في الوقت الذي كان فيه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يزور بيروت ويلتقي المسؤولين اللبنانيين، وسط زيارة حظيت بالكثير من الاهتمام والمتابعة، كان أمين عام «تيار المستقبل» أحمد الحريري يزور العاصمة السورية دمشق، ويتجوّل في شوارعها ومطاعمها ومساجدها… توقيت الزيارتين، بحسب مصادر سياسية مطلعة لـ«البوست»، ينطوي على رسائل مباشرة وغير مباشرة، خاصة بعدما أُثير عن إلغاء لقاء كان يُقال إن الشيباني كان يزمع عقده مع «تيار المستقبل» ممثلًا ببهية الحريري والطاقم في بيروت، وهو أمر نفته مصادر مطلعة، باعتباره لم يكن مطروحًا في الأصل. يجيد الحريري الابن اختيار المواقيت اللافتة. ففي اليوم الذي كانت الأنظار شاخصة إلى بيروت، كان يتجول في عاصمة الأمويين، مع ما يتضمنه ذلك من دلالات ورمزيات، في وقت ينتظر فيه الكثيرون فكّ الشيفرات المتعلقة بالعمل السياسي المستقبلي لهذه العائلة، المعلن منها والمستور، وترقّب تغيّرات قد تكسر «الستاتيكو» القائم منذ سنين. يُشار إلى أن زيارة الحريري لدمشق كانت قد سبقتها زيارة له إلى تركيا قبل فترة وجيزة، ما يطرح السؤال عن دور تركي قد يكون مؤثرًا في القادم من الأيام على أكثر من صعيد محلي..
من يعتقد أن كأس العالم بطولة رياضية خالصة، يقرأ التاريخ بعين واحدة. فالرياضة لم تكن يومًا معزولة عن السياسة، بل كانت، في كثير من المحطات، إحدى أكثر أدوات القوة الناعمة تأثيرًا، ومنصّة لإعادة تشكيل الصورة الذهنية للدول، وتصدير الروايات، وتعزيز الشرعية، أو حتى فرض العزلة. ليس هذا استنتاجًا متعسفًا. فمنذ أولمبياد برلين عام 1936، الذي حوّله النظام النازي إلى منصة دعائية لإظهار تفوقه الأيديولوجي، مرورًا بالمقاطعات الأولمبية المتبادلة خلال الحرب الباردة، وصولًا إلى العقوبات الرياضية التي فُرضت على روسيا بعد غزوها أوكرانيا عام 2022، ظلّت الملاعب امتدادًا للصراع السياسي، وإن ارتدت قمصانًا رياضية بدل البزّات العسكرية. ولم يكن قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم استبعاد المنتخب الروسي وأنديته من المنافسات الدولية، بما فيها تصفيات كأس العالم، سوى دليل إضافي على أن الرياضة ليست محصّنة من الحسابات الجيوسياسية، مهما رُفعت شعارات الحياد. كما شهدت بطولات مختلفة جدلًا سياسيًا وأمنيًا حول منتخبات أخرى، من بينها المنتخب الإيراني، في ظل التوترات الإقليمية والدولية، وهو ما يعكس أن الرياضة كثيرًا ما تتقاطع مع السياسة، حتى وإن اختلفت الآراء حول طبيعة تلك الوقائع وأسبابها. والواقع أن الجماهير نفسها تمارس السياسة، ولو بصورة غير مباشرة. فكثيرون يشجعون منتخبات لا بسبب مستواها الفني فقط، بل لأنها تمثل دولًا يرون فيها امتدادًا لهويتهم أو لقضاياهم أو لانحيازاتهم الأخلاقية، أو لأنها تنتمي إلى دول الجنوب أو العالم النامي في مواجهة القوى التقليدية. skip render: ucaddon_material_block_quote المنتخب والدولة: هل يمكن فصل القميص عن القرار؟ ومن هنا، يصبح من المشروع التساؤل: هل يمكن فصل المنتخب عن الدولة التي يمثّلها؟ في حالة الأرجنتين، يفرض هذا السؤال نفسه بقوة في ظل مواقف رئيسها الحالي، خافيير ميلي، الذي جعل من دعمه لإسرائيل أحد أبرز عناوين سياسته الخارجية. فقد أعلن مرارًا أنه «فخور بكونه الرئيس الأكثر صهيونية في العالم»، واعتبر أن سقوط إسرائيل يعني سقوط الغرب، كما أعلن عزمه نقل سفارة بلاده إلى القدس، ورفض ملاحقة بنيامين نتنياهو أمام المحكمة الجنائية الدولية، ووضع القضية الفلسطينية في إطار مقاربته الأمنية والسياسية. بطبيعة الحال، لا يمكن اختزال منتخب الأرجنتين في مواقف رئيسه، ولا تحميل لاعبيه مسؤولية سياسات الحكومة. فالمنتخب يمثل شعبًا متعدد الآراء والانتماءات، كما أن الرياضة لا تختزل بالضرورة خيارات السلطة السياسية. لكن يبقى السؤال مشروعًا: عندما تتحول الرياضة إلى أداة في معركة الصورة والرمزية، هل يبقى تشجيع المنتخبات فعلًا رياضيًا خالصًا، أم أنه يحمل، ولو بصورة غير مباشرة، أبعادًا سياسية لا يمكن تجاهلها؟ ربما لا توجد إجابة واحدة عن هذا السؤال. لكن المؤكد أن الكرة، كما أثبت التاريخ مرارًا، لم تكن يومًا بعيدة عن السياسة، وأن المدرجات كثيرًا ما تعكس ما تعجز عنه المنابر الدبلوماسية.
في اللحظة التي يدخل فيها رئيس وزراء جديد إلى مقر الحكم في بريطانيا، لا يبدأ عمله بإعداد خطاب سياسي، أو وضع خطة اقتصادية، أو رسم أولويات حكومته. بل يجلس منفردًا ليكتب أربع رسائل سرية متطابقة، تُعرف باسم «خطابات الملاذ الأخير»، موجّهة إلى قادة الغواصات النووية البريطانية. هذه الرسائل لا تتعلق بالضرائب، ولا بالانتخابات، ولا بشعبية الحكومة. إنها تتعلق بالسؤال الأكثر قسوة الذي يمكن أن تواجهه أي دولة: ماذا سيحدث إذا تعرضت البلاد لهجوم نووي أدى إلى تدمير الحكومة بالكامل؟ قد تبدو هذه الخطوة شديدة القتامة، لكنها تعكس فلسفة حكم عميقة: الأمن القومي ليس ملفًا من ملفات الدولة، بل هو الشرط المسبق لوجودها. فقبل أن تفكر الحكومات في النمو الاقتصادي، أو الخدمات، أو البنية التحتية، عليها أن تضمن أولًا بقاء الدولة نفسها. من هنا تبدأ المقارنة الضرورية مع لبنان. ففي الدول المستقرة تُطرح أسئلة الأمن القومي قبل وقوع الكارثة، أما في لبنان فغالبًا ما تُطرح بعد وقوعها. وبينما تنشغل المؤسسات البريطانية بتحديد من يتخذ القرار في أسوأ السيناريوهات الممكنة، لا يزال اللبنانيون مختلفين حتى على تعريف المخاطر التي تهدد بلدهم، أو على الجهة المخوّلة احتكار قرار الحرب والسلم. skip render: ucaddon_material_block_quote ليس السلاح فحسب تكشف التجربة البريطانية أن الأمن القومي الحديث لم يعد مفهومًا عسكريًا ضيقًا. فهو شبكة متكاملة من العلاقات الدولية، والاستخبارات، والاقتصاد، والطاقة، والأمن السيبراني، والدبلوماسية، والقدرة الصناعية. لهذا السبب يحتل مستشار الأمن القومي في لندن موقعًا يكاد يوازي في تأثيره بعض الوزراء السياديين. فالقوة الحقيقية للدول لا تُقاس فقط بعدد الجنود والدبابات، بل بقدرتها على إدارة المعلومات والتحالفات واتخاذ القرار في اللحظات الحرجة. في لبنان، تبدو الصورة معاكسة إلى حد كبير. فالنقاش العام غالبًا ما يختزل الأمن القومي في الجانب العسكري أو الأمني المباشر، بينما تتراجع ملفات أكثر خطورة مثل الأمن الاقتصادي، والأمن الغذائي، وأمن الطاقة، والأمن الرقمي، والأمن الديموغرافي، وهي كلها عناصر باتت تشكل اليوم جوهر مفهوم الأمن القومي في العالم. الدولة أم الشبكات؟ تكشف التجربة البريطانية أيضًا أهمية ما يمكن تسميته «شبكات الدولة العميقة الإيجابية»، أي تلك المنظومة المؤسسية التي تضمن استمرارية السياسات بغض النظر عن تبدّل الحكومات. فالعلاقات التي يبنيها مستشارو الأمن القومي، والدبلوماسيون، وقادة الأجهزة الاستخبارية، لا تختفي مع كل استحقاق سياسي، بل تتحول إلى جزء من القوة الناعمة للدولة. أما في لبنان، فغالبًا ما ترتبط العلاقات الخارجية بالشخصيات أكثر من ارتباطها بالمؤسسات. ومع كل تبدّل سياسي تدخل الدولة في مرحلة إعادة تعريف لشبكات النفوذ والاتصال، ما يؤدي إلى خسارة تراكم الخبرات والاستمرارية الاستراتيجية. وهنا يكمن أحد أخطر الفروق بين الدولة القادرة والدولة الهشة: الأولى تبني مؤسسات تدوم، والثانية تعتمد على أفراد يرحلون. الحرب الرمادية أحد أهم الاستنتاجات التي توصلت إليها المؤسسات الأمنية البريطانية خلال السنوات الأخيرة هو أن العالم لم يعد يعيش حالة سلام كاملة أو حرب كاملة، بل منطقة رمادية بين الاثنين. وهذا الوصف يكاد ينطبق حرفيًا على لبنان. فالبلاد تعيش منذ سنوات في مساحة ضبابية بين الاستقرار والانفجار. ليست في حالة حرب شاملة، لكنها ليست في حالة سلام مستدام. تتعرض لضغوط اقتصادية ومالية وسياسية وأمنية وإقليمية متواصلة، فيما تتقاطع فوق أرضها مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة. وفي مثل هذه البيئات تصبح الحاجة إلى استراتيجية أمن قومي شاملة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. قبل أن يناقش أي بلد الضرائب، أو الكهرباء، أو الرواتب، أو مشاريع التنمية، ثمة سؤال واحد يجب أن يجيب عنه: ما هي الدولة التي يريد حمايتها؟ في بريطانيا تُكتب «خطابات الملاذ الأخير» كتمرين ذهني على أسوأ الاحتمالات. أما في لبنان، فربما نحتاج أولًا إلى كتابة ما يمكن تسميته «وثيقة البقاء الوطني»، أي رؤية مشتركة تحدد مفهوم الدولة، ومصالحها العليا، وموقعها الإقليمي، وآليات حماية سيادتها. فالدول لا تسقط فقط عندما تُهزم عسكريًا، بل عندما تفقد القدرة على تعريف نفسها، وعلى تحديد أولوياتها الاستراتيجية. ولهذا فإن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من التجربة البريطانية ليس في مضمون الرسائل السرية التي لا يعرف أحد محتواها، بل في الفكرة التي تقف خلفها: الدول الجادة تفكر في البقاء قبل أن تفكر في الحكم، وفي المستقبل قبل أن تنشغل بصخب السياسة اليومية. skip render: ucaddon_box_testimonial