بعد مرور أكثرَ من عامٍ على اتّفاقِ وقفِ إطلاقِ النار الذي أنهى 13 شهرًا من العدوان الإسرائيلى على لبنان والمعارك العسكرية مع حزبِ الله، لا يزال الوضعُ على الحدودِ اللبنانية – الإسرائيلية متوتّرًا ومحفوفًا بالمخاطر. على الرغمِ من أنّ المرحلةَ الأولى من الاتّفاق، التي تقضي بنزعِ سلاحِ حزبِ الله جنوبَ نهرِ الليطاني، تقتربُ من نهايتها، فإنّ الأنظارَ تتّجهُ الآن إلى المرحلةِ الثانيةِ والأكثرِ تعقيدًا: نزعِ السلاح شمالَ النهر.يطرحُ هذا التحوّل سؤالًا محوريًّا: هل يمكنُ أن تقبلَ إسرائيلُ ببقاءِ ترسانةِ حزبِ الله العسكرية شمالَ الليطاني، أم إنّنا على أعتابِ جولةٍ جديدةٍ من الصراع؟ اتّفاقٌ هشٌّ ومرحلةٌ معقّدة في 27 نوفمبر 2024، وبوساطةٍ أمريكية، تمّ التوصّلُ إلى اتّفاقٍ لوقفِ إطلاقِ النار بين إسرائيل وحزبِ الله. ونصَّ الاتّفاقُ على مرحلتين رئيسيتين: الأولى، نزعُ سلاحِ الحزب جنوبَ نهرِ الليطاني بحلولِ نهايةِ عام 2025، والثانية، معالجةُ قضيّةِ سلاحِه شمالَ النهر. وجاء هذا الاتّفاق بعد حربٍ استمرّت أكثرَ من عام، خلّفت آلافَ القتلى والجرحى، وأدّت إلى نزوحِ عشراتِ الآلافِ من المدنيّين على جانبي الحدود. رسميًّا، تُصرُّ إسرائيلُ على ضرورةِ نزعِ سلاحِ حزبِ الله بالكامل، وتعتبرُ وجودَ أيّ قدراتٍ عسكريةٍ خارجَ سيطرةِ الدولةِ اللبنانية تهديدًا مباشرًا لأمنِها. لكن، على الأرض، تبدو الاستراتيجيةُ الإسرائيليةُ أكثرَ تعقيدًا. فمنذ توقيعِ الاتّفاق، لم يتوقّفِ العدوانُ الإسرائيليّ والخروقات، حيث تُشيرُ التقاريرُ إلى مئاتِ الغاراتِ الجوية وعملياتِ التوغّلِ البري، فضلًا عن الاغتيالاتِ المستمرّة لقياداتٍ وعناصرَ من حزبِ الله. وفي هذا المجال، ترى مصادرُ مطّلعةٌ أنّ إسرائيلَ تستخدمُ هذه الهجمات كوسيلةٍ للدفاعِ المتقدّم، بهدفِ منعِ الحزب من إعادةِ بناءِ قدراته العسكرية وإيجادِ طرقٍ جديدةٍ للقتال، ولا سيّما في ما يتعلّقُ بالصواريخِ قصيرةِ المدى، التي تُشكّل مصدرَ قلقٍ كبيرٍ لتل أبيب. تُصرُّ إسرائيلُ على ضرورةِ نزعِ سلاحِ حزبِ الله بالكامل، وتعتبرُ وجودَ أيّ قدراتٍ عسكريةٍ خارجَ سيطرةِ الدولةِ اللبنانية تهديدًا مباشرًا لأمنِها. لكن، على الأرض، تبدو الاستراتيجيةُ الإسرائيليةُ أكثرَ تعقيدًا. انقسامٌ داخليٌّ وضغوطٌ خارجية على الجانبِ الآخر، يرفضُ حزبُ الله بشكلٍ قاطعٍ أيَّ نقاشٍ حول سلاحِه شمالَ الليطاني قبل تحقيقِ شروطِه، التي تتلخّصُ في انسحابِ إسرائيلَ الكامل من جميعِ الأراضي اللبنانية المحتلّة ووقفِ خروقاتِها. إذ يعتبرُ الحزبُ أنّ سلاحَه ضروريٌّ للدفاعِ عن لبنان، وأنّ أيَّ قرارٍ بهذا الشأن يجبُ أن يتمَّ في إطارِ استراتيجيةٍ دفاعيةٍ وطنيةٍ يتّفقُ عليها جميعُ اللبنانيّين. هذا الموقفُ يضعُ الحكومةَ اللبنانية، برئاسةِ نواف سلام، في موقفٍ حرج، إذ تجدُ نفسها محاصَرةً بين ضغوطِ المجتمعِ الدوليّ لتنفيذِ الاتّفاق، ورفضِ شريكٍ أساسيٍّ في الوطن لهذا الطرح. في هذا الإطار، تلعبُ القوى الدوليةُ والإقليميةُ دورًا في هذا المشهدِ المعقّد، لكنّ تأثيرَها يبدو محدودًا. فالولاياتُ المتحدة، على الرغمِ من رعايتها للاتّفاق، تبدو غيرَ جادّةٍ في الضغطِ على إسرائيلَ للالتزامِ ببنوده، بينما يقتصرُ الدورُ الأوروبيّ، بقيادةِ فرنسا، على محاولةِ الحفاظِ على الاستقرار ومنعِ الانزلاقِ إلى حربٍ شاملة. أمّا المبادراتُ الإقليمية، كمبادرةِ تجميدِ السلاح التي طرحتها مصر، فلم تحظَ بالزخمِ الكافي لتحقيقِ أيّ اختراق. التصعيدُ المحسوبُ والمواجهةُ الشاملة في ظلِّ هذا الوضعِ المتأزّم، يمكنُ الخروجُ بعدّةِ سيناريوهاتٍ محتملةٍ للقادمِ من الأيّام: 1. استمرارُ التصعيدِ المحدود (السيناريو الأكثرُ ترجيحًا): يستمرُّ الوضعُ الحاليّ من المناوشاتِ والضرباتِ الموضعيّة، حيث يسعى كلُّ طرفٍ إلى فرضِ قواعدِ اشتباكٍ جديدةٍ من دونِ الانجرارِ إلى حربٍ شاملة. 2. خفضٌ شكليٌّ للتصعيد: قد تلجأُ الأطرافُ، بضغطٍ من واشنطن، إلى خفضٍ مؤقّتٍ لحدّةِ التوتّر بهدفِ تحسينِ شروطِ التفاوض، لكنّ هذا الخيارَ يبقى مرهونًا بمدى استعدادِ كلِّ طرفٍ لتقديمِ تنازلات. 3. تصعيدٌ محسوب: قد تُقدِمُ إسرائيلُ، بدعمٍ أمريكيّ، على عملٍ عسكريٍّ محدودٍ بهدفِ تدميرِ قدراتٍ نوعيّةٍ لحزبِ الله وفرضِ واقعٍ جديدٍ على الأرض، غير أنّ هذا الخيارَ يحملُ في طيّاته خطرَ الخروجِ عن السيطرة. 4. مواجهةٌ واسعة (السيناريو الأقلُّ احتمالًا حاليًّا): يبقى خيارُ الحربِ الشاملة مستبعدًا في الوقتِ الراهن، نظرًا للتكاليفِ الباهظة التي ستترتّبُ عليه على جميعِ الأطراف، وغيابِ الغطاءِ الدوليّ لمثلِ هذه الحرب. من الواضح أنّ إسرائيلَ لن تقبلَ بسهولةٍ ببقاءِ ترسانةِ حزبِ الله العسكرية شمالَ الليطاني، وأنّها ستستمرُّ في ضغوطِها العسكرية والدبلوماسية لتحقيقِ هدفِها بنزعِ سلاحِ الحزب. في المحصّلة، لا يبدو أنّ سلاح حزب الله شمال الليطاني ملفّ قابل للتسوية، بل عنوانٌ مفتوحٌ على التصعيد. إسرائيل لن تتعايش مع ترسانةٍ تقول إنّها تهديدٌ وجوديّ، والحزب لن يتخلّى عن سلاحٍ يعتبره ضمانةَ بقائه ودوره. وبين منطق القوّة ومنطق الردع، يبقى لبنان رهينة حساباتٍ لا يملك مفاتيحها. شمال الليطاني لم يعد خطَّ تماسٍ جغرافيًّا، بل خطَّ انفجارٍ سياسيٍّ وأمنيّ، وأيّ خطأٍ في التقدير لن يُقاس بالبيانات ولا بالوساطات، بل بعدد الضربات… واتّساع رقعة النار.
عَلِمَت صحيفةُ “البوست” من مصادرٍ سياسيةٍ مطّلعةٍ أنّ عددًا من الجمعيّاتِ غيرِ الحكوميةِ الدوليّة، كما الكثيرَ من الجمعيّاتِ الأهليّةِ المحليّة، أبلغتِ الجهاتَ المعنيّةَ بعملِها بتسريعِ وتيرةِ التحضيراتِ والاستعداداتِ لمواكبةِ عملٍ عدوانيٍّ إسرائيليٍّ قريب. وعلى الرغم من أنّ هذه الجمعيّاتِ تقومُ منذ مدّةٍ بإحاطةِ العاملين لديها بمجموعةٍ من الخططِ والاقتراحاتِ التنفيذيّة، تخوّفًا من بدء أعمالٍ إسرائيليّةٍ لم تَعُدْ سرًّا، إلا أنّ الجديدَ في الأمر هو الطّلبُ المباشرُ لدى الكثيرِ من هذه الجمعيّاتِ والمؤسّساتِ الإغاثيّة من المعنيّين لديها ببدءِ تجهيزِ المستودعاتِ والأماكنِ التي من شأنها تخزينُ الموادِّ الإغاثيّةِ الأساسيّةِ الضروريّة كالفرش والمواد الغذائية والأدوية… مع الإشارةِ اللافتةِ إلى وجودِ تخوّفٍ جدّيٍّ هذه المرّة من عدمِ القدرةِ على حريّةِ التنقّل بين المناطق كما في العدوانِ السابق، ما دفع بهذه الهيئاتِ إلى البحثِ عن مستودعاتِ تخزينٍ تُغطّي كاملَ الأراضي اللبنانيّة في حالِ حصولِ قطعٍ للطرقات.
في سابقةٍ من نوعها، وجّه حزبُ الله ظهر اليوم «كتابًا مفتوحًا» إلى الرؤساء الثلاثة وإلى الشعب اللبناني، في خطوةٍ أراد منها تثبيت رؤيته لـ«السيادة والأمن الوطني» في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار المعلَن مع إسرائيل أواخر العام الماضي. لكن يبدو أنّ الكتاب كان موجَّهًا إلى إسرائيل، وكأنّه البيان رقم (1) إذ أعلن انطلاق وجهٍ جديدٍ من أوجه الحرب في جولةٍ جديدةٍ لا يعلم أحدٌ إلى ماذا ستُفضي. ففي تطوّرٍ لافت لــ“ستاتيكو” الأحداث ويوميّاتها منذ «وقف إطلاق النار»، وجّه الجيشُ الإسرائيلي إنذارًا لعددٍ من القرى الجنوبية بوجوب مغادرتها، وقامت المقاتلاتُ الإسرائيلية بضرب عددٍ من المواقع في هذه البلدات تحت ذريعة أنّها مراكزُ لحزب الله، ما أدّى إلى حالة نزوحٍ لسكان المناطق المستهدفة باتجاه مدنٍ كصور وصيدا وبيروت. البيانُ الذي جاء بلغةٍ رسميّة هادئة، حمل في مضمونه تحذيرًا سياسيًّا عالي السقف، إذ رفض بشكلٍ قاطعٍ أيَّ مسعى داخلي أو خارجي لإعادة التفاوض مع إسرائيل، أو لبحث مسألة «حصرية السلاح بيد الدولة» خارج التوافق الوطني. إعادة تفسير القرار 1701 اللافت أنّ الحزب استند في مطالعته إلى القرار الدولي 1701، الذي طالما اعتبره مجحفًا عام 2006، ليجعله اليوم درعًا قانونيًا لشرعية المقاومة. فبحسب قراءته الجديدة، ينحصر نطاقُ القرار جنوبَ نهر الليطاني، ولا يتضمّن أيَّ نصٍّ يُلزِم بنزع سلاح «المقاومة» في باقي المناطق اللبنانية. ومن هذا الباب، حمّل الحزبُ إسرائيل مسؤولية خرق وقف النار، متهمًا إيّاها بابتزاز الدولة اللبنانية ومحاولة جرِّها إلى مفاوضات جديدة تخدم مصالحها. تحذيرٌ مبطَّن في سطورِ البيان، بدا حزبُ الله وكأنّه يوجّه توبيخًا مبطّنًا للحكومة برئاسة نواف سلام، معتبرًا أنّ حديثها عن «حصرية السلاح» شكّل «عربونَ حسنِ نيّةٍ» لإسرائيل و«خطيئةً سياسية». شدّد الحزب على أنّ أيَّ نقاشٍ في ملفّ السلاح يجب أن يتم ضمن «استراتيجية دفاع وطنية»، لا تحت ضغط خارجي أو ابتزاز سياسي، مُكرِّسًا بذلك معادلةً قديمة بثوبٍ جديد: «الجيش والشعب والمقاومة» كركائز لحماية السيادة. ورفض البيان أيَّ مفاوضات سياسية مع إسرائيل، واعتبرها «فخًّا» يقود إلى الإذعان. وفي الوقت نفسه، يسعى الحزب إلى تحويل موقعه العسكري إلى مظلةٍ وطنية جامعة، عبر التأكيد أن «العدو لا يستهدف حزب الله وحده، بل لبنان كلّه». بهذا الخطاب، يسحب الحزب النقاش من كونه ملفًّا داخليًّا إلى كونه قضية دفاعٍ عن الكيان اللبناني برمّته، محاولًا تحييد الانقسامات السياسية عبر لغة سيادية جامعة. نضجٌ تكتيكي أم تثبيتٌ للواقع؟ يرى متابعون البيانَ مناورةً سياسيةً، تهدف إلى تحصين موقع الحزب أمام حكومة تميل إلى التوجّه الغربي، وإلى قطع الطريق أمام أيّ مسعى أميركي – أممي لإعادة فتح ملفّ نزع السلاح. في المقابل، لا يخلو البيان من رسائل طمأنة للداخل والخارج، إذ يتحدّث عن الالتزام بوقف النار والحرص على الاستقرار، لكنه يربط كلّ ذلك بشرطٍ أساسي: احترام المقاومة و«حقّها المشروع في الدفاع». بين لهجة الاعتدال الدبلوماسي ومضمون التحدّي الاستراتيجي، يبدو حزبُ الله وكأنه يقول للدولة اللبنانية والعالم: «لن نبدأ حربًا، لكننا لن نتنازل عن سلاحنا». بهذا الموقف، يحاول حزبُ الله تثبيت معادلة:«الهدوء ممكن… لكن بشروط المقاومة» معادلةٌ يبدو أنّها لم تَعُد صالحةً، والتصاعد التدريجي للأعمال القتالية من العدو الإسرائيلي ستثبت ذلك.