ليس لبنان بلداً صغيراً في المعنى السياسي، وإن كان كذلك في الجغرافيا. فهو مساحة مكثفة لتاريخ المنطقة وتناقضاتها، ومرآة لتعددها، وتجربة نادرة في قدرة مجتمع متنوع على الاستمرار رغم الأزمات. لكن لبنان ليس محكوماً بأن يبقى ساحةً تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين. فالأوطان لا تُقاس فقط بما أصابها من أزمات، بل بقدرتها على تحويل التجربة إلى معرفة، والمعرفة إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى مستقبل. من هنا تبدأ الحاجة إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة الاختلاف، ومن انتظار التسويات إلى امتلاك أدوات صناعتها، ومن كون لبنان موضوعاً في أجندات الآخرين إلى أن يصبح شريكاً في صياغة أجندته الوطنية. مساحةً مشتركة علّمنا التاريخ اللبناني أن التسوية ليست ضعفاً، وأن الاعتدال ليس حياداً، وأن الحوار ليس ترفاً سياسياً. في مجتمع متعدد كلبنان، لا يمكن لمنطق المنتصر والمهزوم أن يصنع استقراراً دائماً، لأن الاختلاف لا يختفي بالإلغاء، بل يعود بأشكال أكثر خطورة. لذلك، فإن الدولة القوية ليست الدولة التي لا يختلف أبناؤها، بل الدولة التي تمتلك المؤسسات القادرة على إدارة اختلافهم ومنع تحوله إلى صراع. وهنا تكمن المهمة الأساسية، أن يصبح التنافس سياسياً لا أمنياً، وأن يصبح الخلاف منظماً بالقانون لا محكوماً بالخوف، وأن يصبح الحوار مؤسسة دائمة لا اجتماعاً استثنائياً بعد كل أزمة. skip render: ucaddon_material_block_quote رفيق الحريري وفكرة الدولة من هذه الزاوية يمكن قراءة مشروع الرئيس الشهيد رفيق الحريري بعيداً عن الاقتصاد والإعمار وحدهما. ففي جوهر مشروعه كانت هناك فكرة أعمق: استعادة الدولة باعتبارها المساحة المشتركة التي يستطيع اللبنانيون أن يلتقوا فيها رغم اختلافاتهم. كان لبنان الذي أراده بلداً منفتحاً على العالم، مستعيداً لدوره، وقادراً على تحويل موقعه الجغرافي والثقافي من مصدر هشاشة إلى مصدر قوة. الوفاء لهذا الإرث اليوم لا يكون باستحضار الماضي فقط، بل بتطوير فكرته. فإذا كان إعمار بيروت عنواناً للنهوض في مرحلة سابقة، فإن إعمار الثقة بين اللبنانيين قد يكون عنوان المرحلة المقبلة. بيروت وصناعة الحلول كانت بيروت تاريخياً مدينة للفكر والصحافة والثقافة والحوار، لكنها تحولت في مراحل كثيرة إلى ساحة تتلقى ارتدادات صراعات المنطقة. والتحدي اليوم هو أن تستعيد بيروت دورها الآخر، مدينة لا تنتظر الحلول من الخارج، بل تمتلك القدرة على إنتاج الأفكار التي تساعد على صناعة الحلول. ولماذا لا يتحول لبنان، بدلاً من أن يكون مختبراً للصراعات، إلى مختبر عالمي لإدارة التنوع والوساطة وبناء التوافقات؟ إن تعدديته، وطاقاته البشرية، وجامعاته، واغترابه، وصلاته التاريخية بالعالم العربي والغرب، تمنحه عناصر قوة ناعمة يمكن تحويلها إلى استراتيجية وطنية. تحتاج الدولة اللبنانية إلى الانتقال من ثقافة التحرك بعد انفجار الأزمة إلى ثقافة الإنذار المبكر والوساطة والدبلوماسية الوقائية. فالسياسة الحديثة لا تنتظر القطيعة لكي تبدأ الحوار، ولا تنتظر الانفجار لكي تبحث عن الوساطة؛ بل تبني قنوات الاتصال والثقة قبل أن يصبح الخلاف صراعاً. ومن هنا يمكن إنشاء مؤسسات متخصصة في الحوار والوساطة وبناء السلام، وتدريب جيل جديد من القيادات والوسطاء، وإنتاج دراسات وأوراق سياسات تساعد الدولة على فهم الأزمات قبل تفاقمها. ويمكن أن يشكل إنشاء مركز رفيق الحريري للحوار والوساطة، كمؤسسة وطنية مستقلة ذات امتداد دولي، خطوة عملية في هذا الاتجاه، بحيث يتحول إرث الرئيس الشهيد من ذاكرة سياسية إلى مدرسة متجددة في بناء الدولة وإدارة الاختلاف. من بلد التسويات المفروضة إلى دولة تصنع التسويات مسؤولية تيار المستقبل إن مسؤولية تيار المستقبل اليوم لا ينبغي أن تختصر في استعادة الحضور السياسي التقليدي، بل في إعادة تقديم الاعتدال باعتباره مشروع دولة. فالاعتدال ليس موقعاً بين طرفين، بل فلسفة تقوم على تقديم الدولة على الجماعة، والمؤسسة على الشخص، والمصلحة الوطنية على الحسابات العابرة. فالسياسة لا ينبغي أن تكتفي بردّ الفعل على الأحداث، بل يجب أن تسعى إلى صناعة اتجاه الاحداث. لبنان الذي نحتاجه ليس لبناناً بلا خلافات، فهذا مستحيل، بل لبنان يعرف كيف يختلف دون أن ينكسر. لبنان لا يبحث عن إجماع مستحيل، بل عن قواعد عادلة لإدارة الاختلاف. لبنان لا يهرب من تعدديته، بل يحولها إلى مصدر قوة. ولبنان لا ينبغي أن يبقى وطناً ينتظر تسوية بعد كل أزمة، بل دولة تمتلك أدوات الحوار والوساطة وصناعة التوافق. وربما هنا تكمن إحدى أهم الأفكار التي يمكن أن يحملها المستقبل اللبناني: أن تتحول بيروت من مدينة نجت من الحروب إلى مدينة تتعلم منها المنطقة كيف يُصنع السلام، وأن ينتقل لبنان من جغرافيا النزاع إلى جغرافيا الحوار، ومن موقع المتلقي للأزمات إلى موقع المساهم في صناعة الحلول. skip render: ucaddon_box_testimonial
مع أعضاء من هذا النوع، حتى في مسعاه «العائلي» لا يهنأ رئيس بلدية صيدا بقليل من السلام، إن هو قرر السفر وإدارة ظهره، ولو مؤقتاً، للمجلس الذي يترأسه. ففي آخر فصول مسرحية «الملهاة الولادية» المتواصلة منذ أكثر من عام، علمت «البوست» أن بعض أعضاء المجلس قرروا استغلال فترة غياب الرئيس مصطفى حجازي لتمرير مشروع كبير تتطلع إليه المدينة وتحتاجه منذ سنوات، ألا وهو إصلاح الفظائع التي باتت عليها شوارع السوق التجارية. فقط في صيدا يمكن أن تسمع الآتي: أعضاء البلدية يتنافسون في ما بينهم على تحقيق إنجاز يفترض أنه للمدينة، لا حباً بصيدا وحدها، بل تنازعاً على نسبة الفضل، وحجزاً لمكان في الصور، واستثماراً مبكراً في موسم الانتخابات النيابية المقبلة. وبحسب المعلومات، بعدما حاول أحد أعضاء المجلس إقناع جمعية تجار المدينة باستعداده لتولّي إصلاح شارع السوق الرئيسي وتزفيته، سارع رئيس البلدية، من وراء البحار، إلى التدخل لمنع إنجاز الأمر في غيابه، موجهاً المعنيين إلى إرجاء المشروع واشغال “العضو الطاحش” بالمناسبات ريثما يعود. وهكذا، بدل أن يكون السؤال في بلدية صيدا: كيف ننجز المشروع بأسرع وقت؟ يبدو أن السؤال بات: من سينجزه، ومن سيلتقط الصورة، ولمن سيُسجَّل الإنجاز؟ أما شوارع المدينة، فبإمكانها أن تنتظر قليلاً… حتى يعود الجميع إلى أماكنهم أمام الكاميرات.
تساءل بعض الحاضرين في مناسبة اجتماعية حاشدة جمعت، قبل أيام، عدداً من أبناء المدينة ووجهائها، عن السبب الذي دفع صاحب الحفل إلى اختيار شركة «كايترينغ» من خارج صيدا لتقديم الطعام للضيوف، في وقت تزخر فيه المدينة بالمطابخ وشركات الضيافة التي تقدّم مستوى عالياً من الجودة، سواء في الطعام أو التقديم أو الخدمة. ولم يتوقف التساؤل عند حدود اختيار الشركة، إذ ذهب البعض أبعد من ذلك، متسائلين عمّا إذا كان «الحاج» قد تأكّد فعلاً من أن الخواريف التي قُدّمت في المناسبة ذُبحت وفق أحكام الشريعة الإسلامية، أم أن المسألة لم تكن سوى لهاث وراء اسم تجاري رنّان وعلامة ارستقراطية، في مرحلة يبدو أن المال فيها بات فائضاً بعد فاقة.