تحدّت إسرائيل كل رهانات التهدئة، ووسّعت اليوم الأربعاء 8 نيسان 2026 غاراتها على لبنان، ولا سيما بيروت، في أعنف تصعيد منذ بدء الحرب الحالية. الضربات طالت أيضًا البقاع والجنوب، وأوقعت عشرات القتلى ومئات الجرحى، فيما أكدت تل أبيب أن الهدنة الأميركية-الإيرانية لا تشمل الساحة اللبنانية.
في لبنان، لا تنتهي الحروب عند الحدود، بل تبدأ من اللغة التي نصف بها أنفسنا. هناك من يطالب الجيش اللبناني اليوم بأن يتصدّى لإسرائيل، وكأنّ المؤسسة العسكرية كائنٌ منفصلٌ عن الدولة، أو ميليشيا فائضة عن الشرعية، تُستدعى عند الحاجة وتُصرَف عند التسوية. هذا ليس حماسًا وطنيًا، بل تبسيطٌ خطير يُشبه مطالبة رجلٍ أعزل بخوض معركة مدافع فقط لأن صوته عالٍ. الحقيقة الأكثر إزعاجًا أن الجيش لا يتحرّك بالشعارات، بل بالأوامر. ولكي يقاتل، يجب أن تُعلن الدولة الحرب. وإعلان الحرب في هذا التوقيت ليس مجرّد قرار سيادي، بل قفزة في قلب حريق إقليمي مشتعل، حيث الاصطفاف يعني، عمليًا، التموضع إلى جانب محور إقليمي في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، مع ما يستتبع ذلك من تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة لكل أنواع الاستهداف. السؤال هنا ليس عسكريًا فقط، بل وجودي: هل قرّر اللبنانيون فعلًا أن يصبحوا وقودًا في حرب الآخرين؟ عقيدة الجيش والخلل البنيوي ثمّة ما هو أعمق من قرار الحرب: عقيدة الجيش نفسها. هذه العقيدة لم تولد في فراغ، بل صيغت تحت ضغط واقع سياسي فرض ثلاثية “الجيش والشعب وحزب الله”، وهي صيغة لم تكن يومًا متوازنة بقدر ما كانت تعبيرًا عن خللٍ بنيوي في احتكار القوة.قد يكون المستوى السياسي قد أعلن نهاية هذه الثلاثية نظريًا، لكن في العمق، لا تزال آثارها تتسرّب إلى بنية القرار العسكري، حيث الجنوب لم يكن يومًا مساحة سيادية مكتملة، بل منطقة ذات قواعد اشتباك خاصة، تُرسَم خارج السياق الرسمي. التاريخ القريب ليس بريئًا. حادثة استشهاد النقيب الطيّار سامر حنّا ليست تفصيلًا يُروى في الهوامش، بل علامة فارقة على حدود المسموح والممنوع. حين تُستهدَف مروحية للجيش في سماء وطنها، فالمشكلة لا تكون في الطيران، بل في مَن يحتكر السماء. ومنذ ذلك اليوم، لم تتغيّر المعادلة جذريًا، بل استمر الجيش في التحرّك ضمن خطوط غير مرئية، لكنها صارمة كالجدران. لا يوجد جيشٌ في العالم يمكنه أن يخوض حربًا خارجية، فيما جبهته الداخلية مثقوبة المزايدة بلغة وطنية هنا يسقط وهم المزايدات. لا يوجد جيشٌ في العالم يمكنه أن يخوض حربًا خارجية، فيما جبهته الداخلية مثقوبة. المعركة ليست فقط على الحدود، بل في تعريف مَن يملك قرار السلاح. وكل حديث عن مواجهة إسرائيل دون معالجة هذا الخلل هو، ببساطة، إعادة إنتاج للهزيمة بلغة وطنية. في المقابل، فإن أي خطوة لتعزيز حضور الدولة تبقى ذات معنى. انتشار القوة الضاربة لشعبة المعلومات في بيروت ليس مجرد إجراء أمني، بل رسالة سياسية تقول إن الدولة قادرة – إذا أرادت – على استعادة مساحاتها. لكن هذه الخطوات تبقى ناقصة إذا لم تتحوّل إلى مسار متكامل يعيد رسم الخريطة السيادية، لا بالبيانات، بل بالفعل. السيادة تُبنى بالتراكم الطريق واضح، لكنه غير سهل: حصر السلاح ليس شعارًا بل عملية تراكمية، تبدأ من حيث تستطيع الدولة أن تفرض نفسها، لا من حيث تتمنّى. من بيروت الكبرى، حيث يمكن اختبار الجدية، إلى الأطراف حيث التعقيد أعلى والكلفة أكبر. هكذا فقط تُبنى السيادة: خطوةً خطوة، لا قفزةً في المجهول. أما “الثالوث” الذي حكم المرحلة السابقة، فقد أثبت أنه لم يكن معادلة قوة، بل وصفة لإدارة التناقض. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بلا زخرفة: هل يريد لبنان أن يكون دولة بجيش واحد، أم ساحة بثلاثة رؤوس، كلٌّ منها يجرّه إلى حرب مختلفة؟
في المقهى، حيث تختلط رائحة القهوة بصوت نشرات الأخبار، يبدأ العالم أحيانًا كجملة عابرة… وينهار كحجّة ناقصة. جلستُ كعادتي، أراقب فناجين تتبخر أكثر مما تتبخر الحقائق. صديقي الأول، الذي يحفظ العالم عن ظهر قلب كما تحفظ الجدة وصفة المجدّرة، قالها ببساطة قاتلة: “تفضل… هاي الحرب كلها من ورا الفلسطينيين.” هكذا. بجملة واحدة، اختصر التاريخ، وعلّق الدم على شماعة شعب. ابتسمتُ. ليس لأن الفكرة مضحكة، بل لأن اختصار المآسي دائمًا يبدو كنوع من الكسل الفكري… أو الرفاهية الأخلاقية. تدخّل آخر، بنبرة أقرب إلى الوعظ “هي نفس خبرية إنه المجاعة بالعالم بسبب الله… لا، هيدا كفر.” وهنا، انحرف الحوار من السياسة إلى الميتافيزيقا، كأننا نحاول الهروب من مسؤولية الأرض عبر تحميل السماء ما لا تحتمل. سألته”طيب، إذا كل شي مش من الله… من مين؟ ومن وين جاي هالشر؟” سكت لحظة، ثم قال:”المشكلة مش بالله… المشكلة بتفكيرنا فيه، وبنظرتنا لخلق الله.” وهنا، بدأت القهوة تفقد طعمها، لأن النقاش صار أخطر من أن يُشرب على مهل. الحروب لا تبدأ فقط في غرف القرار، بل أيضًا في العقول التي تبرّر، وفي الضمائر التي تختار النوم قلت لهم: “المشكلة إنكم عم تشوفوا الشر بحجمه الكبير… حرب، دمار، مجاعة… فبتصيروا تعتبروا الشر الصغير تبعكم—تفصيل.” أحدهم ضحك:“وأنا شو خصني؟ شو الشر تبعي بهالقصة كلها؟” سؤال بريء… كبراءة الرصاصة قبل أن تُطلق. قلت له بهدوء: “بتعرف قديش صرفت الولايات المتحدة على هالحروب؟ حوالي 11.3 مليار دولار. وبتعرف قديش بيكفي لتحل أزمة مجاعة الأطفال بالعالم؟ أقل من 4 مليار. الفرق مش أرقام… الفرق خيارات.” سكت. للحظة فقط. ثم عاد ليحتمي بالحجة الأكثر شيوعًا في هذا العصر: “طيب إذا اشتريت منتج… صرت أنا عم مول حرب؟” آه… السؤال الذي يريح الضمير أكثر مما يبحث عن إجابة. أجبته: “المأساة مش هون… المأساة لما الإنسان يستصغر فعله. لما يقنع حاله إن الشر الصغير ما إلو وزن. بس الحقيقة؟ كل شر—مهما صغر—إلو ظل. ويمكن هالظل هو اللي بيكبر ليتحوّل لشيء ما منقدر نوقفه.” صديقي الثالث، الذي لم يتكلم طويلاً، قال فجأة: “طيب ليش الله ما بيمنع الشر من الأساس؟” سؤال قديم… أقدم من الحروب نفسها. قلت له: “لأنه إذا منع الشر، بيكون ألغى الحرية. وإذا ألغى الحرية، بيكون خلق عالم بلا اختبار… بلا معنى. الجنة مش هون… الجنة نتيجة.” ساد الصمت. ليس صمت اقتناع… بل صمت ارتباك. في الخارج، كانت المدينة تمارس حياتها كأن شيئًا لم يكن. سيارات، أبواق، وناس تشتري أشياء قد لا تحتاجها… وربما تساهم بها، دون أن تدري، في صناعة حرب أخرى. نظرتُ إليهم وقلت: “تخيلوا بس… لو كل واحد اليوم قرر ياخد موقف—مش من الحرب—بل من نفسه. من شره الصغير. من تبريراته اليومية. شو كان صار؟” لم يجب أحد. ليس لأن السؤال صعب… بل لأن الجواب مكلف. دفعتُ الحساب، وغادرت. خلفي بقي النقاش يدور، كما تدور الحروب: نفس الأسئلة، نفس التبريرات، ونفس العجز عن الاعتراف بأن المشكلة… ليست هناك فقط. بل هنا. على الطاولة. بين فنجان قهوة… وضمير يحاول أن يبقى نائمًا.