لم تعد المسألة مجرد أزمة نزوح عابرة تتعامل معها عاصمة الجنوب اللبناني بخلفيتها الإنسانية المعهودة، بل تحوّلت في الآونة الأخيرة إلى واقع ضاغط يهدّد السلم الأهلي وهوية المدينة القانونية. الشواهد اليومية في شوارع صيدا، من أسواقها التجارية إلى واجهتها البحرية، باتت توثّق حالات غير مسبوقة من الاستفزاز، والتطاول السافر على عناصر شرطة البلدية، والتعدّيات المستمرة على الأملاك العامة والخاصة من قِبل بعض المجموعات الوافدة. أمام هذا المشهد، يتصاعد الغضب الصيداوي ليعلن نهاية زمن التراخي: صيدا التي فتحت أبوابها ومنازلها انطلاقًا من واجبها الوطني والإنساني، لن تسمح بأن تُستباح كرامتها، أو أن يُفرض عليها واقع الفوضى تحت أي شعار. الاستفزاز الممنهج تجاوزت الأمور حدود “الإشكالات الفردية” لتأخذ منحى التمرّد على الأنظمة المحلية. فشرطة البلدية، التي تمثل السلطة المحلية والوجه التنظيمي للمدينة، تعرّضت لأكثر من محاولة تطاول واعتداء مباشر أثناء قيامها بواجبها في منع البسطات العشوائية وإخلاء الأرصفة والكورنيش البحري. هذا الرصيف، الذي يمثل متنفس المدينة ومرفقها الحيوي، تحوّل في كثير من أجزائه إلى مربعات عشوائية ومظاهر تشوّه الطابع المدني لصيدا، وسط إصرار من المخالفين على ضرب القرارات الرسمية بعرض الحائط. إن هذا التجرؤ على هيبة القانون لا يمثل اعتداءً على عنصر بلدي فحسب، بل هو طعنة في خاصرة الاستقرار الصيداوي. كما أن التراخي الرسمي والأمني في حسم هذه التجاوزات منذ بدايتها أسهم في إعطاء انطباع خاطئ بأن المدينة يمكن تحويلها إلى ساحة مفتوحة للمخالفات، وهو ما ترفضه الفعاليات الشعبية جملةً وتفصيلًا. skip render: ucaddon_material_block_quote من الاستضافة إلى حماية الأرض أثبتت التجارب أن الرهان الأكبر في المحطات المصيرية يقع على عاتق أبناء صيدا أنفسهم. فالأمن لا يبدأ فقط من مخافر الدولة، بل من وعي الشارع وتضامنه. وفي هذه المرحلة الدقيقة، لم يعد مطلوبًا من الصيداويين الاكتفاء بدور المتفرج أو الشاكي؛ بل إن المسؤولية الوطنية تفرض عليهم اليوم الانتقال إلى مربع المبادرة وحماية مدينتهم عبر جبهة أهلية متماسكة. يتجلّى دور أهل المدينة اليوم في فرض معادلة واضحة لا تقبل اللبس “النزوح مسؤولية إنسانية، لكن النظام سيادة كاملة”. لذلك، يجب على العائلات الصيداوية والقوى المحلية رفع الغطاء عن أي شخص، سواء كان من أبناء المدينة أو من الضيوف، يحاول استغلال هذه الأزمة لتحقيق مكاسب مادية غير قانونية، والتبليغ عنه فورًا. كما أن تفعيل لجان الأحياء والشباب في مختلف مناطق صيدا لرصد أي تحرك مشبوه أو تعدٍّ على البنى التحتية، من مياه وكهرباء وشبكات صرف صحي، والتبليغ الفوري عنه، يمثل خط الدفاع الأول الذي يمنع استفحال الفوضى. شرطة البلدية، التي تواجه نقصًا في العديد والإمكانات، بحاجة اليوم إلى “حاضنة شعبية” قوية. فعندما يشعر المخالف أن التعدي على الشرطي سيواجَه بغضب ورفض من كل أبناء الحي، سيفكر ألف مرة قبل الإقدام على أي حماقة. صيدا في عين العاصفة: حين تصبح الفوضى تهديدًا للسلم الأهلي لوضع حدّ للمهزلة يُعدّ استمرار هذا الفلتان التنظيمي مهزلة حقيقية يجب أن توضع لها نهاية فورية. والمطلوب اليوم هو تنسيق رفيع المستوى، وتكثيف غير مسبوق للجهود بين بلدية صيدا، والأجهزة الأمنية الرسمية، وأبناء المدينة، والفعاليات الأهلية، لضرب المخالفات بيد من حديد. فلم يعد هناك متسع للمجاملات أو المداراة على حساب أمن الاستقرار اليومي. صيدا كانت وستبقى مدينة النخوة والشهامة، لكن شهامتها لم تكن يومًا مرادفًا للضعف أو القبول بفرض “أمر واقع” يشوّه معالمها ويهدد سلامة سكانها. إن التضامن الحقيقي لأبناء المدينة اليوم هو المقياس؛ فإما أن ينتفض الوعي الجماعي الصيداوي ليعيد الأمور إلى نصابها ويفرض احترام القانون على الجميع دون استثناء، وإما أن تُترك المدينة لقمة سائغة للتخبط والفوضى. skip render: ucaddon_box_testimonial
بينما يحتفل اللبنانيون أخيراً بقرب تشغيل مطار القليعات في شمال لبنان، لا يسع المراقب إلا أن يتساءل: هل نحن أمام مشروع إنمائي وطني جديد، أم مجرد طريق إضافي سيُضاف إلى قائمة الطرق القابلة للإقفال عند أول أزمة سياسية؟ في أي دولة طبيعية، يُقاس نجاح المطار بعدد الرحلات والمسافرين والاستثمارات التي يجذبها. أما في لبنان، فإن المعيار مختلف تماماً. السؤال الحقيقي ليس كم طائرة ستهبط في القليعات، بل كم إطاراً سيُحرق على الطريق المؤدي إليه. لقد عاش اللبنانيون لعقود مع مفارقة فريدة من نوعها: المطار الدولي الوحيد للبلاد كان، في كثير من الأحيان، رهينة ميزان القوى في الشارع أكثر مما كان جزءاً من سيادة الدولة. وبينما كانت الحكومات تتحدث عن الأمن القومي، والنمو الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، كانت مجموعة من الشبان الغاضبين قادرة، خلال دقائق، على شل حركة البلاد الجوية بالكامل. لم تكن المشكلة يوماً في مطار بيروت نفسه، بل في الفكرة التي ترسخت في الحياة السياسية اللبنانية: أن المرافق العامة ليست ملكاً للدولة ولا للمواطنين، بل أوراق ضغط مشروعة في الصراع على النفوذ. skip render: ucaddon_material_block_quote اليوم، يعود مطار القليعات إلى الواجهة باعتباره مشروعاً إنمائياً طال انتظاره لعكار والشمال ولبنان عموماً. وهو مشروع كان من المفترض أن يرى النور منذ عقود، لو أن الحسابات السياسية والطائفية والمصلحية لم تتغلب على المنطق الاقتصادي. لكن السخرية تكمن في أن بعض القوى التي طالما اعتبرت إقفال الطرق المؤدية إلى مطار بيروت “حقاً مشروعاً للتعبير الشعبي”، قد تجد نفسها غداً تندد بقطع طريق القليعات. والعكس صحيح أيضاً. فالمواقف في لبنان لا تحددها المبادئ، بل تحددها الجغرافيا السياسية وموقع كل طرف من السلطة والمعارضة. لهذا، لا يبدو مستبعداً أن نقرأ يوماً خبراً عاجلاً يقول: “توقفت الرحلات في مطار القليعات بسبب تحرك احتجاجي لمجموعة من شبان طرابلس المطالبين بالكهرباء أو المياه أو الوظائف أو أي حق آخر عجزت الدولة عن تأمينه.” عندها سيكتشف اللبنانيون أن المشكلة لم تكن يوماً في اسم المطار ولا في موقعه الجغرافي. فالدولة التي تعجز عن حماية طريق إلى مطار، تعجز تلقائياً عن حماية فكرة الدولة نفسها. إن النقاش حول القليعات يتجاوز مسألة الطيران المدني. إنه اختبار حقيقي لسؤال أكبر بكثير: هل يريد اللبنانيون دولة مؤسسات أم دولة ممرات إجبارية؟ دولة قانون أم دولة موازين قوى؟ دولة تحمي المرافق العامة أم دولة تسمح لكل طرف بأن يعطلها عندما تتعارض مع مصالحه؟ لقد تحول مطار بيروت، خلال العقود الماضية، إلى رمز لهذه المعضلة. فهو من جهة واجهة لبنان إلى العالم، ومن جهة أخرى شاهد دائم على هشاشة السلطة الرسمية أمام نفوذ الشارع والقوى المنظمة. لذلك، فإن افتتاح مطار القليعات لن يكون الإنجاز الحقيقي. الإنجاز الحقيقي سيكون عندما يصل أول مسافر إلى المطار من دون أن يضطر إلى تفقد نشرات الأخبار لمعرفة أي حزب غاضب، وأي مجموعة محتجة، وأي إطار مشتعل ينتظره على الطريق. عندها فقط يمكن للبنان أن يقول إنه افتتح مطاراً جديداً. القليعات: اختبار الدولة على مدرج الطيران skip render: ucaddon_box_testimonial
علمت جريدة «البوست» من مصادر اقتصادية متابعة أنّ تلزيم بلدية صيدا استخدام نحو 5-8 منقذين بحريين خلال موسم الصيف الحالي على المسبح الشعبي، قد رسا على شركة متخصصة في قضايا العمارة والإنشاءات يملكها بالظاهر أحد رجال الأعمال الصيداويين، ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول العلاقة بين شركة تعمير وموضوع الإنقاذ البحري وحياة الناس. والمريب في الموضوع أيضًا، بحسب مطّلعين، أنّ اسم هذه الشركة تحديدًا يظهر عند الحديث في كل مرة عن الحاجة إلى إجراء مناقصات لحساب البلدية، وهي غالبًا ما تفوز بالعروض على اختلاف اختصاصاتها، وسط حديث عن تواطؤ بين نافذين في المجلس البلدي وهذه الشركة «المحظية».