ما قام به صانع المحتوى والناشط السوري حسان عقّاد يتجاوز بكثير كونه حملة على وسائل التواصل الاجتماعي، أو موقفًا عابرًا في مواجهة نفوذ اقتصادي واسع. ما فعله يمكن قراءته بوصفه نموذجًا مدنيًا وسياسيًا يستحق التوقف عنده، لأنه قدّم للناس فكرة الدولة بلغة عصرهم: واضحة، ذكية، قريبة من الشباب، وساخرة حين تصبح السخرية وسيلة لكسر الخوف وإسقاط هالة النفوذ المصطنع. في بلد خرج من عقود طويلة من احتكار المجال العام، ومن تداخل السلطة بالمال والنفوذ، يصبح الدفاع عن الشفافية والمؤسسات والمساءلة فعلًا سياسيًا بحد ذاته، حتى لو لم يرفع صاحبه راية حزب أو يعلن مشروعًا سياسيًا. فالمواجهة هنا ليست مع فرد، ولا شركة، ولا اسم بعينه. إنها مواجهة مع نموذج كامل اعتاد، عبر السنوات، أن يغيّر لغته وواجهاته وتحالفاته بحسب السلطة القائمة، وأن يحافظ على نفوذه من خلال شبكة متشابكة من العلاقات المالية والاجتماعية والإعلامية. قد تتبدّل الحكومات، وتتغيّر الشعارات، وتسقط أسماء وتصعد أخرى، لكن الخطر يبدأ حين تبقى الآلية نفسها، مال يبحث عن سلطة تحميه، ونفوذ يبحث عن أبواب خلفية، وعلاقات شخصية تحاول أن تكون أقوى من المؤسسة. هنا يصبح السؤال، هل تغيّرت الدولة فعلًا، أم تغيّرت فقط أسماء الواقفين حولها؟ صناعة الخوف الخطر الحقيقي لا يكمن في اسم هذا الطرف أو ذاك، بل في محاولة ترسيخ قناعة لدى السوريين بأن القرار العام يمكن اختزاله في شبكة مصالح، وأن الدولة، مهما تبدّلت، تظل أضعف من المال والعلاقات والنفوذ. الأخطر من ذلك أن تتحول القوة المالية إلى أداة لصناعة الخوف، أن تُنسج حول بعض الأشخاص صورة توحي بأنهم قادرون على الوصول إلى كل مكان، والتأثير في كل قرار، وإسكات كل صوت، بحيث يصبح المواطن مقتنعًا، قبل أن يخوض أي مواجهة، بأن السؤال نفسه مكلف. عند هذه النقطة، لا يعود المال مجرد ثروة، بل يتحول إلى سلطة موازية. skip render: ucaddon_material_block_quote تجربة وتفاعل هنا تكمن قيمة تجربة حسان عقّاد. لقد فهم المزاج العام، وخصوصًا مزاج جيل جديد من السوريين لم يعد مستعدًا لسماع الخطب الطويلة، ولا للاقتناع بالشعارات الجاهزة. لم يخاطب الناس بلغة سياسية ثقيلة، ولم يتعامل معهم بوصفهم جمهورًا يحتاج إلى الوصاية، بل تحدث بلغتهم اليومية، واحترم ذكاءهم، واستخدم أدواتهم، من الفيديو إلى السخرية والإعلام الرقمي، من دون أن يتنازل عن جوهر الفكرة. الفكرة، في جوهرها، بسيطة وعميقة في آن واحد: من يعمل في المجال العام يجب أن يكون قابلًا للسؤال. لا حصانة للمال أمام المساءلة، ولا قداسة للنفوذ، ولا يجوز أن يتحول القرب من السلطة، أو من دوائر التأثير، إلى جدار يمنع المجتمع من السؤال. لهذا استطاع عقّاد أن يصنع تفاعلًا واسعًا، وأن يجذب متطوعين ومؤيدين وجدوا في خطابه شيئًا افتقده السوريون طويلًا: القدرة على مساءلة القوة من دون امتلاك قوة مماثلة لها. فالحراك المدني الحقيقي لا يبدأ بالضرورة من حزب كبير، ولا من مؤسسة ممولة، ولا من زعيم يمتلك جمهورًا منظمًا. أحيانًا يبدأ من سؤال بسيط يُطرح في اللحظة المناسبة، بطريقة يفهمها الناس، ثم يكتشف آلاف الأشخاص أنهم كانوا يريدون طرح السؤال نفسه لكنهم لم يجدوا من يبدأ. نموذج يستحق الدراسة ما فعله حسان عقّاد يستحق أن يُدرّس كنموذج عن الحراك المدني الحديث: كيف تفهم المجتمع بدل أن تعظه، وكيف تلامس قلقه الحقيقي، وكيف تستخدم الإعلام الرقمي والسخرية واللغة اليومية لتبسيط قضية عامة من دون تسطيحها. والأهم: كيف تستطيع أن تكون حادًا من دون أن تتحول إلى خطاب كراهية، وأن تنتقد النفوذ من دون أن تجعل المعركة شخصية، وأن تحافظ على البوصلة الأخلاقية بحيث يبقى الهدف هو تعزيز المؤسسات لا الانتقام من الأشخاص. هذه إحدى أهم معضلات الحركات المدنية العربية: أن تنتقل من رفض الأشخاص إلى بناء القواعد. لأن تغيير رجل أعمال لا يصنع دولة، وإسقاط صاحب نفوذ لا يهدم منظومة النفوذ، واستبدال شبكة مصالح بشبكة أخرى ليس إصلاحًا. الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تصبح القاعدة أقوى من الأشخاص. لا حرب على رأس المال هذا الكلام ليس هجومًا على القطاع الخاص، ولا إعلان حرب على رجال الأعمال، العكس تمامًا. سوريا تحتاج، ربما أكثر من أي وقت مضى، إلى رأس المال، وإلى الاستثمار، وإلى شركات حقيقية قادرة على خلق فرص العمل، وتحريك الاقتصاد، وإعادة الإعمار، واستعادة الكفاءات التي غادرت البلاد. لكنها تحتاج، قبل كل ذلك، إلى قاعدة واحدة لا تحتمل الالتباس: لا استثمار فوق القانون، ولا رجل أعمال فوق الدولة، ولا علاقة شخصية أقوى من المؤسسة. فالاقتصاد الحقيقي لا يخاف من الشفافية، ورجل الأعمال الحقيقي لا يحتاج إلى تضخيم نفوذه أو الإيحاء بأن له كلمة حاسمة داخل مؤسسات الدولة. على العكس، رأس المال الجدي يحتاج إلى دولة قوية، وقضاء مستقل، وقواعد معلنة، وعقود واضحة، وفرص متكافئة، ومنافسة نزيهة. فالمال نفسه يصبح أكثر أمانًا عندما تحميه القوانين بدل أن تحميه العلاقات. امتحان الدولة الجديدة هنا تحديدًا تبرز مسؤولية الدولة السورية الوليدة، ومسؤولية الرئيس أحمد الشرع. فبناء الثقة مع السوريين، وخصوصًا مع أولئك المتوجسين من مصير الحراك المدني وحرية النقد والمساءلة، لا يتحقق بالتصريحات وحدها، مهما كانت مطمئنة، الثقة تُبنى بالسوابق. تبنى عندما يرى المواطن أن النافذ يُحاسب كما يُحاسب الضعيف، وأن صاحب المال لا يمتلك بابًا خاصًا إلى الدولة، وأن النقد لا يتحول تلقائيًا إلى جريمة، وأن الاختلاف لا يعني العداء، وأن من يطرح سؤالًا عن المال العام أو المصلحة العامة لا يُعامل بوصفه خصمًا للدولة. الدولة الجديدة تحتاج إلى رسائل عملية لا تقبل التأويل: لا أحد فوق القانون، لا شبكة علاقات تستطيع أن تحل محل مؤسسات الدولة، لا صفقة اقتصادية تمر من دون قواعد واضحة وشفافية ومصلحة عامة ورقابة حقيقية. والدولة التي تريد من مواطنيها أن يثقوا بها، عليها أولًا أن تجعلهم يشعرون بأن مؤسساتها أقوى من الأشخاص الذين يتحركون حولها. مهما كبر نفوذ الحيتان المالية، ومهما اتسعت علاقاتهم، تبقى الدولة هي المظلة القانونية والسياسية لأي نشاط اقتصادي، وأي عقد، وأي صفقة. وإذا امتلكت الإرادة، تستطيع أن تضع الحدود، وتحمي المنافسة، وتمنع الاحتكار، وتفصل بين المال والقرار العام، والأهم: أن تمنع إعادة إنتاج المنظومات القديمة بأسماء جديدة ووجوه جديدة وشعارات جديدة. لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث لسوريا الجديدة ليس عودة النظام القديم بشكله القديم، فهذا يكاد يكون مستحيلًا، بل عودة طريقة عمله داخل مؤسسات تحمل أسماء جديدة. أن يتغير الحاكم ويبقى الخوف. أن يتغير الخطاب وتبقى الواسطة. أن تتغير الوجوه ويبقى النفوذ أقوى من القانون، عندها يكون السوريون قد غيّروا المشهد، ولم يغيّروا القواعد. بذرة للحماية حسان عقّاد قدّم، بقصد أو من دون قصد، درسًا مهمًا في السياسة والمجتمع: الناس لا يحتاجون دائمًا إلى سلطة أو ثروة كي يتحركوا. يحتاجون أحيانًا إلى صوت صادق يفهمهم، ويحترم عقولهم، ويمنحهم شجاعة طرح السؤال. وهذه ربما تكون واحدة من أهم بذور الحراك المدني الذي
لم تعد تلة علي الطاهر مجرد موقع عسكري في جنوب لبنان. ما جرى ويجري حولها يفتح ملفًّا أكبر بكثير من تلة وأنفاق ومقاتلين؛ ملف الدولة اللبنانية نفسها، وحدود سيادتها، ومن يملك قرار الحرب والسلم على أرضها. أعلنت إسرائيل أنها فرضت «سيطرة عملياتية» على مرتفعات علي الطاهر، وقال جيشها إنه «طهّر» بنى تحت الأرض نسبها إلى حزب الله، فيما تحدثت الرواية الإسرائيلية عن شبكة عسكرية تحت الأرض تضم مواقع قيادة ومنشآت قتالية. وتقول إسرائيل أيضًا إن هذه البنية جرى بناؤها على مدى سنوات، وبتمويل وتخطيط إيرانيين. لكن حتى لو وضعنا الرواية الإسرائيلية جانبًا، يبقى السؤال الذي لا يستطيع لبنان الهروب منه: كيف أصبحت في جنوب بلد عربي بنية عسكرية استراتيجية بهذا الحجم، بينما الدولة اللبنانية نفسها ليست صاحبة القرار العسكري الوحيد؟ هنا تكمن خطورة علي الطاهر. إيران في الخلفية ولبنان في الواجهة لسنوات طويلة، لم يكن نفوذ إيران في لبنان مجرد علاقة سياسية مع حليف محلي. لقد تحوّل، عبر حزب الله، إلى نفوذ استراتيجي يمتد من التمويل والتسليح إلى بناء القدرات العسكرية وتحديد وظيفة الجنوب في معادلة إقليمية أوسع. وإذا صحت الرواية الإسرائيلية بشأن الدور الإيراني في إنشاء بنية علي الطاهر، فإن المسألة تصبح أكثر خطورة: هل نحن أمام سلاح لبناني وظيفته الدفاع عن لبنان، أم أمام جزء من منظومة إقليمية تُدار حساباتها من خارج لبنان؟ إيران ليست هي التي تدفع ثمن الحرب عندما تُقصف قرية في الجنوب. وليست هي التي تعيد بناء منزل دُمّر. وليست هي التي تبحث عن مدرسة آمنة لأطفالها عندما يتحول الجنوب إلى منطقة عسكرية؛ اللبناني هو من يدفع الثمن. لهذا، فإن الدفاع عن لبنان لا يمكن أن يعني تحويل لبنان إلى منصة دائمة لصراعات الآخرين. skip render: ucaddon_material_block_quote اختبار مختلف لطالما قدّم حزب الله سلاحه باعتباره ضرورة لمواجهة إسرائيل، وربط وجوده بمعادلة الردع وحماية الجنوب، لكن التطورات الميدانية تفرض سؤالًا أكثر قسوة: إذا كان السلاح هو الذي يحمي الجنوب، فلماذا أصبح الجنوب نفسه مسرحًا دائمًا للحرب والدمار والاحتلال الإسرائيلي؟ وإذا كانت الأنفاق جزءًا من استراتيجية الردع، فماذا يعني سقوط مواقع استراتيجية وكشف منشآت تحت الأرض أمام الجيش الإسرائيلي؟ هذه ليست أسئلة لتسجيل نقاط سياسية على حزب الله، وإنما أسئلة عن جدوى استراتيجية كاملة. فالردع الذي لا يمنع الحرب، والسلاح الذي لا يحمي السكان، والمعادلة التي تجعل الدولة عاجزة عن التحكم بقرار الحرب، تحتاج جميعها إلى مراجعة. ولا يكفي القول إن إسرائيل هي المعتدي، وهو توصيف لا يلغي حق لبنان في الدفاع عن نفسه، لأن السؤال المقابل يبقى قائمًا: كيف يدافع لبنان عن نفسه إذا لم يكن قرار الدفاع لبنانيًا؟ الغائب الذي يجب أن يعود هنا يعود الجيش اللبناني إلى قلب المعادلة. ليس المطلوب من الجيش أن يكون مجرد قوة تنتشر بعد انتهاء المعارك، أو مؤسسة تُستدعى عندما تحتاج الأطراف إلى غطاء رسمي. المطلوب أن يكون صاحب الدور المركزي في حماية الحدود والسيادة والأمن الوطني. الدولة التي لا تحتكر قرار السلاح لا تستطيع أن تحتكر قرار الحرب. والدولة التي لا تملك كامل أدوات الدفاع عن حدودها ستظل مضطرة إلى التفاوض على سيادتها بين قوة مسلحة داخلية وقوة عسكرية إسرائيلية على الحدود، بينما يبقى المجتمع اللبناني عالقًا بينهما. هذه هي المفارقة التي تجعل علي الطاهر أكثر من قصة عسكرية. فبينما تتقاتل القوى على المرتفعات، تنخفض الدولة اللبنانية أكثر فأكثر عن مستوى الأرض التي يُفترض أن تكون صاحبة السيادة عليها. وإسرائيل ليست بريئة من معادلة الفوضى، لكن استعادة سيادة الدولة اللبنانية لا تعني منح إسرائيل شيكًا مفتوحًا. فالقول إن وجود سلاح خارج الدولة يمثل مشكلة لبنانية حقيقية لا يعني قبول الاحتلال أو العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية. إسرائيل نفسها تستفيد من وجود سلاح حزب الله لتقديم نفسها بوصفها دولة تواجه تهديدًا دائمًا على حدودها. وكلما اتسعت البنية العسكرية للحزب، اتسعت معها الذريعة الإسرائيلية لضرب لبنان. وهكذا تنشأ الحلقة الجهنمية: حزب الله يقول إن السلاح ضروري بسبب إسرائيل، وإسرائيل تقول إن وجود السلاح يبرر عملياتها، ولبنان الرسمي يجد نفسه بين الطرفين. ومن يدفع الثمن؟ لبنان. علي الطاهر ليست معركة تلة؛ إنها معركة لبنان على سيادته نهاية مرحلة أم بداية مواجهة جديدة؟ السيطرة الإسرائيلية المعلنة على علي الطاهر لا تعني بالضرورة نهاية حزب الله عسكريًا، كما أن تدمير منشأة أو نفق لا يعني انتهاء قدرته على إعادة بناء شبكاته. لكنها قد تعني شيئًا أكثر أهمية: أن معادلة الجنوب القديمة لم تعد تعمل بالطريقة نفسها. وإذا تحولت إسرائيل إلى الاحتفاظ بمواقع داخل الجنوب، وربطت الانسحاب بنزع سلاح حزب الله، فإن لبنان سيكون أمام خطر جديد: أن يتحول سلاح الحزب، الذي قيل إنه وُجد لمنع الاحتلال، إلى أحد العوامل التي يستخدمها الاحتلال لتبرير بقائه. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها. السلاح الذي حمل شعار تحرير الأرض قد يصبح، في نظر خصومه، سببًا لاستمرار احتلالها. ولذلك، فإن مستقبل الجنوب لن يُحسم فقط في الميدان. سيُحسم في بيروت، في قرار الدولة، في علاقة الجيش بالسلاح، وفي قدرة الحكومة اللبنانية على فرض سيادتها. وفي سؤال أكثر جوهرية: هل يستطيع لبنان أن ينتقل من مرحلة «المقاومة نيابة عن الدولة» إلى مرحلة «الدولة التي تمتلك حق المقاومة والدفاع وتحتكر قرارهما»؟ أمام لحظة الحقيقة قد تختلف القوى اللبنانية حول حزب الله، وحول إيران، وحول إسرائيل، وحول مفهوم المقاومة. لكن هناك حقيقة يصعب الالتفاف عليها: لا يمكن بناء دولة ذات سيادة بجيشين وقرارين وحسابين للحرب والسلم. إذا أراد حزب الله حماية لبنان، فعليه أن يكون جزءًا من استراتيجية دفاعية تقررها الدولة. وإذا أرادت إيران الحفاظ على نفوذها في لبنان، فعليها أن تدرك أن لبنان ليس قاعدة متقدمة في أي مواجهة إقليمية. وإذا أرادت إسرائيل أمنًا دائمًا على حدودها، فلن تحصل عليه بتحويل الجنوب اللبناني إلى منطقة عمليات مفتوحة. أما الجيش اللبناني، فعليه أن يستعيد دوره الطبيعي: جيش الدولة، لا جيش التسويات. skip render: ucaddon_box_testimonial
ثمة مفارقة تاريخية تستحق أن تُقرأ بهدوء؛ قد تكون الحرب بالنسبة إلى إسرائيل وسيلةً لإعادة إنتاج وحدتها، بينما قد يكون السلام الحقيقي هو الاختبار الأصعب لبقائها متماسكة. فالدولة التي قامت على فكرة «الملجأ اليهودي» وعلى ذاكرة الاضطهاد والخوف، وجدت في الصراع العربي – الإسرائيلي، ثم في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، أكثر من مجرد تحدٍّ أمني؛ وجدت فيه عاملًا مؤسِّسًا للهوية السياسية نفسها. لهذا، فإن السؤال الأكثر عمقًا ليس: هل تستطيع إسرائيل أن تنتصر في الحرب؟ بل: ماذا يحدث لإسرائيل إذا لم تعد الحرب قادرة على تعريفها؟ «نحن» و«هم» إلى «من نحن»؟ تنتج الحرب، في كثير من المجتمعات، حالةً من الالتفاف حول الدولة والمؤسسة العسكرية. في إسرائيل تحديدًا، اكتسب الجيش مكانة استثنائية بوصفه أحد أهم مؤسسات الثقة لدى اليهود الإسرائيليين، بينما بقيت الخلافات السياسية والدينية والاجتماعية عميقة. يؤكد «مؤشر الديمقراطية الإسرائيلي 2025» أن التوتر بين اليمين واليسار أصبح التوتر الاجتماعي الأشد حضورًا، وأن التضامن الداخلي بقي عند مستويات متوسطة إلى منخفضة، مع استمرار ضعف الثقة في عدد كبير من مؤسسات الدولة. هنا تظهر المفارقة: الخطر الخارجي يؤجل أحيانًا الخلاف الداخلي، أما زوال الخطر الخارجي فيُجبر المجتمع على مواجهة نفسه. فماذا يجمع الإسرائيلي العلماني في تل أبيب، والحريدي الذي يضع الشريعة في مركز حياته، والصهيوني الديني الذي يرى أرض الضفة الغربية في إطار ديني وتاريخي، والمستوطن، واليساري، واليميني؟ تستطيع الحرب أن تقول لهم: «أنتم جميعًا في الخندق نفسه»، أما السلام فيسألهم أسئلة أكثر صعوبة: إلى أي دولة تنتمون؟ وما حدودها؟ وما معنى كونها يهودية وديمقراطية في آن؟ وما مصير الفلسطينيين؟ وما حدود الدين في الدولة؟ ومن يدفع ثمن الأمن؟ ومن يتحمل الخدمة العسكرية؟ المشروع القومي والوعد الديني ليست الصهيونية في أصلها الحديث مجرد عقيدة دينية، فقد نشأت، في جزء مهم منها، كمشروع قومي سياسي حديث، وكان من روادها مفكرون علمانيون. لكن تاريخ إسرائيل أتاح لاحقًا تداخلًا متزايدًا بين القومية اليهودية والتفسير الديني للأرض. هذا التداخل بالغ الأهمية عند قراءة التيارات الصهيونية الدينية المعاصرة. ففي الوعي الديني لبعض التيارات، لا تُقرأ «أرض إسرائيل» باعتبارها مجرد مساحة جغرافية قابلة للتفاوض، بل باعتبارها جزءًا من سردية دينية وتاريخية أعمق. وقد أظهرت دراسات اجتماعية سابقة أن المستوطنين اليهود في الضفة الغربية أكثر ميلًا من غيرهم إلى الاعتقاد بأن الله أعطى الأرض للشعب اليهودي، وأن المجتمع الإسرائيلي نفسه منقسم بعمق حول الدين والدولة والاستيطان وحدود الأرض. من هنا يصبح الصراع على فلسطين صراعًا على تعريف الدولة نفسها. فبالنسبة إلى الصهيوني البراغماتي، يمكن أن تكون الأرض ورقة تفاوض إذا كان ذلك يحقق الأمن، أما بالنسبة إلى الصهيوني الديني الأكثر تشددًا، فقد يصبح التنازل عن الأرض مسألة تتجاوز السياسة إلى العقيدة. هنا تتولد واحدة من أخطر التناقضات الداخلية في المشروع الإسرائيلي: هل إسرائيل دولة قومية حديثة تستطيع إعادة رسم حدودها وفق موازين القوة والمصلحة، أم أنها دولة ذات رسالة دينية لا تستطيع التراجع عن الأرض التي تعتبرها جزءًا من وعد إلهي؟ كلما اقترب السلام من هذا السؤال، أصبح الصراع داخليًا. skip render: ucaddon_material_block_quote العقيدة التلمودية ليست الصهيونية من الخطأ المنهجي أن يقال إن «التلمود» وحده أنتج المشروع الصهيوني. التلمود تراث ديني هائل ومتعدد الآراء، والصهيونية السياسية الحديثة ظاهرة تاريخية مختلفة. لكن لا يمكن، في الوقت نفسه، تجاهل أن بعض التيارات اليهودية الدينية الحديثة أعادت توظيف النصوص والتقاليد الدينية في صياغة موقف سياسي من الأرض والشعب والدولة. هنا ينبغي الانتباه إلى شيء بالغ الأهمية: الخطر ليس في النص الديني بذاته، بل في تحويل التأويل الديني إلى برنامج سياسي مغلق لا يقبل التسوية. عندما تصبح الأرض «تكليفًا إلهيًا» في الوعي السياسي، يصبح التنازل عنها أقرب إلى الخيانة العقائدية منه إلى التسوية السياسية. هذا يجعل السلام أكثر صعوبة، لكنه يجعله أيضًا أكثر قدرة على كشف التصدعات الداخلية. لماذا قد يكون السلام أخطر من الحرب؟ لأن الحرب تمنح إسرائيل لغة مشتركة: الأمن، الجيش، الخطر، الحدود، الإرهاب، البقاء. أما السلام الحقيقي، فيسحب هذه اللغة من مركز المشهد ويضع مكانها لغة أخرى: الحقوق، الحدود، الدستور، الدين، المساواة، المستوطنات، الفلسطينيون، القدس، شكل الدولة ومستقبلها. وهذه كلها أسئلة لا يوجد حولها إجماع إسرائيلي. بل إن الانقسامات ليست بين اليمين واليسار فقط. هناك توترات بين المتدينين والعلمانيين، وبين الحريديم وبقية المجتمع، وبين اليهود والعرب، وبين المركز والأطراف، وبين أنصار الدولة ذات الطابع اليهودي القوي وأنصار تعزيز بعدها الديمقراطي. هذا يعني أن فلسطين ليست فقط قضية خارجية بالنسبة إلى إسرائيل؛ إنها مرآة للخلاف الإسرائيلي حول تعريف إسرائيل. الحرب تحفظ التناقض والسلام يكشفه يمكن للحرب أن تجعل العلماني والمتدين والمستوطن واليميني والوسطي يقفون خلف العلم نفسه. لكن السلام يسأل كل واحد منهم: ماذا تريد من الدولة بعد انتهاء الحرب؟ هنا تبدأ الحسابات المختلفة. الصهيوني الديني يريد الحفاظ على الأرض، والعلماني البراغماتي يريد دولة آمنة قابلة للحياة، واليسار يريد تسوية سياسية تحفظ الطابع الديمقراطي، والحريدي يريد حماية نمط حياته ومؤسساته ومصالح جماعته، والعرب داخل إسرائيل يطالبون بمكانة وحقوق ومساواة أعمق، أما الفلسطينيون فيطالبون، قبل كل شيء، بأن يتحول وجودهم من «مشكلة أمنية» إلى قضية شعب وحقوق وطنية. لهذا، فإن السلام الفلسطيني – الإسرائيلي، إذا كان سلامًا حقيقيًا لا مجرد هدنة أمنية، قد يكون أعظم زلزال سياسي داخلي تواجهه إسرائيل. لكن الأزمة لا تتوقف عند حدود إسرائيل الداخلية. فهناك جبهة أخرى بدأت تتغير تدريجيًا: جبهة الشرعية الغربية لإسرائيل، وخصوصًا لدى الأجيال الشابة. الحرب تمنح إسرائيل عدوًا مشتركًا، أما السلام فيجبرها على البحث عن هوية مشتركة خلال العقود الماضية، استفادت إسرائيل من دعم سياسي وشعبي واسع في الغرب، وفي مقدمة ذلك الولايات المتحدة. غير أن هذا المشهد لم يعد ثابتًا كما كان. ففي الولايات المتحدة، كما في عدد من الدول الغربية، تظهر فجوة متزايدة بين الأجيال في الموقف من إسرائيل والفلسطينيين. ويبدو أن الأجيال الشابة أكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية وأكثر تعاطفًا مع الفلسطينيين، وهو تحول قد تكون له آثار بعيدة المدى. هنا تكمن أهمية المسألة: الحكومات تتغير، لكن الأجيال تستمر. فإذا أصبح جيل كامل من الشباب الغربي أقل استعدادًا لمنح إسرائيل التأييد غير المشروط الذي تمتعت به في مراحل سابقة، فإن إسرائيل لا تواجه أزمة علاقات عامة عابرة، بل احتمال تحول طويل الأمد في البيئة السياسية والأخلاقية التي تتحرك داخلها. هذا يعني أن الحرب لا تستهلك القوة العسكرية فقط، بل يمكن أن تستهلك أيضًا جزءًا من رأس المال السياسي والأخلاقي الذي راكمته إسرائيل في الغرب على مدى عقود. الأكثر أهمية أن هذا التحول في الرأي العام بدأ يجد ترجمة في السياسة الدولية، ولا سيما مع انتقال عدد متزايد من الدول الغربية من التعبير عن التعاطف مع الفلسطينيين إلى الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين. وقد اكتسب هذا المسار زخمًا واضحًا من خلال المؤتمر الدولي رفيع