أين نقف؟ نحن، المسلمون حقًّا. أين يقف أهل السُّنّة من كل ما يجري اليوم؟ السُّنّة هي الطريق، فأين يقف “حماة الطريق”، طريق النبوّة؟أين نقف مع غيرنا من غير المسلمين، من المنصفين، الصادقين، الرافضين للإمبريالية وأدوات الاستعمار والغزو والإلغاء؟أين نقف مع المؤمنين بالحق والحقيقة، بهموم الفقراء، بقضايا الناس، بالحرية، وبالكرامة الإنسانية في سائر بلاد العالم؟ما أصعب أن تقف بين مجرمين، بين قاتلين يكرهانك.إن انتصر الأول بيمينه المتطرف ألغانا، وإن انتصر الآخر بحقده التاريخي أفنانا.شعور صعب، ثقيل، محيّر…كأنك تقف على أعتاب “باب الحيرة”، لا تعرف حتى كيف يجب أن تشعر.هل هذا طبيعي؟ ممكن.لكن ليس له أن يستمر.فإن استمر هذا الشعور، فهذا يعني أنك أنت من لن يستمر.المعركة معركة وجود، لا مكان فيها للحيرة ولا للرمادية.يا أبيض، يا أسود. باتت كلمة “وجود” تُستعمل بكثرة في كلام الحرب هذه الأيام.إيران تعتبرها معركة وجودية، وكذلك إسرائيل. لكن ماذا عن وجودنا نحن؟هل هناك أصلًا من يأبه لوجودنا؟بعد أن تضع هذه الحرب الوجودية أوزارها، عاجلًا أم آجلًا، كيف سيكون شكل وجودنا نحن؟ومن سيصوغه؟ هم؟تلك ستكون أمّ المشاكل، مهما تكن النتائج.وجودنا نحن هو المهدَّد، لا وجودهم كما يدّعون.لكننا لا نعي حقيقة ذلك.نقف عاجزين، متفرجين، ننتظر النتائج كي نتأقلم معها.ننتظر ما سيقرره الآخرون، ثم نفتّش لأنفسنا عن مكان في ما يتبقّى.إن كان البقاء للأقوى، فلا مكان لوجودنا بعد أن تسكت المدافع.وإن لم نكن من الأقوياء، فلن يكون لوجودنا وجود.أنت قوي، إذًا أنت موجود.وما عدا ذلك ليس إلا عبورًا بلا أثر.الطريق إلى الوجود صعب، لكنه ليس مستحيلًا.خصوصًا إن كنت من أصحاب الطريق. يُقال إنّه من الصعب أن تفهم ما يجول في عقل دونالد ترامب.ولعلّها واحدة من لعنات أيامنا هذه، أو ربما من نِعَمها. يقول السياق الطبيعي للأمور: ترامب لن يخسر، وخامنئي لن يحكم. يبقى أن ننتظر شكل النهايات، حتى ولو كان مشهدا نوويا.في الحروب الوجودية، لا ينجو من ينتظر، ولا يبقى من يكتفي بالتفرّج.إمّا أن نصوغ معنى وجودنا بأيدينا، وإمّا أن يكتبه لنا الآخرون كهزيمة مؤجلة.حين تُرسم خرائط ما بعد النار، لن يُسأل الضعفاء عمّا يريدون، بل عمّا بقي منهم.المشكلة ليست فقط في أن الآخرين يخططون لمستقبلنا، بل في أننا ما زلنا نتعامل مع وجودنا كأنه تفصيل قابل للتأجيل.في زمن كهذا، لا تُمحى الشعوب بالسلاح فحسب، بل أيضًا بالعجز، والبلادة، وسوء فهم اللحظة.ما يجري ليس اختبارًا لموازين القوى فقط، بل امتحان لمعنى وجودنا نفسه.في مثل هذه اللحظات، لا تكون النجاة لمن يراقب جيدًا، بل لمن يعرف من هو، أين يقف، وإلى أين يتوجه.فالذين لا يحسمون موقعهم في معارك الوجود، ينتهون ،دائمًا في موقع الضحية. أيها الغافلون…في معركة اليوم، نكون أولا نكون…
لم يعد استهداف إسرائيل للمعابر على نهر الليطاني في جنوب لبنان مجرد تفصيل عسكري عابر، بل بات يحمل دلالة استراتيجية واضحة تتجاوز تدمير الحجر إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الميدانية للجنوب، وعزل بلداته ومناطقه عن بعضها بعضًا. فحين تُقصف الجسور وتُضرب الطرق الحيوية وتُقطع خطوط العبور بين النبطية ومرجعيون وصور وسائر القرى المتصلة بشبكة الليطاني، فإن الرسالة لا تتعلق فقط بمنع مرور آليات أو عناصر، بل بفرض واقع ميداني جديد يقوم على التفكيك والعزل والشلل.في المعنى العسكري المباشر، تريد إسرائيل من ضرب الجسور والمعابر خنق الحركة داخل الجنوب، وإبطاء أي قدرة على المناورة أو إعادة الانتشار أو الإمداد بين القرى والمحاور. فالجسر ليس مجرد ممر مدني، بل عقدة وصل في شبكة الحركة اليومية والعسكرية والإنسانية. وعندما يُضرب جسر فوق الليطاني أو تُقطع طريق حيوية مثل طريق الخردلي التي تربط النبطية بمرجعيون، تصبح المسافات أطول، والالتفاف أكثر صعوبة، والاستجابة الميدانية أبطأ، سواء بالنسبة إلى المقاتلين أو فرق الإسعاف أو المدنيين الفارين من القصف. لكن البعد الأخطر لا يكمن في الشق العسكري وحده، بل في الأثر الاجتماعي والإنساني، فحين تُقطع الجسور، تُفكك حياة الناس نفسها. صناعة جنوب جديدمن هنا، فإن استهداف المعابر على الليطاني لا يمكن فصله عن محاولة صناعة “جنوب مفكك” يسهل الضغط عليه عسكريًا ونفسيًا. إسرائيل لا تضرب فقط هدفًا موضعيًا، بل تسعى إلى تفكيك الترابط الجغرافي الذي يسمح للجنوب بأن يبقى متصلًا بنفسه. وهي، عبر قصف الجسور وقطع الطرق، تدفع الناس إلى الشعور بأن كل بلدة باتت وحدها، وأن الوصول إلى النجدة أو الإمداد أو حتى النزوح الآمن لم يعد مضمونًا. وهذا النوع من الاستهداف يضاعف أثر القصف نفسه، لأن الخوف لا ينتج فقط من الضربة، بل من الإحساس بأن لا طريق مفتوحًا بعدها. وزن الليطانيسياسيًا، يحمل الليطاني وزنًا خاصًا في أي حرب جنوبية، لأنه ليس مجرد نهر، بل خط ذو حمولة أمنية وسياسية قديمة في النزاع اللبناني الإسرائيلي، ومرجع حاضر في أي حديث عن الترتيبات الميدانية جنوبًا. وفي الأيام الأخيرة، ترافقت الضربات على البنية التحتية مع مؤشرات إلى أن إسرائيل تدرس عملية أوسع هدفها السيطرة على المنطقة الواقعة جنوب الليطاني وتفكيك ما تعتبره البنية العسكرية لحزب الله فيها، ما يجعل استهداف الجسور جزءًا من التمهيد الميداني لعزل هذا الحيز والتحكم به.كما أن استهداف الجسور والمعابر يندرج ضمن سياسة ضغط أشمل على الدولة اللبنانية نفسها. فحين يعلن وزير الدفاع الإسرائيلي أن لبنان سيدفع عبر البنية التحتية، فهذا يعني أن الرسالة ليست موجهة فقط إلى حزب الله، بل أيضًا إلى الدولة والمجتمع: إما تغيير الواقع الأمني القائم، وإما مواجهة كلفة جماعية متصاعدة. بهذا المعنى، يتحول الجسر من منشأة مدنية إلى أداة ابتزاز سياسي، ويصبح قطع الطرق وسيلة لإيصال رسالة بالقوة إلى الداخل اللبناني كله، لا إلى الجنوب وحده.قانونيًا، يثير هذا النمط من الضربات أسئلة خطيرة. فالقانون الدولي الإنساني يضع قيودًا شديدة على استهداف البنى التحتية المدنية، ولا يجيز ذلك إلا ضمن شروط ضيقة مرتبطة بالاستخدام العسكري المباشر والضرورة والتناسب. لا يعد قصف معابر الليطاني وجسوره مجرد عمل عسكري يهدف إلى تعطيل المرور، بل خطوة تحمل معنى أعمق: تفكيك الجنوب، تشتيت مجاله الحيوي، إضعاف ترابط مناطقه، ورفع الكلفة الإنسانية إلى أقصى حد. إنها حرب على الحركة بقدر ما هي حرب على الأهداف، وحرب على الجغرافيا بقدر ما هي حرب على البشر. وعندما تُقصف الجسور، لا ينقطع الطريق فقط، بل ينكسر معه الإحساس بالأمان والوصل والاستمرار، ويصبح الجنوب أكثر عرضة للعزل والإنهاك والاختناق.