تبدو إيران للوهلة الأولى دولة متماسكة تقوم على هوية قومية فارسية ونظام سياسي ديني شيعي. لكن خلف هذه الصورة تختبئ بنية اجتماعية معقدة تتكوّن من فسيفساء واسعة من القوميات والمذاهب. فإلى جانب الفرس الذين يشكّلون الأغلبية، تعيش داخل البلاد أقليات كبيرة أبرزها الأذريون والبلوش والعرب والأكراد والتركمان في قلب هذا النسيج الاجتماعي والسياسي المعقد، تقف الأقليات الكردية والسنية شاهدة على تاريخ طويل من التحديات والتهميش والسعي للحفاظ على الهوية. وعلى الرغم من أن النظام الإيراني يسعى إلى تقديم صورة لدولة متجانسة تقوم على القومية الفارسية والمذهب الشيعي، فإن هذه الأقليات، التي تشكّل نسبة مهمة من السكان، تمثل واقعًا ديموغرافيًا وثقافيًا لا يمكن تجاهله. هذا التقرير يحلل تاريخ وواقع الأقليات القومية والمذهبية في إيران، ويسلط الضوء على سياسات التهميش التي تتهم طهران بممارستها، كما يستشرف الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الأقليات في أي تحولات سياسية مستقبلية داخل البلاد. الأكراد… نضال عبر العصور يمتد الوجود الكردي في إيران إلى قرون طويلة، إذ يعتبر الأكراد من الشعوب الأصيلة في المنطقة. ويشير عدد من المؤرخين إلى أن الميديين الذين أسسوا إمبراطورية في القرن السابع قبل الميلاد يمثلون أحد الجذور التاريخية للشعب الكردي. بعد الفتح الإسلامي، أسس الأكراد عدة إمارات سياسية بين القرنين العاشر والثاني عشر، قبل أن تتغير المعادلات مع قيام الدولة الصفوية في القرن السادس عشر. شكّل صعود الصفويين نقطة تحول مفصلية، إذ فرض الشاه إسماعيل الصفوي المذهب الشيعي بالقوة، ما أدى إلى صراع مع الأكراد الذين يدين معظمهم بالمذهب السني. هذه السياسة لم تؤد فقط إلى تهجير مناطق كردية وتدميرها، بل ساهمت في ترسيخ شعور بالاختلاف القومي والديني داخل الوجدان الكردي. وفي القرن العشرين، تجسد الطموح القومي الكردي في تأسيس جمهورية مهاباد عام 1946، التي لم تعش سوى أحد عشر شهرًا لكنها بقيت رمزًا بارزًا في الذاكرة السياسية الكردية. الأقليات في إيران ليست مجرد أطراف جغرافية مهمّشة، بل عقدة سياسية كامنة قد تحدد مستقبل الدولة نفسها السُنة أقلية بعد قرون من الأغلبية خلافًا للصورة السائدة اليوم، كانت إيران ذات غالبية سنية لما يقارب تسعة قرون بعد الفتح الإسلامي. فقد اتبع سكان بلاد فارس في معظمهم المذاهب السنية، خاصة الشافعية والحنفية، وكانت إيران أحد المراكز المهمة للعلوم الدينية السنية. لكن هذا الواقع تغير جذريًا مع وصول الصفويين إلى السلطة عام 1501، حين فُرض المذهب الشيعي الاثني عشري دينًا رسميًا للدولة، وغالبًا ما تم ذلك بالقوة. وقد أدت هذه العملية التاريخية إلى تغيير ديموغرافي مذهبي واسع، حوّل السنة تدريجيًا من أغلبية إلى أقلية تعيش آثار ذلك التحول حتى اليوم. دولة متعددة القوميات تشير تقديرات غير رسمية إلى أن الفرس يشكّلون ما بين 55 و60 بالمئة من سكان إيران، فيما يتوزع الباقون بين قوميات متعددة، أبرزها: الأذريون: 15 إلى 20 % الأكراد: نحو 10 % العرب: 2 إلى 3 % البلوش: نحو 2 % التركمان ومجموعات أخرى بنسب أقل تتركز معظم هذه الأقليات في المناطق الحدودية للدولة، وهو عامل جيوسياسي مهم يمنحها امتدادات قومية خارج الحدود. سياسات التهميش والتمييز تشكو الأقليات القومية والمذهبية في إيران من تمييز سياسي واقتصادي وثقافي. فعلى الصعيد السياسي، نادرًا ما يتولى أبناء هذه الأقليات مناصب عليا في الدولة، مثل الوزارات أو المحافظات أو المناصب السيادية. أما اقتصاديًا، فتُعد مناطق الأقليات من بين الأكثر حرمانًا في البلاد، إذ تعاني من نسب مرتفعة من البطالة والفقر وضعف البنية التحتية. ثقافيًا، تفرض السلطات قيودًا على تعليم اللغات المحلية، مثل الكردية أو البلوشية، كما يواجه السنة قيودًا على بناء المساجد في بعض المدن الكبرى، بما في ذلك العاصمة طهران. وتشير تقارير حقوقية إلى اعتقالات متكررة تطال ناشطين من هذه الأقليات، إضافة إلى استخدام القوة في قمع الاحتجاجات، كما حدث في المناطق الكردية والبلوشية عقب وفاة الشابة الكردية مهسا أميني عام 2022. العرب في خوزستان… النفط والهوية في جنوب غرب إيران تقع محافظة خوزستان، وهي واحدة من أكثر مناطق البلاد أهمية من الناحية الاقتصادية. فالمنطقة تحتوي على الجزء الأكبر من احتياطات النفط الإيرانية، وتشكّل شريانًا حيويًا لاقتصاد البلاد. يعيش في خوزستان خليط من القوميات، لكن العرب يشكّلون نسبة مهمة من السكان، خاصة في المناطق القريبة من الحدود العراقية. وقد شهدت المحافظة احتجاجات متكررة خلال السنوات الماضية، خصوصًا على خلفية أزمات المياه والتلوث البيئي والبطالة. البلوش… الخاصرة الأمنية الرخوة في جنوب شرق إيران تقع محافظة سيستان وبلوشستان، وهي واحدة من أفقر مناطق البلاد وأكثرها اضطرابًا. ينتمي معظم سكانها إلى القومية البلوشية ويتبعون المذهب السني، ويشتكون منذ عقود من التهميش الاقتصادي والسياسي. بسبب هذه الظروف، شهدت المنطقة عدة حركات تمرد مسلحة، أبرزها جماعة جند الله التي نفذت هجمات ضد قوات الأمن الإيرانية في العقد الأول من الألفية. ورغم نجاح طهران في احتواء كثير من هذه التمردات، فإن المنطقة ما زالت توصف بأنها الخاصرة الأمنية الرخوة للدولة الإيرانية. لماذا تخشى طهران “تمرد الأطراف”؟ في العلوم السياسية، تواجه الدول متعددة القوميات خطر ما يُعرف بـ تمرد الأطراف، أي اندلاع الحركات الاحتجاجية أو المسلحة في المناطق البعيدة عن مركز السلطة. وفي حالة إيران، تعيش معظم الأقليات في المناطق الحدودية، ما يمنحها ثلاثة عناصر حساسة: امتدادات قومية عبر الحدود، إمكانية التواصل مع جماعات مماثلة في دول أخرى، البعد الجغرافي عن مركز السلطة في طهران. ومع ذلك، لم تنجح أي حركة انفصالية حتى الآن في تهديد وحدة الدولة الإيرانية بشكل فعلي. في إيران، لا يبدأ الصدع من قلب طهران دائماً… بل من أطرافها القومية والمذهبية هل يمكن للأقليات إسقاط النظام؟ رغم حجمها وتأثيرها الجغرافي، يرى معظم الباحثين أن الأقليات وحدها غير قادرة على إسقاط النظام الإيراني. فالسلطة في طهران تستند إلى شبكة قوية من المؤسسات الأمنية والعسكرية، إضافة إلى قاعدة اجتماعية في المدن الكبرى. لكن في حال تزامن عدة عوامل، مثل: احتجاجات واسعة في المدن الكبرى، أزمة اقتصادية حادة، ضغط دولي متزايد، اضطرابات في المناطق الحدودية، فقد تتحول الأقليات إلى عامل مضاعف للأزمة السياسية داخل البلاد. لم تنجح سياسة القبضة الأمنية التي يتبعها النظام الإيراني في دمج الأقليات بشكل كامل داخل الهوية السياسية للدولة. بل يرى بعض المراقبين أن هذه السياسة ساهمت في تعميق مشاعر الغضب والاحتقان في مناطق الأطراف. ورغم أن الأقليات قد لا تكون القوة الوحيدة القادرة على تغيير النظام، فإن أي تحول سياسي كبير في إيران لن يكون ممكنًا دون مشاركتها الفاعلة ومعالجة مظالمها التاريخية. فإيران ليست دولة متجانسة، بل دولة متعددة الهويات. وفي لحظات التحول الكبرى، غالبًا ما تبدأ التغييرات… من الأطراف.
كشفت مصادر أمنية عربية مطلعة ل”البوست” عن ما وصفته بـ”اختراق استخباراتي بالغ الخطورة”، تمثّل في قيام إسرائيل، على مدى سنوات، بزرع شرائح مجهرية داخل حشوات الأسنان لعدد من القادة والمسؤولين الإيرانيين، من بينهم المرشد الأعلى السابق علي خامنئي. وبحسب المصادر، فإن التحقيقات التي باشرتها الأجهزة الأمنية الإيرانية خلال الأيام الأخيرة أدت إلى اكتشاف كميات كبيرة من هذه الحشوات، التي يُشتبه بأنها تحتوي على شرائح دقيقة يمكن استخدامها لأغراض تتعلق بالتتبع أو جمع المعلومات. وأشارت المصادر إلى أن السيناريو الذي يجري التحقيق فيه داخل إيران يشبه، من حيث طبيعته، العملية المعقدة التي كُشف عنها قبل عامين في لبنان، حين تبيّن أن أجهزة “البايجر” التي كانت بحوزة عناصر وقادة في حزب الله قد زُرعت فيها آليات تفجير دقيقة قبل سنوات من استخدامها. ووفق المعطيات الأولية، فإن ما يجري كشفه الآن قد يشير إلى عملية استخباراتية طويلة الأمد، اعتمدت على اختراقات غير تقليدية استهدفت الدوائر القريبة من القيادة الإيرانية. ووصفت المصادر العملية بأنها “لعبة استخباراتية صامتة امتدت لسنوات”، قبل أن تبدأ ملامحها بالظهور تباعاً. ولا تزال السلطات الإيرانية، بحسب المصادر نفسها، تتكتم على تفاصيل التحقيقات الجارية، في حين يُتوقع أن تثير هذه المعطيات، في حال تأكدت صحتها، جدلاً واسعاً حول مستوى الاختراق الأمني الذي تعرضت له مؤسسات الدولة الإيرانية.
في لحظات نادرة من التاريخ، تتوقف الحروب عن كونها أدوات ضغط سياسية، وتتحول إلى مسارات كسرٍ شامل لا يمكن التراجع عنها. ما يجري اليوم في الشرق الأوسط يقترب سريعاً من هذه اللحظة فالمواجهة المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة لم تعد مجرد جولة جديدة في لعبة الردع المتبادل، بل تبدو كأنها تنزلق إلى حربٍ تتبنى منطق اللاعودة. في هذا النوع من الصراعات، لا تُغلق الأبواب تدريجياً، بل تُحرق المفاتيح خلفها. منطق اللاعودة المؤشرات الميدانية والسياسية توحي بأن طهران تخوض المواجهة بعقلية مختلفة عن منطق إدارة الأزمات التقليدي. الحديث عن إغلاق مضيق هرمز، واستهداف منشآت الطاقة، وتوسيع بنك الأهداف ليشمل مصالح أمريكية مباشرة وغير مباشرة، لا يبدو كأدوات تفاوضية لرفع السقف قبل التسوية، بل كخطوات تصعيدية تضع المنطقة على مسار حرب تتدحرج خارج السيطرة. إيران لا تراهن على انتصار عسكري كلاسيكي، بل على معادلة أكثر قسوة: جعل الحرب مكلفة للجميع. فإذا كان ميزان القوة العسكرية يميل نظرياً إلى الولايات المتحدة وحلفائها، فإن ميزان كلفة الفوضى قد يميل في الاتجاه المعاكس. ضرب إمدادات الطاقة، رفع أسعار النفط، تعطيل سلاسل الإمداد العالمية، وإبقاء الأسواق في حالة قلق دائم؛ كلها أدوات يمكن أن تحول الاقتصاد العالمي إلى رهينة لحرب طويلة النفس. إنها صيغة ردع معكوسة: إذا لم أستطع أن أربح وحدي، يمكنني أن أجعل الجميع يخسرون. ما يجري اليوم ليس مجرد اشتباك قابل للاحتواء، بل حرب تتبنى منطق اللاعودة، حيث كل خطوة لا تُغلق باباً فحسب… بل تُحرق المفاتيح خلفه حسابات وإرادات صحيح أن إيران تلقت ضربات موجعة وخسرت موارد ومواقع حساسة، غير أن حساباتها لا تُبنى على الخسارة اليومية، بل على النتيجة النهائية للصراع. في هذا المنطق، كل يوم لا تُهزم فيه إيران هو يوم انتصار، وكل يوم لا تحقق فيه واشنطن نصراً حاسماً هو يوم تآكل إضافي في هيبتها الردعية. إنها حرب إرادات بقدر ما هي حرب أسلحة. أما الخليج، فيجد نفسه اليوم على مفترق تاريخي. استهداف منشآته النفطية وممراته البحرية الحيوية لا يهدد اقتصاده فقط، بل يطرح سؤالاً أعمق: إلى أي مدى ما زالت المظلة الأمريكية قادرة على ضمان الأمن؟ العلاقة الاستراتيجية التي قامت لعقود بين واشنطن وعواصم الخليج تدخل اختباراً غير مسبوق. فإما أن تعود الولايات المتحدة لتأكيد دورها كضامن أمني مطلق، أو أن تبدأ دول المنطقة تدريجياً في البحث عن توازنات جديدة، عبر تنويع تحالفاتها بين الشرق والغرب، أو حتى عبر تفاهمات إقليمية تعترف بأن إيران أصبحت جزءاً دائماً من معادلة القوة في المنطقة. لكن السيناريو الأكثر قتامة يبقى احتمال انزلاق المنطقة إلى حرب طويلة، تُدار فيها المواجهة عبر ساحات متعددة ووكلاء متعددي الجنسيات. الحديث عن تدمير شامل لقدرات إيران الصاروخية يواجه معضلة واقعية. فهذه القدرات ليست مجرد مخازن يمكن تدميرها بضربات جوية، بل منظومة إنتاج ومعرفة متجذرة في بنية عسكرية وصناعية معقدة. القضاء عليها بالكامل ليس عملية جراحية سريعة، بل مشروع حرب مفتوحة زمنياً ومكلفة استراتيجياً. وإذا كان التدخل البري الأمريكي داخل إيران خياراً شبه مستبعد في الحسابات العسكرية، فإن البديل المرجح سيكون تكثيف الحرب غير المباشرة: دعم قوى معارضة، تحريك أوراق إثنية، واستثمار التوترات الداخلية. غير أن تجارب العقود الماضية في المنطقة تُظهر أن هندسة الداخل الإيراني من الخارج قد تكون أكثر تعقيداً مما تبدو عليه على الورق. في الإقليم الأوسع، تبدو عدة ساحات مرشحة للانفجار. العراق يقف في موقع حساس بين موازين النفوذ المتشابكة، بينما يمكن أن يتحول لبنان واليمن إلى جبهتين إضافيتين إذا قررت قوى حليفة لطهران رفع مستوى الانخراط. عند تلك النقطة، لن تكون المنطقة أمام حرب محدودة، بل أمام صراع إقليمي طويل يعيد رسم خرائط النفوذ بالقوة. النجاة والبقاء داخل الولايات المتحدة نفسها، لا تبدو هذه الحرب محل إجماع. تقارير إعلامية أمريكية تتحدث عن غياب رؤية واضحة لليوم التالي، وعن انقسامات داخل النخب السياسية والشارع حول أهداف المواجهة وحدودها. مثل هذه الانقسامات ليست تفصيلاً ثانوياً؛ فهي قد تتحول إلى عنصر ضغط حقيقي على مسار الحرب ونتائجها. في المقابل، يبدو هدف إيران أكثر بساطة ووضوحاً: النجاة أولاً. البقاء، ثم إعادة التموضع. وبين استراتيجية أمريكية تبدو ملتبسة، وهدف إيراني وجودي واضح، تتشكل فجوة قد تطيل أمد الصراع إلى ما هو أبعد من حسابات البداية. الحروب الكبرى غالباً ما تبدأ بقرارات محسوبة، لكنها مع الوقت تتحول إلى كائنات مستقلة تتغذى من زخمها الذاتي. عند تلك اللحظة، يفقد اللاعبون قدرتهم على ضبط إيقاعها، وتصبح الحرب هي التي تفرض إيقاعها عليهم. حينها، لا يعود السؤال من بدأ. بل من يستطيع إيقاف الوحش الذي خرج من القفص. الشرق الأوسط يقف اليوم على أعتاب لحظة إعادة تعريف شاملة. والسؤال الذي سيلاحق الجميع ليس فقط من سينتصر، بل أي شرق أوسط سيولد من رحم حرب بلا سقف.