اسمُها «سراي صيدا» الحكومي، تقعُ في المدينةِ، لكنّها، للأسف، من دون صيداويّين.ليس الخبرُ سبقًا صحفيًّا، بل واقعٌ مريرٌ مُخزٍ، يُحكى منذُ سنين على ألسنة الجميع؛ يشتكون منه، ويتذمّرون من تبعاته وتداعياته، لكنّه يخبو كلّ فترة، ليندرج في مجرّد كونه كلامًا وثرثرةً بلا أثر أو تغيير… سراي صيدا، المعقلُ الأوّل للعمل الإداريّ والحياتيّ لآلاف الصيداويّين على صعيد المدينة والمحافظة، تتداخل في أروقتِها ومكاتبِها تفاصيلُ حياتهم اليوميّة ومعيشتهم، لكنّك لا تجد فيها موظّفًا صيداويًّا، إلّا على عدد أصابع اليد الواحدة. الأسبابُ كثيرةٌ ومتراكمة، لكنّ الأرقام باتت فاضحةً ومُعيبة، بعد «اجتياحاتٍ» من مناطق وأعرافٍ حوّلت السراي إلى جسمٍ هجينٍ في قلبِ مدينةٍ لا تربطها بالمكان إلّا تواجدُها الجغرافيّ، لا أكثر. بحسب استطلاعٍ دقيق أجرته جريدة «البوست» بشكلٍ غير رسميّ، تبيّن أنّ عدد الصيداويّين الذين يشغلون وظائفَ رسميّةً في سراي صيدا يتراوح اليوم ما بين 12 و17 موظّفًا فقط، من أصل 287 موظّفًا هو العدد الإجماليّ للعاملين في تلك المنشأة الحكوميّة (عدا السلكين العسكري والأمني) أي إنّ أقلّ من 4.1% من تعداد الموظّفين هناك هم من أهل المدينة. هل يُعقلُ ذلك؟ لماذا هذا الواقع في بلدٍ تحكمه الانتماءاتُ المناطقيّة والمذهبيّة، والتبعياتُ الحزبيّة والسياسيّة الداخلة في صلب تكوينه الديمغرافيّ، منذ أن كانت دولة «لبنان الكبير»؟ هنا يطغى السؤالُ البديهيّ: أين نوّابُ المدينة وقياداتُها وفاعليّاتُها السياسيّة والاجتماعيّة والدينيّة والاقتصاديّة حيال هذا الواقع؟ ولماذا لا تُطالب المدينة بحصّتِها المشروعة من الوظائف والمناصب، التي تُسهّل حياةَ الصيداويّين وتُحسّن من معيشتهم؟ لا تقولوا إنّها “حساسيّةُ الصيداويّ التقليديّة” تجاه العمل في الوظائف الرسميّة والإدارات العامّة. كان ذلك من قصص الزمن الغابر. اليوم، يتطلّع الناس إلى وظيفةٍ «من غيمة». لو كان هذا الكلام في النروج، لما كان له من مبرّر. لكنّنا في لبنان، ولكي نحيا ونبقى ونستمرّ، علينا أن نُقارب الأمور بواقعيّةٍ سياسيّةٍ ومذهبيّةٍ ومناطقيّة شفّافة، تضع في نصابها العيشَ الكريم لكلّ المواطنين سواسيةً في الحقوق والواجبات. أليس هذا ما يقوله الدستور؟ بس بصيدا ترى، هل تجد مثل هذا الأمر في سراي النبطيّة، أو البترون، أو زحلة؟ حُكمًا لا. لكنّك في صيدا، حيث تُدار الدولة من خارج المدينة، وباسمها. حيث يُرفَع اسمُ صيدا على الواجهة، ويُفرَّغ أهلُها من الداخل. مدينةٌ تُستَخدم إداريًّا، ولا يُعترف بها شريكًا. ما يجري ليس خللًا وظيفيًّا عابرًا، بل نتيجةُ خيارٍ سياسيٍّ مزمن، عنوانه: تهميشٌ صامت، وتنازلٌ مقيم، وغيابُ إرادةٍ محلّيّة تجرؤ على السؤال والمواجهة. فالحقوق لا تُمنَح، بل تُنتَزع، وصيدا، بصمتها الطويل، دفعت الثمن كاملًا. الفضيحة ليست في الأرقام وحدها، بل في الاعتياد عليها. في تحوّل الإقصاء إلى أمرٍ طبيعيّ، والظلم إلى تفصيل، والمدينة إلى عنوانٍ بلا مضمونٍ حقيقيّ.
لم يعد ملفّ «الفارق» المالي في بلديّة صيدا تفصيلًا إداريًا عابرًا، بل تحوّل إلى اختبارٍ مباشر لشفافيّة الإدارة البلديّة وقدرتها على تحمّل المسؤوليّة السياسيّة والرقابيّة. فمنذ أكثر من شهرين، أوعز رئيسُ بلديّةِ صيدا مصطفى حجازي إلى الجهاتِ المعنيّة بتوسيعِ التدقيقِ والتحقيق، على خلفيّةِ اكتشاف فارقٍ غيرِ مطابق في الصندوقِ الماليّ للبلديّة بين المبالغِ والجبايات، في واحدةٍ من أكثرِ الدوائر حساسيّةً وخطورة. بحسب ما أظهرته التحقيقات، جرى تحميلُ إحدى الموظّفات مسؤوليّةَ هذا الفارق. وخلال المواجهة معها، عرضتِ الموظّفةُ بيعَ سيّارتها لتعويضِ المبلغِ المفقود، في خطوةٍ تعكس حجمَ الإرباكِ الذي أصاب الملف، ما استدعى توقيفَها إثرَ مداهمةٍ “عاديّةٍ” لمبنى البلديّة حصلت أمس، بعلمِ رئيسِ البلديّة وتنسيقٍ معه من قبلِ الجهازِ الأمنيّ المولجِ بالمهمّة. مع الإشارة إلى أنّه جرى تخلية سبيلها بعد ساعاتٍ قليلةٍ من توقيفها، ومنعِها من السفر. الخطيرَ في القضيّة، لا يكمن فقط في قيمةِ المبلغِ المفقود، الذي لا يزيد على 10,000 دولار (950 مليون ليرة)، بل في الأسئلةِ التي يفتحها هذا الملف حول آليّاتِ الرقابةِ الداخليّة، ومن يتحمّلُ المسؤوليّةَ السياسيّةَ والإداريّةَ قبل تحميلها لموظّفٍ واحد. تشير معلوماتُ صحيفةِ «البوست» إلى أنّ رئيسَ البلديّة حاول، بعد شيوعِ الخبر وحصولِ المداهمة، لملمةَ الملف واحتواءَ تداعياته، وسط تداولٍ بإحتمال لفلفته في القادم من الأيام تحت عناوين «الأسبابِ الصحيّةِ والنفسيّةِ المخفّفة»، في مقاربةٍ تطرح علاماتِ استفهامٍ كبرى حول ما إذا كانت القضيّة ستُعالج كخطأٍ فرديّ، أم كخللٍ بنيويٍّ في إدارةِ المالِ العامّ يستوجب محاسبةً أوسعَ وأوضح.
في خطوةٍ لافتةٍ من حيثُ الشَّكلُ والتوقيت، قامت شخصيّةٌ اقتصاديّةٌ صيداويّةٌ لها حضورُها في المدينة، ومنخرطةٌ بالعمل في الشأن العام منذ سنوات، بزيارةٍ إلى رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي في عين التينة، ظهرَ اليوم. بحسب معلوماتٍ حصلت عليها جريدة «البوست»، فإنّ الزيارة تأتي في إطار البحث في شؤونٍ إنمائيّةٍ وسياسيّةٍ بالغةِ الأهميّة، تهمّ المدينة في المرحلة المقبلة. وأشارت مصادرُ مطّلعةٌ إلى أنّ البحث بين الرجلين تطرّق أيضًا إلى موضوع الاستحقاق النيابيّ المقبل في صيدا، وخارطة التحالفات المرتقبة، حيث تردّد أنّ الشخصيّة حملت معها اسمًا يمكن إدراجه في خانة «المرشَّح الخفي»، على أن يُترك لرئيس المجلس صياغةُ «تخريجته» على نسق لعبة «الأرانب» التي يُجيدها. فهل تندرج هذه الخطوة، كما قرأتها مصادر، كرد بعد رصد حالةٍ من التوتّر والمشاحنة بين هذه الشخصيّة وقوّةٍ سياسيّةٍ أساسيّةٍ في المدينة، لا سيّما في الآونة الأخيرة؟