رأت مصادرُ سياسيّةٌ مطّلعةٌ لجريدة “البوست” أنّ أولى التداعياتِ السياسيّةِ لما جرى فجرَ اليوم، من دخولِ لبنان خطَّ الاشتباكِ المباشرِ مع إسرائيل، ستكونُ تأجيلَ الانتخاباتِ النيابيّةِ التي كان مُزمعًا إجراؤها في شهرِ أيّار المقبل. فالمناخُ الأمنيُّ المتوتّر، وتبدّلُ الأولويّات الرسميّة، يضعان الاستحقاقَ الدستوريَّ أمام تحدٍّ جدّيٍّ يتجاوز الاعتباراتَ الإداريّةَ واللوجستيّة. واعتبرَ المصدرُ السياسيُّ المخضرمُ أنّه، بغضِّ النظرِ عن الفترةِ التي قد تمتدُّ لها الحربُ المقبلةُ والأعمالُ القتاليّةُ فيها، فإنّ مجرّدَ انتقالِ لبنان إلى مرحلةِ الاشتباكِ المفتوح يُنتجُ واقعًا سياسيًّا جديدًا، تصبحُ فيه الأولويّةُ لإدارةِ الأزمةِ الأمنيّةِ والديبلوماسيّة، لا لخوضِ معركةٍ انتخابيّةٍ داخليّة. وأضاف أنّ التطوّراتِ الراهنةَ قد تُشكّلُ مخرجًا غيرَ مُعلنٍ لكثيرٍ من القوى السياسيّة، لتكونَ الحربُ الشمّاعةَ التي يُعلَّقُ عليها قرارُ التأجيل، أقلَّه لعامٍ أو عامَين، ريثما تتّضحُ صورةُ المشهدِ الإقليميِّ ومآلاتُ المواجهة. فبين من يرى في التأجيل ضرورةً قاهرةً تفرضُها الوقائعُ الميدانيّة، ومن يعتبره استثمارًا سياسيًّا في ظرفٍ استثنائيّ، يبقى السؤالُ مطروحًا حول مدى قدرةِ لبنان على الفصلِ بين منطقِ الحربِ ومتطلّباتِ الحياةِ الدستوريّة.
علاقة اللبنانيين بالبنزين ليست تقنية فقط، بل نفسية أيضاً. الخزّان نصف الفارغ يستحضر فوراً ذاكرة الطوابير. لذلك، عند أي توتّر إقليمي، يتكرّر المشهد: إقبال كثيف على المحطات، تخزين احتياطي، وتداول إشاعات عن “انقطاع وشيك”. إنها استجابة مشروطة بسنوات من التجربة. منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، ارتبطت صورة اللبنانيين بمحطات الوقود كما ارتبطت بصوت المولّدات وأزيز الرصاص. لم يكن انقطاع مادة البنزين تفصيلاً عابراً في يوميات الحرب، بل تحوّل إلى مقياس غير رسمي لشدّة الاشتباكات وعمق الأزمات. كلما اشتدّت المواجهات، امتدّت الطوابير، وارتفع منسوب القلق، وتبدّلت أولويات الناس من السياسة إلى “كم ليتر بنزين بقي في الخزّان؟”. اليوم كنا مع فصل جديد من هذا المسلسل المتواصل في بلادنا منذ عقود…