على الرغم من القصف الأميركي-الإسرائيلي، وعلى الرغم من السخط المتراكم على النظام الإيراني، لم يتحوّل الشارع الإيراني حتى الآن إلى انتفاضة شاملة هذا لا يعني أن النظام استعاد رضى الناس، ولا أن الحرب منحته شرعية جديدة، بل يعني أن المجتمع الإيراني عالق في لحظة أكثر تعقيداً: غضب داخلي عميق، يقابله خوف هائل من الحرب، وقمع جاهز، وقلق واسع من أن يتحوّل إسقاط النظام إلى انهيار دولة، لا إلى ولادة بديل.تقارير حديثة من داخل إيران تصف هذا المزاج بوضوح: كثيرون يريدون التغيير، لكنهم لا يريدونه بهذه الطريقة، ولا على إيقاع الغارات والخراب. في العادة، الحرب لا تصنع ثورة تلقائياً. حين تتعرّض المدن للقصف، تتقدّم أولويات البقاء على أولويات السياسة. الناس تبحث عن الأمان، وعن الطعام، وعن مكان تنام فيه، لا عن ساحة تتظاهر فيها.معلومات كثيرة تحدّثت عن نزوح أكثر من 3.2 ملايين إيراني من منازلهم، وعن تعطّل الحياة اليومية واتساع حجم الخسائر البشرية، ما جعل المزاج العام أقرب إلى الصدمة والنجاة منه إلى التنظيم والانفجار. الإيرانيون غاضبون من النظام، لكن كثيرين منهم لا يريدون تغييراً يولد من تحت القصف، ولا ثورة تنتهي إلى فوضى تشبه كوابيس المنطقة، فالحرب لم تُسقط الخوف، بل جمّدَت الانفجار السبب الثاني أن النظام سبق هذه الحرب بقمع دموي رفع كلفة التمرّد إلى حدٍّ هائل. منظمة العفو الدولية قالت إن السلطات الإيرانية شنّت منذ يناير 2026 حملة قمع “مُعسكرة” لإخفاء ما وصفته بمجازر الاحتجاجات، فيما وثّقت العفو ومنظمة هيومن رايتس ووتش استخدام القوة المميتة والاعتقالات التعسفية الواسعة ضد المتظاهرين. في بيئة كهذه، لا يكفي الغضب للنزول إلى الشارع؛ لأن الناس تعرف مسبقاً أن الثمن قد يكون السجن أو الاختفاء أو الموت. النظام لا يزال ممسكاً السبب الثالث أن أجهزة السيطرة لا تزال متماسكة بما يكفي لمنع الانفجار. فالحرب أضعفت الدولة، لكنها لم تكسر بعد أدواتها الداخلية في الضبط والردع. وهذا ما يفسّر كيف استطاع النظام، بالتوازي مع الضربات، أن ينظّم حشوداً ومظاهر تعبئة سياسية ليعرض صورة “التماسك الوطني” في الداخل والخارج، حتى لو كانت هذه الصورة لا تعكس كل المجتمع الإيراني.كذلك فإن النظام لا يحكم بالسلاح فقط، بل أيضاً بالتحكّم بالمجال العام والمجال الرقمي. تقارير “فريدوم هاوس” تؤكد أن الإنترنت في إيران ما زال خاضعاً لقيود شديدة، وأن السلطات فرضت في فترات سابقة انقطاعات واسعة وضغوطاً لدفع المستخدمين نحو فضاء رقمي محلي أسهل رقابةً ومتابعةً.كما وثّقت تقارير أخرى أن السلطات استخدمت تعطيل الإنترنت وترهيب الصحافيين خلال فترات الحرب السابقة. وهذا يعني أن أي محاولة لتنظيم احتجاج واسع تصبح أصعب بكثير في ظل الخوف والرقابة والعزل المعلوماتي. التغيير وغياب البديل ربما الأهم سياسياً، أن قسماً واسعاً من الإيرانيين لا يريد أن يكون التغيير مشروعاً تُديره واشنطن أو تل أبيب. تقرير حديث نقل بوضوح تحوّلاً في مزاج بعض الإيرانيين المناهضين للنظام، من الترحيب بأي ضغط خارجي إلى الغضب من حرب تدمّر المدن والبنى المدنية وتفتح الباب على سيناريوهات شبيهة بالعراق. المعنى هنا شديد الأهمية: كراهية النظام لا تعني تلقائياً قبول إسقاطه بالقصف الخارجي.ثم هناك عامل آخر لا يقل وزناً: غياب البديل المنظّم. فالنقمة موجودة، لكن القيادة الموحّدة القادرة على تحويلها إلى مسار انتقالي واضح ليست حاضرة بما يكفي. لذلك يبقى الشارع موزّعاً بين الرغبة في التغيير والخشية من الفراغ، وبين رفض السلطة ورفض المجهول معاً. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الصمت دعماً للنظام بقدر ما يكون تعبيراً عن مجتمع ينتظر لحظة أوضح، وأقل كلفة، وأكثر قابلية للحسم. هذا الاستنتاج تدعمه أيضاً تقارير حديثة وصفت الإيرانيين بأنهم “يتوقون إلى التغيير”، لكنهم يعيدون التفكير بثمنه وشكله تحت وقع الحرب. لذلك، فإن عدم تحرّك الشارع الإيراني حتى الآن لا يجب أن يُقرأ على أنه قوة مريحة للنظام، بل على أنه نتيجة توازن قاسٍ بين القمع والخوف والرفض الشعبي لأن يولد التغيير من رحم القصف الخارجي. الشارع لم يهادن، لكنه لم يجد بعد لحظة الانفجار المناسبة. الغضب موجود، والاحتقان عميق، لكن الحرب جمّدت الصدام الداخلي بدلاً من أن تطلقه. وفي إيران اليوم، لا تبدو المشكلة في غياب أسباب الثورة، بل في أن شروطها السياسية والإنسانية والتنظيمية لم تنضج بعد.
في الشرق الأوسط، لا تكفي المليارات لصناعة حصانة مطلقة. فكلما اشتدّ سباق التسلح، تبيّن أن أكثر المنظومات الدفاعية تطورًا ليست دروعًا كاملة، بل وسائل لتخفيف الخسائر وتأخير الضربة لا لمنعها نهائيًا. وهذا ما أعادت الحروب الأخيرة كشفه بوضوح: حتى القبة الحديدية ومنظومة “ثاد” ليستا خارج منطق الاختراق بنت إسرائيل والولايات المتحدة، على مدى سنوات، شبكة دفاع جوي وصاروخي تُعد من الأكثر تطورًا في العالم، لحماية المدن والقواعد والمنشآت الحيوية من الصواريخ والقذائف الباليستية. غير أن مشاهد الصواريخ التي نجحت في العبور، والانفجارات التي وقعت رغم وجود هذه الأنظمة، أعادت طرح السؤال الكبير: كيف تخترق الصواريخ هذه المنظومات المتقدمة؟ درع للاعتراض لا ضمانة للنجاة تُعد القبة الحديدية (Iron Dome) أحد أشهر أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية، وقد صُممت لاعتراض الصواريخ قصيرة المدى وقذائف المدفعية التي يتراوح مداها بين 4 و70 كيلومترًا. وجاء تطويرها بعد حرب لبنان عام 2006، حين تعرضت إسرائيل لآلاف الصواريخ، قبل أن تدخل الخدمة رسميًا عام 2011. تعتمد القبة الحديدية على ثلاثة عناصر رئيسية مترابطة:رادار للكشف والتتبع، ومركز لإدارة المعركة وتحليل المسار، وصاروخ اعتراض من طراز “تامير” يُطلق لتدمير الهدف في الجو قبل سقوطه. وبحسب الأرقام المعلنة، تتراوح نسبة نجاحها بين 85 و90 في المئة، وهي نسبة مرتفعة نظريًا، لكنها لا تعني أبدًا أن المنظومة قادرة على اعتراض كل شيء. فهذه النسبة، مهما بدت كبيرة، تترك هامشًا كافيًا لوصول بعض الصواريخ، خصوصًا في ظروف القصف الكثيف أو الهجمات المركبة. حتى أكثر أنظمة الدفاع تطورًا لا تصنع حصانة مطلقة… فالهجوم يجد دائمًا طريقًا جديدًا إلى السماء صاروخ رخيص يربك المعادلة من أكثر النقاط إثارة للجدل في القبة الحديدية، الكلفة الباهظة لاعتراض تهديدات منخفضة الكلفة. فتقدَّر تكلفة البطارية الواحدة بما بين 50 و100 مليون دولار، فيما يتراوح سعر صاروخ الاعتراض الواحد بين 40 و100 ألف دولار. في المقابل، قد لا تزيد كلفة الصاروخ المهاجم على 500 إلى 2000 دولار فقط. وهنا تظهر معضلة كبرى تعرف باسم حرب الاستنزاف الاقتصادية: مهاجم يطلق ذخائر رخيصة نسبيًا، فيدفع الطرف المدافع إلى استهلاك صواريخ اعتراض باهظة الثمن لمواجهتها. المظلّة الأميركية أما منظومة “ثاد” (THAAD) فهي ليست مخصصة للصواريخ القصيرة، بل لاعتراض الصواريخ الباليستية متوسطة المدى على ارتفاعات عالية، داخل الغلاف الجوي أو خارجه. وهي اختصار لعبارة Terminal High Altitude Area Defense، وقد طورتها شركة لوكهيد مارتن الأميركية. يصل مدى الاعتراض في هذه المنظومة إلى نحو 200 كيلومتر، فيما قد يبلغ ارتفاع الاعتراض حوالى 150 كيلومترًا. وتستخدم “ثاد” تقنية الاصطدام المباشر (Hit-to-Kill)، أي تدمير الهدف بطاقة الاصطدام من دون رأس متفجر. لكن هذه الفاعلية التقنية تأتي بكلفة هائلة، إذ قد تصل كلفة البطارية الواحدة إلى نحو 3 مليارات دولار، بينما تتراوح كلفة الصاروخ الاعتراضي الواحد بين 8 و12 مليون دولار، ما يجعلها من أغلى أنظمة الدفاع الجوي في العالم. هجمات الإغراق رغم هذا التقدم، تبقى الحقيقة العسكرية ثابتة: لا وجود لدفاع مطلق. ومن أكثر الوسائل فعالية لاختراق المنظومات الدفاعية ما يُعرف بـهجمات الإغراق (Saturation Attack)، أي إطلاق عدد كبير من الصواريخ في وقت واحد. في هذا السيناريو، لا تكون المشكلة في عجز المنظومة عن اعتراض الصاروخ الواحد، بل في محدودية قدرتها على المعالجة والتتبع والإطلاق في وقت متزامن. فلكل بطارية عدد محدود من الصواريخ الاعتراضية، ولكل رادار ومركز تحكم سقف محدد من القدرة على التعامل مع الأهداف. وعندما تنهال عشرات أو مئات الصواريخ خلال دقائق، يصبح اعتراضها جميعًا أمرًا شبه مستحيل. التهديد الذي يمر تحت العين تواجه هذه الأنظمة أيضًا صعوبة في التعامل مع الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تحلّق على ارتفاعات منخفضة جدًا. فالتضاريس والمباني والعوائق الطبيعية قد تؤخر اكتشاف الهدف، وتحدّ من زمن رد الفعل، ما يمنح المقذوف المهاجم فرصة أكبر للوصول. وهنا لا تكون الأزمة في ضعف التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في الحدود الطبيعية لأي رادار يعمل ضمن بيئة ميدانية معقدة ومزدحمة بالعوائق. الجيل الذي يربك الدفاعات من أخطر التحديات أيضًا الصواريخ الفرط صوتية (Hypersonic)، التي تتجاوز سرعتها 5 ماخ، ولا تكتفي بذلك، بل تغيّر مسارها أثناء التحليق، ما يجعل تعقبها واعتراضها أكثر تعقيدًا من الصواريخ التقليدية. هذا النوع من السلاح لا يختبر فقط سرعة المنظومات الدفاعية، بل يختبر أيضًا قدرتها على التنبؤ، لأن نجاح الاعتراض لا يقوم على الرصد وحده، بل على حساب المسار المتوقع للهدف. وكلما زادت قدرة الصاروخ على المناورة، تراجعت فرص اعتراضه. معركة غير مرئية في قلب السماء لا تدور معركة الدفاع الجوي بالصواريخ فقط، بل بالإشارات أيضًا. فبعض الجيوش يعتمد التشويش على الرادارات، والتضليل الإلكتروني، واستخدام أهداف وهمية لإرباك أنظمة الدفاع واستنزافها أو دفعها إلى اتخاذ قرارات خاطئة. وفي هذا النوع من الحروب، لا يكون الاختراق ناجمًا فقط عن قوة الصاروخ، بل أحيانًا عن نجاح المهاجم في تعمية عين المنظومة أو تضليل عقلها. درع متعدد الطبقات… لكنه ليس معصومًا لا تعتمد إسرائيل على القبة الحديدية وحدها، بل على شبكة دفاع متعددة الطبقات:القبة الحديدية للصواريخ القصيرة، مقلاع داوود (David’s Sling) للصواريخ المتوسطة،ومنظومات Arrow-2 وArrow-3 للصواريخ الباليستية البعيدة. هذه البنية تعكس تطورًا كبيرًا في العقيدة الدفاعية، لكنها لا تلغي الحقيقة الأساسية: كثرة الطبقات لا تعني استحالة الاختراق، بل تعني فقط تقليل احتمالاته وخفض حجم الأضرار. تمثل القبة الحديدية و”ثاد” ذروة ما بلغته التكنولوجيا العسكرية في مجال الدفاع الجوي، لكن الحروب الحديثة تثبت مرة تلو الأخرى أن الدفاع الكامل ضد الصواريخ لا يزال وهمًا أكثر منه واقعًا. ففي معادلة الصراع بين الصاروخ والدرع، يبقى الهجوم قادرًا على تطوير أدوات جديدة للاختراق، سواء عبر الإغراق الصاروخي، أو الصواريخ الفرط صوتية، أو الهجمات منخفضة الارتفاع، أو الحرب الإلكترونية. لهذا يرى كثير من الخبراء أن المنظومات الدفاعية، مهما بلغت قوتها، لا تمنع الحرب، بل تحدّ فقط من كلفتها المباشرة. أما الحسم الكامل، فلا يزال بعيد المنال. وفي عالم يتسارع فيه سباق التسلح، يبدو أن الصراع بين الصاروخ والدرع سيبقى واحدًا من أكثر ميادين التكنولوجيا العسكرية اشتعالًا في القرن الحادي والعشرين.
في الشرق الأوسط، لا تتحرّك السياسة وحدها، بل تتحرّك معها الذاكرة. التاريخ هنا ليس مجرّد سردٍ للأحداث، بل مرآة تعكس أنماطًا تتكرّر. وما يجري اليوم في إيران بعد الضربة التي أودت بالمرشد الأعلى علي خامنئي، يعيد إلى الأذهان سؤالًا قديمًا: هل يمكن أن ينهار النظام من داخل حرّاسه؟ وسط هذا الضباب السياسي والأمني، يطفو اسم رجل واحد على السطح: الجنرال إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني. الرجل الذي يبدو، وفق روايات متعددة، أنّه يخرج دائمًا سالمًا من الضربات التي تقتل كلّ مَن حوله. في منطقة اعتادت على الشكوك والمؤامرات، تحوّلت هذه المصادفة المتكرّرة إلى مادّة للتكهّنات: هل هو مجرّد ضابط محظوظ، أم أنّ خلف القصّة ما هو أعمق بكثير؟ لفهم دلالة هذه الشائعات، لا بدّ من العودة خطوة إلى الوراء، إلى التاريخ الرمزي الذي بنى عليه النظام الإيراني شرعيته. كربلاء… الذاكرة التي لا تموت يقوم الخطاب السياسي للجمهورية الإسلامية منذ عام 1979 على استحضار واقعة ملحمة كربلاء، حيث قُتل سبط النبي الحسين بن علي بعد أن تخلّى عنه كثيرٌ ممّن بايعوه. في الرواية الشيعية، لم تكن مأساة كربلاء مجرّد معركة، بل خيانة جماعية. كتب أهل الكوفة الرسائل، ثم تراجعوا عندما اقتربت ساعة المواجهة. تلك اللحظة أصبحت رمزًا مركزيًا في الوعي السياسي الإيراني: أنّ الخطر الأكبر لا يأتي من العدو الخارجي، بل من خيانة الداخل. ولذلك بنى النظام الإيراني سرديّته على أنّه الوريث المعاصر لتلك المظلومية، وأنّ حرّاسه هم “أنصار الحسين” في العصر الحديث. لكنّ التاريخ، كما يبدو، لا يحبّ التكرار الحرفي بقدر ما يحبّ المفارقات. في عالم الاستخبارات، النجاة المتكرّرة ليست دائمًا دليل براعة… وقد تكون أحيانًا سبب الاتهام الجنرال الذي ينجو دائمًا منذ اغتيال سلفه قاسم سليماني في عام 2020، أصبح قاآني أحد أهمّ رجال المؤسسة الأمنية الإيرانية. تولّى قيادة فيلق القدس، الجهاز المسؤول عن شبكة النفوذ الإقليمي الممتدة من العراق إلى لبنان واليمن. ومع ذلك، فإنّ سمعته خلال الأعوام الأخيرة لم تُبنَ على العمليات العسكرية بقدر ما بُنيت على ظاهرة غريبة: نجاته المتكرّرة من الضربات. في أكثر من حادثة، كان يُعتقَد أنّه قُتل في استهدافات إسرائيلية أو أميركية، قبل أن يظهر لاحقًا في مناسبات عامة، أحيانًا بملابس مدنية، وكأنّه خرج للتوّ من مشهدٍ في فيلم تجسّس. ثم جاءت الضربة الكبرى التي قتلت المرشد الأعلى وعددًا من كبار مساعديه. مرّة أخرى، خرج قاآني سالمًا. في عالم الاستخبارات، لا توجد مصادفات كثيرة. وكلّما تكرّرت النجاة، اتّسعت دائرة الشك. الاختراق الذي يقلق طهران الشائعات حول احتمال اختراق أجهزة الأمن الإيرانية ليست جديدة. لكنها اكتسبت زخمًا غير مسبوق بعد العمليات التي نُسبت إلى جهاز الموساد، أي جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، داخل إيران. تشير تقارير متعددة إلى أنّ الاستخبارات الإسرائيلية أصبحت قادرة على جمع كمّ هائل من البيانات الرقمية داخل إيران، وحتى تشغيل مصادر بشرية من دون أن يدركوا أحيانًا أنّهم يعملون لحسابها. الضربة التي قتلت خامنئي، وفق هذه الروايات، لم تكن مجرّد هجوم عسكري تقليدي، بل نتيجة اختراق عميق للبنية الأمنية الإيرانية، شمل أنظمة المراقبة، وربما شبكات الاتصال الداخلية. وفي ظلّ هذا الاختراق، يصبح السؤال أكثر حساسية: مَن الذي فتح الباب؟ بين الأسطورة والواقع حتى الآن، لا يوجد دليل علني يثبت أنّ قاآني كان عميلًا لإسرائيل. وقد يكون كلّ ما يُقال مجرّد حرب نفسية تهدف إلى زعزعة الثقة داخل الحرس الثوري. لكن في الأنظمة الثورية، غالبًا ما تكون الشائعات أخطر من الحقائق. لأنّ النظام الذي بُني على فكرة الولاء المطلق يبدأ في التفكك عندما يدخل الشك إلى صفوفه. في الذاكرة الشيعية، تُستعاد كربلاء كلّ عام لتذكير الناس بخطيئة الخذلان. الرسالة كانت واضحة: لا تكرّروا ما فعله أهل الكوفة. لكنّ التاريخ يحمل درسًا آخر أيضًا. حين تتحوّل السلطة إلى منظومة مغلقة من الأمن والعقيدة، يصبح الخطر الأكبر هو أن يتشابه الحرّاس مع أولئك الذين خانوا في الماضي. حين يتحوّل الحارس إلى موضع شبهة، يصبح الجدار كلّه مهدّدًا بالانهيار ففي النهاية، لم يُقتل الحسين فقط بسيوف خصومه، بل أيضًا بصمت أولئك الذين وعدوا بالنصرة ثم اختفوا. وهذا هو السؤال الذي يهمس به كثيرون اليوم في طهران: إذا كان بعض مَن كتبوا رسائل النصرة في كربلاء قد تراجعوا عند أول اختبار، فهل يمكن أن يتكرّر المشهد في عصر الجمهورية الإسلامية؟ في عالم الاستخبارات، قد لا يكون السؤال الأهم: مَن هو الجاسوس؟ بل سؤال آخر أكثر إرباكًا: كم عدد الذين لا نعرف أنّهم كذلك بعد؟