكامل، بقدر ما تسعى إلى إبقائه تحت التهديد الدائم. فالخوف وحده كافٍ لتحقيق جزء كبير من الهدف: رفع كلفة الشحن، إرباك الشركات، وزرع الشك في استقرار الإمدادات. الإغلاق الكامل قد يستجلب مواجهة عسكرية واسعة، أمّا التلويح به فيمنح طهران نفوذًا مستمرًا بكلفة أقل. في المقابل، تتحرّك الولايات المتحدة انطلاقًا من معادلة معاكسة: منع تحويل هرمز إلى أداة ابتزاز دائم. لذلك، نشهد تعزيزًا للحضور البحري، ومحاولات لتأمين الممر، وإيصال رسالة واضحة مفادها أن حرية الملاحة خط أحمر. لكن هذه الرسائل، رغم قوتها، لا تُنهي الأزمة، بل تديرها على حافة الانفجار. النتيجة هي حالة رمادية متوترة: ناقلات تعبر، وأخرى تنتظر. شركات شحن تتريّث، وأخرى تغامر. أسعار تتقلّب على وقع التصريحات والتسريبات. لا إغلاق كامل، ولا استقرار فعلي. ما يجري ليس “أزمة عابرة”، بل إدارة صراع مفتوح بلا حسم. الأخطر أن هذا الواقع لا يرتبط فقط بالميدان البحري، بل بمسار أوسع من الصراع بين واشنطن وطهران. فكلّ تقدّم أو تعثّر في التفاوض ينعكس فورًا على حركة المضيق. هرمز لم يعد تفصيلًا في الأزمة، بل أصبح قلبها النابض. ومن يسيطر على إيقاعه، يملك القدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي بأكمله. في هذا السياق، يبدو العالم وكأنه يعيش على إيقاع “تعليق دائم”: لا حرب شاملة تُحسم، ولا سلام يُبنى. وبينهما، يبقى المضيق رهينة التوازنات، تُفتح مياهه بقدر، وتُضيَّق بقدر، وفق ميزان القوة لا القانون. دخل مضيق هرمز مرحلة جديدة من تاريخه: لم يعد ممرًا آمنًا ولا ساحة حرب كاملة، بل منطقة اشتباك مؤجّل. وإذا استمرّ التعثّر بين الولايات المتحدة وإيران، فإن المستقبل القريب لن يحمل إغلاقًا نهائيًا ولا فتحًا مستقرًا، بل استمرارًا لهذا الوضع الهشّ: ممرٌّ حيّ، لكنه يعيش على حافة الاختناق. وفي عالم يعتمد على هذا الشريان، يكفي أن يضيق قليلًا… ليختنق الجميع.
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تتقدّم الوقائع وحدها إلى مسرح التاريخ، بل تتزاحم معها السرديّات، والأساطير، وحتى ما يبدو أقرب إلى “الخزعبلات”. السؤال، إذًا، ليس بسيطًا كما يبدو: هل يمكن لوهمٍ مُحكَم البناء أن ينافس واقعًا مترهّل الإرادة؟ أم أنّ التاريخ، في نهاية المطاف، لا يعترف إلا بميزان القوّة الصلب، مهما تزيّن بالخيال؟ ثمّة مسلّمات صغيرة، لكنها حاسمة، ترسم مآلات كبرى. هذا ما أدركه الأدب قبل السياسة. ففي نهاية رجل شجاع لحنا مينه، لا يسقط البطل دفعة واحدة، بل يتآكل عبر سلسلة من الخيارات الصغيرة التي تفضي إلى قدرٍ محتوم. وفي اللاز للطاهر وطار، تتشكّل شخصية مأزومة من بيئة فوضوية، حيث تختلط البطولة بالعدمية، والواقعية بالهذيان. بين هذين العملين، يمكن قراءة السياسة المعاصرة بوصفها رواية مفتوحة، أبطالها ليسوا بالضرورة عقلانيين، ونهاياتها ليست دائمًا منطقية. في قلب هذه الرواية يقف دونالد ترامب، بوصفه شخصية تتجاوز السياسة التقليدية نحو شيء أقرب إلى “اللاز” المعاصر: مزيج من الشعبوية، والتحدّي، والاندفاع نحو المجهول. غير أنّ السؤال الحقيقي لا يتعلّق بقراراته الخارجية، سواء تجاه إيران أو غيرها، بل بما يختبئ خلف هذا الضجيج: معركة داخلية على تعريف الدولة نفسها. لا تنتصر الخرافة لأنها أكثر إقناعًا، بل لأنها تجد من يملك القوة الكافية لفرضها كحقيقة منذ عودته إلى السلطة، سعى ترامب إلى إعادة تشكيل البنية الأمنية والعسكرية، ليس فقط من باب الإصلاح، بل من باب إعادة ضبط الولاءات. هذا السلوك، الذي قد يبدو للبعض تعزيزًا للسيطرة، يعكس في جوهره إدراكًا عميقًا لهشاشة اللحظة السياسية. فالقائد الذي يخشى المستقبل لا يعيد ترتيب الخارج، بل يعيد هندسة الداخل. الاقتصاد، كعادته، لا يكذب طويلًا. التضخّم، وتآكل القدرة الشرائية، واتّساع الفجوة الاجتماعية، كلّها مؤشرات لا تحتاج إلى خطاب سياسي لتفسيرها. ومع اقتراب الانتخابات النصفية، تبدو المؤشرات مائلة ضد الحزب الحاكم، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات تصعيدية، ليس أقلّها الطعن في النتائج أو رفض التسليم بها. هنا تبدأ المنطقة الرمادية، حيث تتحوّل الديمقراطية من نظام مستقر إلى ساحة نزاع مفتوح. فإذا قرّر رئيس في موقع البيت الأبيض أن يشكّك في شرعية المؤسسات، فإنّ الأزمة لا تعود سياسية فحسب، بل تصبح وجودية. الدولة، في هذه الحالة، تدخل في اختبار غير مسبوق: هل الولاء للنص الدستوري، أم للشخص الذي يجسّد السلطة؟ السيناريو الذي يتحدّث عن انقسام في الأجهزة، أو تموضع بعض القطاعات الأمنية إلى جانب القيادة السياسية ضد مؤسساتها، قد يبدو أقرب إلى الخيال. لكنه ليس بلا سوابق تاريخية. فالإمبراطوريات لا تنهار دائمًا بفعل هزيمة خارجية، بل كثيرًا ما تتفكّك من الداخل، حين تفقد النخبة قدرتها على الاتفاق على قواعد اللعبة. استحضار انهيار الاتحاد السوفيتي ليس من باب المقارنة السطحية، بل من باب التذكير بأنّ التماسك الظاهري قد يخفي تصدّعات عميقة. ومع ذلك، يبقى الفارق الجوهري أنّ الولايات المتحدة تمتلك مؤسسات أكثر مرونة، واقتصادًا أكثر تنوّعًا، ونظامًا سياسيًا اعتاد امتصاص الصدمات، ولو بعد حين. لكن الأخطر من كل ذلك ليس السيناريو بحد ذاته، بل الإيمان به. فملايين من التيارات الدينية والسياسية، خصوصًا داخل ما يُعرف بالإنجيليين الجدد، يتعاملون مع هذه الفوضى المحتملة بوصفها مرحلة انتقالية نحو “نبوءة” أكبر، حيث يُعاد رسم مركز الثقل العالمي، وتُمنح القدس دورًا يتجاوز الجغرافيا إلى الميتافيزيقا السياسية. هنا، لا تعود السياسة مجرد إدارة مصالح، بل تتحوّل إلى تحقيق سردية. في هذه النقطة تحديدًا، يلتقي الخيال بالواقع بشكل مقلق. فحين تصبح الأسطورة دافعًا للقرار، لا يعود بالإمكان الفصل بين ما هو عقلاني وما هو اعتقادي. والتاريخ، كما نعلم، لا يرفض الأساطير إذا امتلكت أدوات القوة، بل أحيانًا يكافئها. ومع ذلك، ثمّة مبالغة كامنة في تصوير الانهيار الوشيك. فالولايات المتحدة ليست كيانًا هشًا يمكن تفكيكه بسهولة، ولا هي إمبراطورية كلاسيكية تعيش لحظة أفول تقليدية. لكنها أيضًا ليست بمنأى عن أزمات عميقة، خصوصًا إذا استمر تآكل الثقة بين المجتمع ومؤسساته. يبقى السؤال مفتوحًا، كما في كل الروايات الكبرى: هل تنتصر “الخزعبلات” على الواقع؟ ربما الأدق أن نقول إنّ الواقع نفسه قد يُعاد تشكيله حين يؤمن عدد كافٍ من الناس بالخرافة، ويعملون على تحويلها إلى حقيقة. عندها، لا يعود الانتصار للخيال أو للواقع، بل لمن يمتلك القدرة على فرض روايته. حتى الآن، لا تزال الكفّة تميل لصالح المؤسسات، لا الأوهام. لكن التاريخ لا يُكتب بالنوايا، بل بالنتائج. وما بين الاثنين، مساحة واسعة يمكن أن تولد فيها أكثر السيناريوهات جنونًا… أو أكثرها واقعية.
كشفت مصادر دبلوماسية مطّلعة في بيروت لصحيفة “البوست” عن مخاوف جدّية من دخول الحرب المشتعلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران مرحلة أكثر خطورة خلال الأيام المقبلة، مؤكدةً أن لا مؤشرات فعلية حتى الآن إلى أفق قريب للحل، خلافًا لما قد توحي به بعض القراءات المتفائلة. وبحسب المصادر، فإن الحديث المتداول عن مفاوضات بين الجانبين لا يكفي للرهان على تهدئة وشيكة، إذ إن المسار الميداني والسياسي المفتوح يوحي بمزيد من التأزّم والتصعيد، لا بتراجع حدّة المواجهة أو احتوائها في المدى المنظور. ولفتت المصادر إلى أن الساحة اللبنانية لن تكون بمنأى عن هذا المسار، مرجّحةً أن تشهد بدورها مزيدًا من التصعيد لا الانحسار، بصرف النظر عمّا قد تفضي إليه المفاوضات الأميركية – الإيرانية، إن حصلت، أو عن طبيعة النتائج التي يمكن أن تخرج بها.